الفصل 34

ترجمة اريز
انستا : arez._.aa

في هذه الأيّام، صار الرّجال هم مَن يحملون الماء في القاعدة. يتبادلون النّظرات بابتسامات مرّة، وفي قلوبهم مرارة لا توصف. فمنذ أن حمل لو تشنيوان الماء عن زوجته، دوّت جملته “لا أطيق أن تتعب زوجتي” في أرجاء القاعدة. في البداية تندّروا بها، لكنّهم سرعان ما امتلؤوا غيرة. فالنّساء جميعهنّ نساء، فلمَ هنّ في شقاء؟

في تلك اللّيلة، قامت ثورة في كلّ بيت. عددت النّسوة عيوب أزواجهنّ، وردّدن عبارة “لا أطيق أن تتعب زوجتي” كأنّها دستور. والأعلى شأناً منهنّ تركت كلّ شيء، وجعلت الرّجل يطبخ ويغسل ويحمل الماء ويرعى الأطفال. مرّت أيّام، وصار الرّجال يأتون إلى العمل منهوكين، يتثاءبون. حتّى كاد أحدهم يقطع إصبعه وهو يُجري تجربة، فلم يملك لو تشنيوان إلّا أن يجمعهم.

“إن بقيتم على هذا الحال في العمل، فسأخصم رواتبكم كلّها!”

انتبهوا فوراً. وتمتم صوت من بينهم بمظلوميّة: “وماذا نفعل؟ بعد الدّوام، نحمل الماء ونطبخ ونرعى الأطفال، ثمّ نؤدّي ‘ضريبة المخزن’… ولسنا مثل القائد لو في نشاطه…”

“هاهاها!” ضحك الجميع، لكنّهم ما إن رأوا وجه لو تشنيوان حتّى نكّسوا رؤوسهم. أمّا العبارات الأولى فلم يعترض عليها، فهي من حبّ الزّوجة. لكنّ كلمة “ضريبة المخزن”… صكّ أسنانه. كم تمنّى… كبت لو تشنيوان غيرته وقال: “الآن عرفتم مشقّة النّساء؟ منهنّ مَن تعمل وتعود لتدبير البيت ورعاية الأطفال، هل اشتكت؟” “نحن رجال! والرّجال لهم هيئة! أليس من واجبنا أن نساعدهنّ في البيت؟” “بلى!” هتفوا. “لا يهمّني كم تساعدون في بيوتكم، لكن في العمل: جدّيّة! انتباه! دقّة!” “نحمل رسالة الوطن! لا مجال للخطأ!” “جدّيّة! انتباه! دقّة! لا مجال للخطأ!” رفعوا شعاراتهم وعادوا إلى عملهم بهمم عالية.

في تلك الأثناء، كانت سو وانشينغ غارقة في العمل. فالمرضى كثر، وطوابيرهم بلغت الباب. جلس المدير والممرّضون القدامى يكشفون، أمّا سو وانشينغ وتشين ميانميان، وهما متدرّبتان، فعليهما تضميد الجروح وإعطاء الحقن والأدوية. جلست تشين ميانميان تحمل زجاجة دواء، لتكتشف أن لا أحد ينتظر عندها. بينما اصطفّ طابور طويل أمام سو وانشينغ. كانت تشين ميانميان قد عوقبت بإنذار شديد وخصم ثلاثة أشهر من راتبها بسبب حادثة الإبر في الضّمادات. ولولا مال أبويها لأكلت التّراب. والآن، ترى كلّ هؤلاء المرضى عند سو وانشينغ، فيشتعل غيظها.

“تعالوا، أنا هنا فارغة!” صاحت. لكن لم يتحرّك أحد. القاعدة صغيرة، والإشاعات سريعة، فسمعة تشين ميانميان في الحضيض. أمّا سو وانشينغ، فرغم كثرة العمل، كانت صبورة جدّاً، تتحدّث بابتسامة. كان جنديّ جرحت ذراعه آلة، ففتحت له الجرح ونظّفته ووضعت الدّواء ولفّت الضّمادة. الضّمادة مستوية، والعقدة في غير موضع المفصل ليسهل حركته. “زوجة القائد، يدك سحريّة! أريح من غيرهم بكثير، ولا ألم!” قال الجنديّ ببلاهة. وأضافت امرأة بجانبه: “نعم، الممرّضة سو دقيقة القلب ماهرة اليد، وتعلّمنا كيف نرعى الجروح، أفضل من تلك المتكبّرة!” وأشارت بذقنها إلى تشين ميانميان. قفزت تشين ميانميان: “عمّن تتحدّثين؟” أدارت المرأة رأسها. لا أسمع، فضرطة السلحفاة لا تسمع.

وتابع الجنديّ: “القائد لو محظوظ بزوجة ماهرة طيّبة القلب! وطبعاً قائدنا رائع! يقود الرّجال، ويصنع الذّخيرة!” لمّعت عينا سو وانشينغ. سمعت أنّه عبقريّ الصّناعات العسكريّة، لكن كم هو عبقريّ؟ لم تكن تعرف. فأبطأت حركتها وتساءلت: “احكِ لي.” تحمّس الجنديّ: “قصصه كثيرة! يداه هما الكنز! حتّى أنّ العدوّ رصد جائزة ثمينة ليدَي القائد لو!” همهم الواقفون. “مشاريع كثيرة مستعصية أنجزها مع فريقه. حتّى المخطّط الجديد الّذي عجز عنه كبير المهندسين، حلّه القائد!” نظر حوله وتأكّد ألّا جواسيس، ثمّ همس: “سمعت أنّه سيصنع القنبلة الذّرّيّة! ابقوا الأمر سرّاً!” صارت عينا سو وانشينغ نجمتَين. لم تتصوّر أنّ له هذا الثّقل! وفي حياتها السّابقة، بينما كان يحميها في صمت، كان يحمل على كتفه هذا كلّه!

بعد الدّوام، عادت مسرعة. كان لو تشنيوان بالمئزر، يضع الطّعام على المائدة، يبتسم: “اغسلي يديك، تعالَ نأكل.” لأوّل مرّة تنتبه إلى يديه: طويلتان، عظميّتان، كيد في قصّة مصوّرة. هاتان اليدان تصنعان المعجزات، وتطبخان لها. همّت بمدحه، فقال بدهشة: “وانشينغ، بذورك نبتت!” في الفناء، براعم خضراء صغيرة تطلّ برؤوسها، مفعمة بالحياة. فرحت سو وانشينغ، إنّها بفضل تربة الفضاء السّوداء وماء النّبع! “لكنّها عالية قليلاً.” خشي لو تشنيوان أن تموت، لكنّه لم يرد أن يحبطها. لكنّ سو وانشينغ لم تكترث، هذه البراعم ستصير أرزّاً وجزراً وملفوفاً وفواكه! “اطمئن، قرأت كتباً، وركّبت محلولاً مغذّياً، وقد نجح. سأطوّر الوصفة، لعلّنا نأكل خضاراً طازجة قريباً!” بدا وجهها مفعماً بالأمل. نظر إليها لو تشنيوان وأومأ بصمت. لعلّ هذا ينجح. فسو وانشينغ لطالما فاجأته.

أمّا تشين ميانميان فلم تهدأ. تذكّرت كيف حملها لو تشنيوان على الملأ، فالتهمتها نار الغيرة. أحبّته عامَين، فكيف تسبقها هذه الطّارئة؟ كتبت رسالة اتّهام في صفحات، وتسلّلت في الظّلام وألقتها في مكتب الشّؤون السّياسيّة. سو وانشينغ، لن أتركك تهنئين!

🎉

انتهى الفصل 34

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك