الفصل 36

ترجمة اريز
انستا : arez._.aa

في هذه الأيّام، صار الرّجال هم مَن يحملون الماء في القاعدة. يتبادلون النّظرات بابتسامات مرّة، وفي قلوبهم مرارة لا توصف. فمنذ أن حمل لو تشنيوان الماء عن زوجته، دوّت جملته “لا أطيق أن تتعب زوجتي” في أرجاء القاعدة. في البداية تندّروا بها، لكنّهم سرعان ما امتلؤوا غيرة. فالنّساء جميعهنّ نساء، فلمَ هنّ في شقاء؟

في تلك اللّيلة، قامت ثورة في كلّ بيت. عددت النّسوة عيوب أزواجهنّ، وردّدن عبارة “لا أطيق أن تتعب زوجتي” كأنّها دستور. والأعلى شأناً منهنّ تركت كلّ شيء، وجعلت الرّجل يطبخ ويغسل ويحمل الماء ويرعى الأطفال. مرّت أيّام، وصار الرّجال يأتون إلى العمل منهوكين، يتثاءبون. حتّى كاد أحدهم يقطع إصبعه وهو يُجري تجربة، فلم يملك لو تشنيوان إلّا أن يجمعهم.

“إن بقيتم على هذا الحال في العمل، فسأخصم رواتبكم كلّها!”

انتبهوا فوراً. وتمتم صوت من بينهم بمظلوميّة: “وماذا نفعل؟ بعد الدّوام، نحمل الماء ونطبخ ونرعى الأطفال، ثمّ نؤدّي ‘ضريبة المخزن’… ولسنا مثل القائد لو في نشاطه…”

“هاهاها!” ضحك الجميع، لكنّهم ما إن رأوا وجه لو تشنيوان حتّى نكّسوا رؤوسهم. أمّا العبارات الأولى فلم يعترض عليها، فهي من حبّ الزّوجة. لكنّ كلمة “ضريبة المخزن”… صكّ أسنانه. كم تمنّى… كبت لو تشنيوان غيرته وقال: “الآن عرفتم مشقّة النّساء؟ منهنّ مَن تعمل وتعود لتدبير البيت ورعاية الأطفال، هل اشتكت؟” “نحن رجال! والرّجال لهم هيئة! أليس من واجبنا أن نساعدهنّ في البيت؟” “بلى!” هتفوا. “لا يهمّني كم تساعدون في بيوتكم، لكن في العمل: جدّيّة! انتباه! دقّة!” “نحمل رسالة الوطن! لا مجال للخطأ!” “جدّيّة! انتباه! دقّة! لا مجال للخطأ!” رفعوا شعاراتهم وعادوا إلى عملهم بهمم عالية.

في تلك الأثناء، كانت سو وانشينغ غارقة في العمل. فالمرضى كثر، وطوابيرهم بلغت الباب. جلس المدير والممرّضون القدامى يكشفون، أمّا سو وانشينغ وتشين ميانميان، وهما متدرّبتان، فعليهما تضميد الجروح وإعطاء الحقن والأدوية. جلست تشين ميانميان تحمل زجاجة دواء، لتكتشف أن لا أحد ينتظر عندها. بينما اصطفّ طابور طويل أمام سو وانشينغ. كانت تشين ميانميان قد عوقبت بإنذار شديد وخصم ثلاثة أشهر من راتبها بسبب حادثة الإبر في الضّمادات. ولولا مال أبويها لأكلت التّراب. والآن، ترى كلّ هؤلاء المرضى عند سو وانشينغ، فيشتعل غيظها.

“تعالوا، أنا هنا فارغة!” صاحت. لكن لم يتحرّك أحد. القاعدة صغيرة، والإشاعات سريعة، فسمعة تشين ميانميان في الحضيض. أمّا سو وانشينغ، فرغم كثرة العمل، كانت صبورة جدّاً، تتحدّث بابتسامة. كان جنديّ جرحت ذراعه آلة، ففتحت له الجرح ونظّفته ووضعت الدّواء ولفّت الضّمادة. الضّمادة مستوية، والعقدة في غير موضع المفصل ليسهل حركته. “زوجة القائد، يدك سحريّة! أريح من غيرهم بكثير، ولا ألم!” قال الجنديّ ببلاهة. وأضافت امرأة بجانبه: “نعم، الممرّضة سو دقيقة القلب ماهرة اليد، وتعلّمنا كيف نرعى الجروح، أفضل من تلك المتكبّرة!” وأشارت بذقنها إلى تشين ميانميان. قفزت تشين ميانميان: “عمّن تتحدّثين؟” أدارت المرأة رأسها. لا أسمع، فضرطة السلحفاة لا تسمع.

وتابع الجنديّ: “القائد لو محظوظ بزوجة ماهرة طيّبة القلب! وطبعاً قائدنا رائع! يقود الرّجال، ويصنع الذّخيرة!” لمّعت عينا سو وانشينغ. سمعت أنّه عبقريّ الصّناعات العسكريّة، لكن كم هو عبقريّ؟ لم تكن تعرف. فأبطأت حركتها وتساءلت: “احكِ لي.” تحمّس الجنديّ: “قصصه كثيرة! يداه هما الكنز! حتّى أنّ العدوّ رصد جائزة ثمينة ليدَي القائد لو!” همهم الواقفون. “مشاريع كثيرة مستعصية أنجزها مع فريقه. حتّى المخطّط الجديد الّذي عجز عنه كبير المهندسين، حلّه القائد!” نظر حوله وتأكّد ألّا جواسيس، ثمّ همس: “سمعت أنّه سيصنع القنبلة الذّرّيّة! ابقوا الأمر سرّاً!” صارت عينا سو وانشينغ نجمتَين. لم تتصوّر أنّ له هذا الثّقل! وفي حياتها السّابقة، بينما كان يحميها في صمت، كان يحمل على كتفه هذا كلّه!

بعد الدّوام، عادت مسرعة. كان لو تشنيوان بالمئزر، يضع الطّعام على المائدة، يبتسم: “اغسلي يديك، تعالَ نأكل.” لأوّل مرّة تنتبه إلى يديه: طويلتان، عظميّتان، كيد في قصّة مصوّرة. هاتان اليدان تصنعان المعجزات، وتطبخان لها. همّت بمدحه، فقال بدهشة: “وانشينغ، بذورك نبتت!” في الفناء، براعم خضراء صغيرة تطلّ برؤوسها، مفعمة بالحياة. فرحت سو وانشينغ، إنّها بفضل تربة الفضاء السّوداء وماء النّبع! “لكنّها عالية قليلاً.” خشي لو تشنيوان أن تموت، لكنّه لم يرد أن يحبطها. لكنّ سو وانشينغ لم تكترث، هذه البراعم ستصير أرزّاً وجزراً وملفوفاً وفواكه! “اطمئن، قرأت كتباً، وركّبت محلولاً مغذّياً، وقد نجح. سأطوّر الوصفة، لعلّنا نأكل خضاراً طازجة قريباً!” بدا وجهها مفعماً بالأمل. نظر إليها لو تشنيوان وأومأ بصمت. لعلّ هذا ينجح. فسو وانشينغ لطالما فاجأته.

أمّا تشين ميانميان فلم تهدأ. تذكّرت كيف حملها لو تشنيوان على الملأ، فالتهمتها نار الغيرة. أحبّته عامَين، فكيف تسبقها هذه الطّارئة؟ كتبت رسالة اتّهام في صفحات، وتسلّلت في الظّلام وألقتها في مكتب الشّؤون السّياسيّة. سو وانشينغ، لن أتركك تهنئين!

ما إن باشر مكتب الشّؤون السّياسيّة عمله، حتّى وجد على الأرض رسالة اتّهام مجهولة. تقول الرّسالة بإيجاز إنّ سو وانشينغ ذات أصل سيّئ، وإنّ والدها سو هونغي رأسماليّ سيّئ الذّكر! وإنّ سو وانشينغ تسلّلت إلى صفوف الثّورة، بل خدعت القائد لو، وهو كادر عسكريّ صناعيّ أساسيّ. وإنّها مرشّحة بقوّة لتكون عميلة للعدوّ! وتطلب الرّسالة من التّنظيم أن يحقّق بصرامة!

رفع مكتب السّياسة الأمر فوراً إلى المستوى الأعلى، وعقدوا اجتماعات، بل استدعوا لو تشنيوان خصّيصاً للحديث. أبرز الرّئيس ليو رسالة الاتّهام بوجه صارم وقال: “أيّها الرّفيق لو تشنيوان، بخصوص مسألة الأصل العائليّ لزوجتك، التّنظيم بحاجة إلى تحرّي الحقيقة معك. هذا الأمر يمسّ مستقبلك السّياسيّ وأمن القاعدة.” جلس لو تشنيوان منتصباً وقال: “سأقول الحقيقة كاملة.”

سأل الرّئيس ليو: “هل زوجتك، الرّفيقة سو وانشينغ، من أصل رأسماليّ؟” أجاب لو تشنيوان: “لا!” تبادل الرّئيس ليو وزميله نظرة دهشة. لقد اتّصلوا بهوشي وتحرّوا، وسو وانشينغ هي بالفعل ابنة أحد عمالقة نسيج هوشي. فكيف يكذب لو تشنيوان؟ حدّق الرّئيس ليو وقال بإصرار أكبر: “أيّها الرّفيق لو تشنيوان، أجب بصدق.” قال لو تشنيوان بجدّيّة: “زوجتي وُلدت في أسرة ميسورة، لكنّ أسرتها انهارت لاحقاً، وتبرّعت بمعمل سو للدّولة، ورافقتني إلى القاعدة.” “أرى زوجتي امرأة عظيمة، لا تمتّ للرأسماليّة بصلة. لديّ في البيت وثائق رسميّة وتكريم، أأحضرها لكم؟”

لم يتوقّع الرّئيس ليو وزميله هذا، فتأثّروا. “الرّفيقة الّتي تبرّعت بثروتها للدّولة لا شكّ في أصلها!” “سنكشف حقيقة هذا الأمر، لكن توقيت رسالة الاتّهام سيّئ، وقد يؤثّر على ترقيتك القريبة.” لم يعبس لو تشنيوان حتّى وقال: “إن تعارضت ترقيتي مع زوجتي، سأختار ترك التّرقية.” “ماذا؟ هذا…” لم يصدّق الرّئيس ليو أذنيه. قال بنصح: “يا تشنيوان، في هذه التّرقية ستصبح رسميّاً ‘نائب القائد’، فكّر جيّداً!” فرغم مناداته ب “القائد لو”، إلّا أنّ المنصب غير رسميّ بعدُ. قال لو تشنيوان بصرامة: “فكّرت جيّداً. زوجتي، أهمّ من أيّ شيء.” آه، عقل عاشق، لا دواء له. تنهّد الرّئيس ليو: “لينتهِ حديثنا هنا.”

بعد أن عاد لو تشنيوان لعمله، سرعان ما انتشر خبر رسالة الاتّهام. كانت تشين ميانميان تسمع همسات النّاس في الطّريق. دخلت دكّاناً جنوبيّاً، فوجدت صاحبته تتحدّث بحماسة مع امرأة. “سمعتِ؟ زوجة القائد لو، الممرّضة سو، رأسماليّة!” “نعم، منذ أن أتت قيل إنّها رأسماليّة، كثيرون لم يصدّقوا، والآن ثبت!” “من يجرؤ على العلاج عندها؟ قد تضرّ المستوصف.” “ليس هذا فقط، زوجي يقول قد يؤثّر على ترقية القائد لو! سمعت أنّه سيصبح قائداً حقيقيّاً، وبسبب هذا، صعب…” “أتظنّون أنّ القائد لو سيضربها كما يضرب عدوّاً؟” “أهكذا؟” قالت صاحبة الدّكّان مقلّدة الصّفع. ضحكت المرأة وقلّدت رفساً أشدّ: “بل هكذا!”

كانت تشين ميانميان تسمع بفرح. إن أثّر هذا على مسيرة لو تشنيوان، فلن يدلّلها بعد اليوم! ثمّ إنّ أبويها يعرفان أشخاصاً في العاصمة، فإن ساعدته، فسيتأثّر! وربّما يردّ الجميل… ويتقرّب منها! أمّا سو وانشينغ… فإلى الهجر! تخيّلت ذلك اليوم، وتمايلت. وخفّت نفسها، فأشارت إلى حلوى الفواكه: “عمّتي، سآخذها كلّها!”

في ذلك الوقت، سمعت سو وانشينغ الخبر، وعادت إلى البيت نادمة، وعانقت لو تشنيوان. “آسفة، كلّه بسببي…” فلولا مساعدته لآل سو حين كانوا على شفا التّصفية، ما كانت لتستطيع أخذ المال. “لو لم تساعد آل سو، ما حصل هذا الآن.” ربتّ لو تشنيوان على ظهرها برفق، وطمأنها: “لا تصدّقي الإشاعات.” ثمّ إنّك في آل سو، فكيف لا أساعد؟ “لكن ماذا لو…” عرفت سو وانشينغ كم عانى. كم من مرّة واجه الموت، وقد يُنهي أصلها السّيّئ كلّ هذا. أدركت جيّداً ماذا يعني هذا لجنديّ. “لا تفكّري فيما لم يحدث. ثمّ إنّ ‘نائب القائد’ لقب فارغ. لا شيء أهمّ من سلامتك.” كان صوته مليئاً بالقوّة، ففاضت دموع سو وانشينغ. كم تمنّت أن تعطيه كلّ شيء. مسح وجهها بكفّه، وقال بحنان: “يا غبيّة، لماذا تبكين؟ ربّما لا يحدث شيء.” أمّا في قلبه: أن أراك تبتسمين وأنت تقصّين يومك، تزرعين فرحة، تعيشين هانئة… هذا أعظم انتصار في حياتي. تقابلت عيونهما، وفيها كلّ الحبّ. صار الجوّ ساحراً. أغمضت سو وانشينغ عينيها، ورفعت ذقنها قليلاً. ألّا يفهم؟ في هذه اللّحظة، لم يعد يهمّ لو تشنيوان إن كان في قلبها سواه، هو يعرف فقط أنّها الآن معه. تحرّكت تفّاحة عنقه، واقترب ببطء.

“أخي لو، أأنت في البيت؟” قاطعهما صوت من الخارج. شتمت سو وانشينغ في قلبها مئة مرّة، من هذا الجاهل! فتح لو تشنيوان الباب، فوجد تشين ميانميان. دفعت سو وانشينغ لو تشنيوان، ووضعت يديها على خاصرتها، تصكّ أسنانها: “ليكن أمرك مهمّاً جدّاً، وإلّا…” وقبضت كفّها. الآن، تريد حقّاً أن تضرب! تجاهلت تشين ميانميان سو وانشينغ، ونظرت إلى لو تشنيوان بقلق: “أخي لو، سمعت ما حدث، لا تحزن، جئت لأفكّر معك.” “لا داعي، عودي.” رفع لو تشنيوان يده ليغلق الباب. لو لم تكن امرأة، لضربها هو أيضاً! “لحظة!” أمسكت تشين ميانميان بالباب، وانحنت نصفها، مستعجلة: “جئت حقّاً لمساعدتك!” تراجع لو تشنيوان خطوتَين، وعلى وجهه اشمئزاز: “تكلّمي من الخارج.”

فرحت تشين ميانميان. إذن هو يهتمّ. قالت: “الأمر بسيط، فقط طلّق سو وانشينغ، وتزوّجني، فتنال ترقيتك.” “ماذا تقولين؟”

تبادلت سو وانشينغ ولو تشنيوان النّظرات، ظنّا أنّهما أخطآ السّمع. لكنّ تشين ميانميان قالت بكلّ جدّيّة: “بمجرّد أن تطلّقا، ينفصل أصل سو وانشينغ عنك يا أخي لو.” “لعائلتي في العاصمة بعض المعارف، إن تزوّجتني، ساعدت عائلتي في تحريك الأمور، والتّرقية لن تكون مشكلة.” “أوه، بالطّبع، هذا تدبير مؤقّت، هكذا فقط تحافظ على ترقيتك، بل وقد تفتح أمامك آفاقاً أبعد.”

جمّلت تشين ميانميان تخيّلاتها الجميلة بكلمات برّاقة، حتّى إنّها اختلقت سبباً معقولاً ليبدو الأمر مقبولاً. أنا لا أستغلّ الموقف، أنا أمدّ يد العون!

بقي لو تشنيوان صامتاً طويلاً. فشعرت تشين ميانميان بفرحة خفيّة. إنّه متردّد! إنّه يفكّر في عرضها بجدّ! سو وانشينغ، أرأيتِ؟ الرّجل يهتمّ بمستقبله أكثر. أنا وحدي مَن تستطيع أن تجعل لو تشنيوان يرتقي في السّماء! “أخي لو، ما رأيك؟” سألت تشين ميانميان بلهفة.

“لا أرى شيئاً.” قال لو تشنيوان دون تعبير. اختنقت تشين ميانميان: “ماذا تعني…” “تعني، لا حاجة لعطفك المزيّف.” قطعت سو وانشينغ كلامها دون مجاملة. غضبت تشين ميانميان ورفعت صوتها: “أنا أساعد الأخ لو! سو وانشينغ، لا تكوني أنانيّة! أصلّك فيه مشكلة، لا يمكنك أن تؤثّري على مستقبله العظيم!”

“مستقبلي لا يحتاج لاهتمامك.” قاطعها لو تشنيوان ببرود: “ثمّ إنّ سو وانشينغ هي زوجتي، ومن يوم الزّواج، سأحبّها وأحميها طوال العمر، مهما كان أصلها أو وضعها، هذا لن يتغيّر أبداً.” “تشين ميانميان، من الأفضل أن تكفّي عن أفكارك المريضة وتبتعدي عن عائلتي! وإلّا، فلن أمانع أن أرسلك إلى مكان أبعد في مهمّة إغاثة!”

لم يراعِ لو تشنيوان كونها رفيقة، بل كان صارماً كأنّه يؤنّب مرؤوساً. انكشفت نوايا تشين ميانميان على الملأ، فخزيت وغضبت، ارتعشت شفتاها، ولم تستطع أن تنطق بكلمة، استدارت وهربت تمسح دموعها. أغلق لو تشنيوان الباب، وحين استدار رأى سو وانشينغ تبتسم كالثّعلب الصّغير، فشعر بقشعريرة.

“ما… ما الأمر؟” ضحكت سو وانشينغ: “أعد ما قلته للتّوّ.” “أيّ جملة؟” ذكّرته: “من يوم الزّواج…” ليس سهلاً أن تسمع كلام حبّ من لو تشنيوان، فهو أحلى من العسل. أرادت أن تسمعه مرّة أخرى. احمرّ وجه لو تشنيوان. في ذلك الموقف، لم يشعر بثقل كلامه وهو يعبّر عن قلبه، أمّا الآن فأن يعيده متعمّداً، فهذا محرج. “لا أذكر.” استدار هارباً إلى الغرفة.

بتشجيع لو تشنيوان، استرخت سو وانشينغ كثيراً في هذه القصّة. في اليومّ التّالي، استيقظت باكراً، أخرجت من الفضاء بعض الطّعام، طبخت حساء الدّخن باليام، وقلّت فطيرة بالبصل والبيض، مع قليل من المخلّلات، وأكلت بارتياح. حين سألها لو تشنيوان، قالت إنّ الأخت تشاو أعطتها. فهي لم تعد تطيق تلك الأيّام من كعك الذّرة وعصيدته وزنقاته. لكنّ الطّعام في القاعدة محدود، والذّرة أنجح، لكنّ كثرة السّكّان تجعل البعض يجوع. ورأت لو تشنيوان ليلاً يشرب الماء ليطفئ جوعه، فتفطّر قلبها. أخرجت من الفضاء مزيداً من التّراب الأسود ونثرته على الأرض. تمنّت لو تسرع البراعم، لتستريح من الذّرة. وبعد أن انتهت، خرجت مع لو تشنيوان. حيّيا الجيران في الطّريق، ثمّ افترقا.

دخلت سو وانشينغ المستوصف، فرائحة المعقّم وأجواؤه الباردة لم تكن مريحة. والابتسامات، ما إن دخلت، تجمّعت كلّها، وانشغل الجميع. كانت تشين ميانميان جالسة خلف المكتب، تضع رجلاً على رجل، تقلّم أظافرها بتأنّ، وكأنّ إحراج البارحة لم يكن. سو وانشينغ، حتّى لو حماتك لو تشنيوان، فالكلّ يكرهك. أتصدّين أنّه سيقف ضدّ القاعدة كلّها؟ لم تشأ سو وانشينغ أن تشرح لهم، تناولت كوبها لتشرب، فوجدت السّخّان فارغاً. ذهبت لتغلي الماء، فلم تجد الغلّاية. “هل رأى أحد غلّاية الماء؟” سألت. لم يجبها أحد، بل دخلوا جميعاً إلى المخزن كأنّهم اتّفقوا. حسناً، يتعمّدون مضايقتها إذن؟ لوّحت سو وانشينغ بيدها، وجمعت دفاترهم وأقلامهم وسمّاعاتهم وخافضات ألسنتهم ومعقّماتهم… وألقتها في الفضاء. وعند مكتب باي تيانتيان، لمحت دفتراً مفتوحاً، تحته شيء، وعلى الطّاولة بقع حمراء لها رائحة. أزاحت الدّفتر، فوجدت زجاجة طلاء أظافر حمراء، غطاؤها غير محكم. تذكّرت، هذا طلاء تشين ميانميان. عجيب، باي تيانتيان تتملّقها، وتسرق منها. خطرت لسو وانشينغ فكرة، تركت الطّلاء في درج باي تيانتيان، وأخفت البقيّة، وأفرغت طاولتها، وأحضرت كوب ماء النّبع، وجلست تقرأ كتابها.

وحين عادوا، ملأت الصّرخات المكان. “أين أغراضي؟” “سمّاعتي، معقّماتي!” “ما هذا؟” “سو وانشينغ، أين أخفيت أغراضنا!” جاءت تشين ميانميان غاضبة. ردّت سو وانشينغ: “لمَ أنا؟” “من غيرك هنا!” “نعم! كلّنا في المخزن! من إلّا أنت؟” أشارت باي تيانتيان بإصبعها. والآخرون ظنّوا كذلك، لكنّ سو وانشينغ لم تغضبهم، فكانوا ألين. “لماذا تخفينها؟” “أخرجيها، سنعالج المرضى.” قالت سو وانشينغ بمظلوميّة، مشيرة إلى طاولتها الخالية: “أغراضي أيضاً اختفت. ذهبت أشرب ماء، وعدت فلم أجد شيئاً، عدا هذا الكتاب من بيتي.” كانت طاولتها نظيفة فعلاً. فلم يعد بالإمكان اتّهامها. قالت: “أم أنتم من أخفاها، وحتّى لا أكتشف، أخفيتم أغراضكم أيضاً؟” “لا لا! لا بدّ من لصّ!” لم يرد أحد أن يحمل هذا. لكنّهم يعرفون، أيّ لصّ في وضح النّهار؟ والكلّ يعرف بعضهم. ثمّ ألا يسرق لصّ شيئاً ثميناً؟ “لصّ” كانت حجّة، ولا بدّ أنّ أحدهم أخفاها. “طالما الجميع خسروا، فلنتّصل بالشّرطة.” قالت سو وانشينغ. “نعم!” أسرع لاو لي خارجاً. “لا!” أوقفته تشين ميانميان وباي تيانتيان معاً.

🎉

انتهى الفصل 36

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك