الفصل 21
ترجمة اريز
انستا : arez._.aa
أصيبت سو وانشينغ بالدوار والغثيان، وتخدّرت أطرافها، حتّى كادت لا تقوى على الجلوس. انطلق صوت الإذاعة في القطار: “أعزّاءنا المسافرين، سيصل القطار قريباً إلى محطّة هانغتشو الشّماليّة، يرجى من المسافرين النّازلين أخذ حقائبهم.”
رأت المرأة البدينة الفرصة، فارتدت فوراً تعبير القلق: “آه، يا أختاه! أأصابك دوار؟ ما هذا الشّحوب! تعالِ، عمّتك تساعدك على النّزول لتستنشقي هواءً!”
كانت قويّة البنية، رفعت سو وانشينغ، ومع زحام النّاس جرّتها نحو باب المخرج.
“لا تلمسيني!” أرادت سو وانشينغ المقاومة، لكنّ يديها ورجليها صارتا كالقطن، لا تقوى حتّى على رفعهما، فلم تملك إلّا أن تترك نفسها في قبضتها.
أدركت سو وانشينغ أنّها أمام خاطفة بشر، أرادت أن تصرخ طالبة النّجدة، لكنّ صوتها علق في حلقها، لم يخرج. لأوّل مرّة شعرت بالخوف، لا تستطيع الحراك، ووعيها يخبو شيئاً فشيئاً، خافت إن أُغمي عليها أن تستيقظ وقد بيعت في واد مجهول. في هذا الزّمن، إيجاد شخص أصعب من الصّعود إلى السّماء!
لو تشنيوان… أنقذني…
حين عاد لو تشنيوان بكوب الماء، كان المقعد فارغاً. تلفّت حوله، لم يرَ سو وانشينغ. القطار مزدحم ويعجّ بالنّاس، والحركة فيه صعبة، وسو وانشينغ لا تحبّذا الأماكن، فكيف تبتعد بلا سبب؟
“آه، من أين أتيت بهذا الفخذ؟” صرخت أمّ في المقعد المجاور فجأة. طفل في الرّابعة أو الخامسة يأكل فخذ بطّ، ويشير إلى جهة لو تشنيوان: “التقطته من الأرض.” لم تصدّق الأمّ: “مَن يرمي فخذ بطّ على الأرض؟ أسرقته؟” هزّ الطّفل رأسه: “لا، تلك العمّة البدينة أرادت أن تعطي الأخت الجميلة، الأخت رفضت، فوقع.”
هبط قلب لو تشنيوان، وغمره شعور سيّئ. فخذ بطّ على الأرض، والعمّة البدينة لا تلتقطه، واختفت مع سو وانشينغ في الوقت نفسه؟
“أيّها الصّغير، هل رأيت أين ذهبا؟” سأل لو تشنيوان. تابع الطّفل قضمه: “الأخت لم تكن مرتاحة، العمّة البدينة قالت إنّها ستأخذها لتتنفّس، نحو…” لم يكمل كلامه حتّى انقلبت عيناه وأُغمي عليه!
“طفلي! طفلي، ماذا جرى!” صرخت الأمّ فزعة. التفّ النّاس حولهما. جسّ لو تشنيوان نبض الطّفل، وفحص حدقتيه، وهو ينهض ويشقّ طريقه: “غالباً استنشق مخدّراً، أخبروا المفوّض ليحضر طبيباً! فخذ البطّ مشبوه.” وتطوّع بعض الرّكاب للمساعدة.
نظر لو تشنيوان إلى النّاس يتدفّقون، والقلق يأكل قلبه. العمّة البدينة، إلى أين أخذت سو وانشينغ…
في الجهة الأخرى، وصلت العمّة البدينة بسو وانشينغ إلى باب القطار، تستعدّ للنّزول. وعي سو وانشينغ يخبو، لكنّ إرادتها القويّة جعلتها تصارع في هذه اللّحظة. أمسكت فجأة بمفوّض يمرّ، وبأقصى قوّتها صرخت: “أنقذ… أنقذني! إنّها خاطفة.” لكنّ الصّوت خرج كطنين بعوضة. لم يفهم المفوّض، لكنّه سأل بطيبة: “أيّتها الرّفيقة، هل تشعرين بوعكة؟ أتحتاجين مساعدة؟” أرادت أن تومئ برأسها، فلم تطعها رقبتها. ضغطت العمّة البدينة رأسها على كتفها، وقالت بابتسامة: “لا لا، ابنتي مريضة هكذا، نتناول الدّواء في البيت فنشفى. كوني مطيعة يا ابنتي، سنصل.”
“طيّب، انتبهوا.” استدار المفوّض. كادت الفرصة تضيع، لم تستسلم سو وانشينغ، عضّت شفتها بأسنانها حتّى نزفت، عسى رائحة الدّم تنعشها. نجحت أخيراً في رفع يدها لتلتقط كمّ المفوّض. لكن، قبل أن تلامس أصابعها قماشه، أمسكت بها العمّة البدينة. يدها ككمّاشة حديد، تمسك ذراعها بقوّة وتهدّد: “لا تحاولي المراوغة، أطيعيني، ولك مخرج، وإلّا فحياتك جحيم!”
في حياتها السّابقة، ربّما استسلمت لليأس، لكنّها الآن طائر الفينيق، لن تهادن. جمعت سو وانشينغ آخر ما عندها من تركيز، وسحبت من الفضاء إبرة كبيرة، وبكلّ ما أوتيت من قوّة، غرزتها في ردف العمّة البدينة!
“آي—”
أمسكت العمّة بردفيها، وأطلقت صرخة كالخنزير! جذبت الصّرخة أنظار الرّكّاب. خافت أن تنكشف، فكتمت ألمها، ورمقت سو وانشينغ بنظرة حاقدة: “انتظريني!” أمسكتها من جديد، وخطت نحو الباب.
فجأة، يد ضخمة كالقبضة الحديديّة أطبقت على كتف العمّة البدينة. وفي الوقت نفسه، انفجر صوت غاضب جليديّ مرعب: “أفلتيها!”
رأت سو وانشينغ لو تشنيوان. لم تدر أفي حلم هي، لكنّ قلبها ارتاح. وجه لو تشنيوان صار أسود كملك الجحيم، وعيناه محمرّتان. أدار معصمه، “كسر”، فارتمت العمّة البدينة على الأرض، تمسك معصمها وتصرخ! تلقّف لو تشنيوان سو وانشينغ الواهنة، وأسندها على كتفه، قلبه يتفطّر.
“وانشينغ، لا تخافي، لقد جئت.”
أغمضت سو وانشينغ عينيها أخيراً مطمئنّة. أثارت الفوضى انتباه شرطة القطار. وعلى مرأى الجميع، قيدت العمّة البدينة.
حين استيقظت سو وانشينغ، وجدت نفسها في المستشفى. “استيقظتِ؟ كيف تشعرين؟” نهض لو تشنيوان قلقاً. الله يعلم كم خاف في تلك السّاعات وهي مغمى عليها. في الجبهة، لم يخف حين انكسر عظمه، أمّا الآن… يده ارتجفت!
“أفضل، القطار؟ هل فاتنا؟” نظرت سو وانشينغ إلى اللّيل.
“لا، رتّبت مع القوّات، سنستقلّ القطار التّالي.”
“والحقائب…”
“المفوّض استلمها، وستوضع في استراحة الانتظار، اطمئنّي.”
أومأت سو وانشينغ برأسها، ثمّ سألت: “والخاطفة…”
“إنّها ليست خاطفة بشر.”
💬 المناقشة