الفصل 26

ترجمة اريز
انستا : arez._.aa

“لا!”

وقف لو تشنيوان منتصباً، بهيئة جادّة، مستعدّاً لأيّ اختبار!

نظرت إليه سو وانشينغ، فلم يبدُ كاذباً، فلان صوتها: “إذن ما قصّتها؟”

أجاب لو تشنيوان بصدق: “لا أعرف عنها سوى أنّ تشين ميانميان من فرقة الأدب. وحدتنا قريبة منهم، وأحياناً نلتقي، لكن لا شيء أبعد من تحيّة رفيقَين عاديّين.”

“هل هذا كلّ شيء؟”

“نعم.”

كانت عينا لو تشنيوان صريحتَين.

تبدّدت على الفور تلك العقدة الصّغيرة في قلب سو وانشينغ، بل شعرت بشيء من الحلاوة. همهمت: “نم الآن.”

تنفّس لو تشنيوان الصّعداء أخيراً، وذهب ليفرش فراشه في غرفة الجلوس.

في اليومّ التّالي، استيقظت سو وانشينغ لترى لو تشنيوان قد ذهب إلى العمل. على طرف السّرير، ورقة.

“وانشينغ، الإفطار على الموقد، لا تنسي أن تأكلي. لن أعود ظهراً، اعتني بنفسك. لأيّ شيء، ابحثي عن تشو تينغ أو أخوات البارحة.”

وخلف الورقة، رسم صغير لخريطة تظهر عنوان تشو تينغ ومكتبه.

شعرت سو وانشينغ بالدّفء في قلبها. هذا الرّجل، لا يغفل عنها شيئاً صغيراً كان أم كبيراً.

بعد الإفطار، قرّرت سو وانشينغ أن تخرج لتتعرّف على القاعدة. منطقة السّكن ليست كبيرة، أشبه ببلدة صغيرة، فيها مدرسة، مستوصف، دكّان، مطعم، سوق خضار… كلّ شيء، ومرتّب. وفي الطّريق، أطفال صغار يركضون، على وجوههم فرحة الطّفولة.

على طول الطّريق، كان كثيرون ينظرون إليها ويتهامسون. فكّرت سو وانشينغ: ربّما تبدو غريبة بينهم. النّاس هنا، بفعل الزّمن والبيئة، بشرتهم خشنة، وجوههم شاحبة، وملابسهم متأخّرة. أمّا هي، فبشرتها بيضاء، وشعرها الأسود لامع، وفستانها الأحمرّ، كأنّها وردة لا تنبت في الشّمال الغربيّ.

ظنّاً منها أنّها ستعيش هنا، رحّبت بالمّاّرين بودّ. لكنّهم، يا للعجب، إمّا أن يقلبوا عيونهم ويديروا ظهورهم، وإمّا أن يغلقوا أبوابهم، بل ومنهم مَن بصق!

هذا… غريب.

على مقربة، تجمّعت نسوة يتحدّثن. سمعت سو وانشينغ اسمها عرَضاً، فاقتربت خلسة لتستمع.

“أيّ زوجة هذه الّتي أخذها القائد لو؟ لا تحسن عملاً!”

“نعم! سمعت أنّها أمس لم تفعل شيئاً، جلست، وجعلت القائد كالخادم، يناولها الطّعام!”

“تيت، انقلبت الدّنيا! سمعت أنّها خدعته في الزّواج! بوجهها الجميل، أغوته!”

“يا للوقاحة! آه، القائد لو رجل طيّب، وعلقت به!”

سمعت سو وانشينغ هذه الإشاعات، فقهقهت ساخرة، وقالت: “وهل أخبرتكنّ مَن تنقلن عنها، عواقب نشر الإشاعات؟”

“أيّ إشاعة، هذا حقّ… آه يا أمّي، أنتِ… أنتِ زوجة القائد؟”

قفزت امرأة مذعورة، وقشرة بطّيخ ما زالت على شفتها.

علت وجه سو وانشينغ ابتسامة خفيفة: “يا خالاتي، أتستطعن إخباري من أين خرج هذا الكلام؟”

تفرّقت النّسوة. أصرّت سو وانشينغ، ولحقت بهنّ: “إن سمعت هذا مرّة أخرى، فسوف…”

سكب!

اندلقت مياه قذرة، كادت تصيبها. لحسن الحظّ أنّ سو وانشينغ سريعة البديهة، فانحرفت جانباً، ولم يصب حذاءها إلّا قطرات.

وقفت امرأة في منتصف العمر، حادّة الوجنتَين، بوجه شرس، تحمل وعاءً فارغاً، توجّه كلامها الجارح لسو وانشينغ.

“ألا تنظرين وأنت تمشين، تتوسّطين المياه! أتظنّينه فراش رجل، تدخلينه متى شئتِ؟”

وهناك من لا يشبع من المشاكل، صاح: “لا تظنّي بزواجك من القائد لو أنّك سيّدة! نحن العوامّ لا نطعم الرّأسماليّين!”

تلاشت ابتسامة سو وانشينغ، وردّت بلا تردّد: “أيّتها الخالة الّتي سكبت الماء، إن كان نظرك ضعيفاً، فاذهبي إلى المستوصف، لا تؤجّلي.”

“أنت!”

“وأنتِ هذه.”

التفتت سو وانشينغ إلى صاحبة الصّوت، ورفعته فجأة: “أنا سو وانشينغ، أسير على استقامة. تقولين عنّي رأسماليّة؟ أين الدّليل؟”

هدرت تلك: “هكذا يقول الجميع!”

“أيّ جماعة؟ أنتِ؟ أم أنتِ؟” التفتت سو وانشينغ إلى النّسوة السّابقات. لكنّهنّ هززن رؤوسهنّ منكرات.

كان صوت سو وانشينغ لا يقبل الجدل: “إن أنكرن، فأنت تلفّقين! تهمة هدم زواج عسكريّ، أتتحمّلينها!”

“أنا…”

بُهتت المرأة، لم تستطع الرّدّ.

“أحسنت!”

جاءت المرأة قصيرة الشّعر الّتي ساعدت البارحة، ورأت المشهد. وضعت إحدى يديها على خاصرتها، وأشارت بالأخرى، وصرخت: “أنتنّ، طوال اليوم، لا شغل لكنّ إلّا النّميمة! ألسنتكنّ أقذر من البالوعة! إن كان لكنّ قدرة، فاذهبن لتشتمن أزواجكنّ!”

“الرّفيقة وانشينغ جديدة، ماذا فعلت لكنّ؟ أتحسدنّ القائد لو لأنّه تزوّج جميلة؟ اذهبن وابحثن عن قائد لكنّ! أمّا التّنمر عليها، فأيّ بطولة هذه!”

“إن سمعت كلمة أخرى، سأبلّغ القائد الأعلى، وأقطع من رواتب أزواجكنّ!”

اصفرّت وجوه النّسوة وازرقّت، ولم يجرؤن على الكلام. هنّ بلا عمل، يعشن على راتب الزّوج، فإن انقطع، لقتلهنّ!

“وانشينغ، لنذهب.”

أمسكت المرأة قصيرة الشّعر يد سو وانشينغ وعادتا. وما إن دخلتا البيت، سكبت سو وانشينغ لها ماءً وقالت: “أختي، أشكرك. آه، بماذا أناديك؟”

“أنا يتيمة، لا اسم لي، بعد الزّواج صرت لقب زوجي ‘تشاو’، ناديني أخت تشاو.”

كانت قصّتها حزينة، لكنّها حكتها كأمر معتاد.

بعد قليل، صار وجهها جادّاً، أمسكت يد سو وانشينغ، وسألت: “أغضبت أحداً؟ لماذا تنتشر عنك الإشاعات اليوم؟”

ارتبكت سو وانشينغ: “منذ دخولي البارحة، لم أخرج. واليوم سمعتهنّ.”

عبست الأخت تشاو: “أختاه، هذا يجب أن يخبر به القائد لو! لينتصر لك!”

هزّت سو وانشينغ رأسها، بعينَين صارمتَين: “هذا صغير، أستطيع تدبيره! أخت تشاو، لا تخبري لو تشنيوان.”

عمل لو تشنيوان لخدمة الوطن، لا تريد أن تشغله بتفاهة.

فهمت الأخت تشاو قلقها، فأحبّت سو وانشينغ من أعماقها.

“آه، صحيح، أخت تشاو، بالأمس ساعدتني كثيراً، لم أشكرك بعد، انتظري.”

ركضت سو وانشينغ إلى الغرفة. بعد قليل، عادت تحمل وشاحاً حريريّاً أحمر مرصّعاً باللّؤلؤ.

“أختي، أنت جميلة، يليق بك!”

ذهلت الأخت تشاو ولوّحت بيدها: “لا لا، هذا الوشاح أنعم من وجهي، لا تضيّعيه!” هي تعرف أنّه ثمين، ومساعدتها لم تكن لهذا.

وضعت سو وانشينغ الوشاح على رقبتها بنفسها، وعقدته عقدة جميلة، وأعطتها مرآة صغيرة: “انظري!”

رأت الأخت تشاو نفسها في المرآة، الوشاح جعل وجهها ورديّاً، واللّؤلؤ زاد خدّيها امتلاء.

“أهذه أنا؟”

فرحت، وخجلت أكثر.

🎉

انتهى الفصل 26

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك