الفصل 17
لم تكن سو وانشينغ تنوي سوى أن تجري هي بنفسها العمليّة للو تشنيوان. في حياتها السابقة، كانت خبيرة في هذا المجال، تجوب العالم، ولها تلاميذ في كلّ بلد. إصابة ساق لو تشنيوان، بالنّسبة لها، مجرّد عمليّة بسيطة. ما تحتاجه الآن هو مكان تجري فيه العمليّة. من حسن الحظّ أنّ في هذه الأيّام، بالمال يمكن تدبير الأمور سرّاً، وما أسرع أن وجدت سو وانشينغ مستشفى سرّيّاً، لم يكن في الحقيقة سوى عيادة صغيرة، لكنّها لحسن الحظّ كاملة بمعدّات الجراحة.
في اليوم التّالي، حالما انتهى العميد من جولته، استدعت سو وانشينغ مَن يساعدها، وأخرجت لو تشنيوان خفية على كرسيّ متحرّك. في العيادة الصّغيرة، ظلّت سو وانشينغ تطمئن لو تشنيوان. كانت تعرف أنّه لا يثق تماماً بالطّبّ السّرّيّ، لكنّه من أجلها، مستعدّ أن يجرّب بحياته! لكنّها لم تستطع أن تخبره أنّها هي مَن ستجري العمليّة ليرتاح باله. فوضعها الحاليّ كفتاة لا تعرف شيئاً، يصعب تفسيره.
قبل أن تبدأ العمليّة، اعتذرت سو وانشينغ بحجّة أنّها قلقة على المستشفى العسكريّ، وغادرت. سارعت سو وانشينغ بالتّعقيم، وارتدت ثوب العمليّات، ودخلت غرفة العمليّات. أُضيء نور العمليّات. شعرت سو وانشينغ بإثارة طال عليها العهد. إنّها تعشق مهنتها، وعلاج النّاس وإنقاذهم فخر محفور في أعماقها. فوق ذلك، الرّاقد على طاولة العمليّات الآن، هو رجل قلبها. هذه العمليّة، ستجعلها أكثر إتقاناً!
انتظرت حتّى حقن طبيب التّخدير المخدّر، ثمّ أمسكت بمشرطها، وعيناها تفيضان بالحماسة. حركات سو وانشينغ كانت سريعة ودقيقة، والذّكريات المحفورة في عظامها لم تصدأ عبر حياة كاملة، بل على العكس، مع هذه الإثارة، صارت أكثر مهارة. طبيب العيادة صار مساعداً. كان هو الآخر طبيباً بارعاً، أجرى آلاف العمليّات، ثمّ بسبب وضعه، أُجبر على ترك المستشفى. ولكن ليبقى على قيد الحياة، فتح هذه العيادة سرّاً، وتأتيه حالات مستعصية. حسب نفسه ماهراً. لكن بعد رؤيته عمليّة سو وانشينغ، أصيب بالذّهول! كيف يمكن ليد إنسان أن تكون بهذا الثّبات! أن تشخّص المشكلة بسرعة، وتجدها بدقّة؟ هذا لا يتأتّى إلّا بعشرات السّنين من الخبرة!
نظر طبيب العيادة إلى السّاعة، العمليّة ليست بالصّعبة جدّاً، لكن عادةً تحتاج إلى أكثر من أربع ساعات، وهو بمهارته العالية، كان سينهيها في ثلاث ساعات ونصف. لكن سو وانشينغ، لم تستغرق سوى ثلاث ساعات! بل إنّ مهارتها تتجاوز ذلك، أشبه بآلة خارقة. بعد أن خاطت آخر غرزة، غادرت سو وانشينغ خلسة، وبدّلت ثيابها، وتظاهرت بالانتظار خارج غرفة العمليّات. لكنّها لم تكن تعرف، أنّه حتّى وهي ترتدي قبّاعة العمليّات وكمّامتها، ولا يبدو منها سوى عينَيها، فإنّ لو تشنيوان الرّاقد على طاولة العمليّات عرفها.
تسلّل الاثنان عائدَين إلى المستشفى، وتظاهرا أنّ شيئاً لم يحدث. بعد الظّهر، جاء العميد ليتفقّده، لكنّ لو تشنيوان رفض أن يريه الجرح. “كيف؟ تأجّلت العمليّة، فغضبت؟” قال العميد ضاحكاً: “ألا تريد لهذه السّاق أن تبرأ؟” قال لو تشنيوان محرجاً: “ستبرأ.” “كيف تبرأ دون تغيير الضّماد؟” رفع العميد الغطاء، فرأى ساقه وقد وُضعت في الجبس! “هذه… مَن أجرى لك العمليّة؟” نظر لو تشنيوان إلى سو وانشينغ، ثمّ قال ببرود: “لم أصبر، طلبت طبيباً آخر.” “أنت! أذهبت إلى طبّ سرّيّ؟” ذُهل العميد. في هوشي كلّها، أفضل الموارد الطّبّيّة في مستشفاهم العسكريّ. “كيف، كيف تكون هكذا أحمق؟ لو تعقّد الأمر، لخسرت ساقك!” كاد العميد يجنّ. قال لو تشنيوان: “يا عميد، ضع قلبك في بطنك، تلك الطّبيبة، ممتازة.”
حقّاً لم يخطر بباله أنّ سو وانشينغ تملك هذه المهارة الطّبّيّة، وقد بدت غير ما سمعه عنها. لكن لمَ تفهم الطّبّ، وبأيّ وسيلة استردّت آل سو، هو فضوليّ، لكنّه يحترمها. سينتظر، حتّى تثق به سو وانشينغ، وتخبره بلسانها. “أيّ امتياز! هيّا بنا، افحص.” كاد العميد يموت رعباً. أومأت سو وانشينغ: “اذهب، الفحص يريح البال.” فالعميد مرجع. أُجبر لو تشنيوان على دورة فحوص، والدّهشة لم تفارق وجه العميد. “آه، المؤشّرات طبيعيّة.” “والتّثبيت ممتاز! يكاد يضاهي تلميذي الأوّل!” “هذه العمليّة… رائعة جدّاً!” “هاهاها، لو تشنيوان يا محظوظ!” ابتسم لو تشنيوان: “أريح بالك الآن؟” أومأ العميد مراراً: “مطمئنّ، مطمئنّ! لكن… أين أجريت العمليّة؟ وهل لي أن أرى تلك الطّبيبة؟ إنّها موهبة حقيقيّة، إن لم تأتِ إلى المستشفى العسكريّ، فخسارة…” لوّح لو تشنيوان بيده: “انسَ هذا، لن تأتي.” لم يقتنع العميد: “ولمَ؟ ما تطلبه، لتشترط…” “حسناً، أريد أن أرتاح.” تمدّد لو تشنيوان، وسحب غطاءه، ولم يعر أحداً اهتماماً. لم يستطع العميد إلّا أن يهزّ رأسه وينقر بلسانه، ومضى خائباً.
طوال أيّام المستشفى، رافقته سو وانشينغ، ولم تغب إلّا مرّة واحدة، للتّسوّق. ذكّرتها إصابة لو تشنيوان أنّ الشّمال الغربيّ شحيح الموارد، وأيّ حمّى أو وجع، يصير علاجه صعباً. فتوجّب عليها تخزين أدوية ولوازم جراحة. من حسن الحظّ أنّ لطبيب العيادة قنواته، فدفعت سو وانشينغ ضعف الثّمن، وحصلت على ما تريد. ومع أنّها صرفت كثيراً، فهي أدوات لإنقاذ الحياة، لم تأسف. ثمّ دخلت الفضاء، تحصد الزّرع النّاضج، وتزرع غيره، مع أعشاب طبّيّة تعرفها، وترويها بماء النّبع الرّوحانيّ. هذه الأعشاب تنضج في يومَين أو ثلاثة، وتصلح تماماً للو تشنيوان، تعجّل بشفائه. كان لو تشنيوان يأكل كلّ يوم ما تصنعه سو وانشينغ بماء النّبع الرّوحانيّ، فتعافى بسرعة مذهلة. حتّى إنّه خرج من المستشفى قبل موعد الزّفاف. أبدى العميد دهشته: الحبّ العظيم يصنع المعجزات! وابتسمت سو وانشينغ خفية، أليست المعجزة من فضائها؟
لضيق الوقت، لم يشتريا كثيراً للزّفاف، واكتفيا في البيت بلصق بضع حروف “زواج” حمراء. وفي ليلة الزّفاف الأولى، ظلّ لو تشنيوان يشعر بالأسف: “تتزوّجينني، وأنت مظلومة.” عزّته سو وانشينغ: “سنرحل إلى الشّمال الغربيّ قريباً، كلّما خفّت أمتعة الطّريق كان أفضل، بضعة أيّام تزول.” حدّق لو تشنيوان فيها. زوجة بهذا الحنان وهذه التّضحية، نعمة عمره! وفجأة، مدّ يده. فتدلّت من كفّه سلسلة ذهبيّة لمّاعة. أحدث موضة، بقلب ذهبيّ، حوافّه نقوش جميلة، وفي وسطه حرف “النّجمة”. كان لو تشنيوان متوتّراً: “غداً الزّواج، لا أحبّ أن تكوني خالية.” ثمّ، كالسّاحر، أخرج قرطَي ذهب. أضاءت عينا سو وانشينغ، وتناولتهما فرحة. كانت قد اشترت منذ أيّام حليّها، لكنّها خبّأتها في الفضاء، ثمّ نسيت أن تخرجها مع انشغالها. لعلّ لو تشنيوان ظنّ أنّها لم تشترِ، فأعدّها. ارتدتها سو وانشينغ، ونظرت إليه: “أجميلة؟” “جميلة.” لو تشنيوان لا يجيد كلمات الحبّ، لكنّ “جميلة” وحدها تصف كلّ سو وانشينغ. تبادلا النّظرات المليئة بالحبّ، وتحرّكت تفّاحة عنق لو تشنيوان لا إراديّاً. زمّت سو وانشينغ شفتيها قليلاً، وأغمضت عينيها.
💬 المناقشة