الفصل 33

ترجمة اريز
انستا : arez._.aa

امتلأ المخزن بضمّادات سائبة وصلت حديثاً، مكدّسة كالجبل. جلست سو وانشينغ على كرسيّها الصغير وبدأت تلفّها. كانت أصابعها نحيلة، لا تعتاد الأعمال الخشنة، لكنّ حركاتها الآن ماهرة جدّاً، كلّ لفّة محكمة ومتقَنة، تصفّها في السلّة بجانبها. وحين يدخل أحد ليتناول شيئاً، لا يملك إلّا أن يرفع إبهامه إعجاباً.

وفجأة، حجب النورَ ظلُّ قامة فارعة.

رفعت سو وانشينغ رأسها، فرأت لو تشنيوان واقفاً أمامها. “كيف جئت؟” “جئت لأراك.” هذا أوّل يوم لها في العمل، ولم يستطع لو تشنيوان أن يتركها دون اطمئنان، فجاء مسرعاً حالما انتهى. رأى جبل الضمّادات، وسو وانشينغ جالسة بينها كأنّها صغيرة لا حول لها. عقَد حاجبَيه، وسحب كرسيّاً صغيراً وجلس بجانبها يساعدها.

“كيف تلفّين هذا كلّه وحدك؟” كان صوته يضجّ بالغضب والألم: “سأكلّم المدير تشانغ.” “لا داعي، هذا واجب الممرّضة.” لم ترد سو وانشينغ أن تعتمد عليه في كلّ شيء، خاصّة في عملها. لان قلب لو تشنيوان، وامتلأت عيناه فخراً باستقلالها وتفانيها.

أمّا تشين ميانميان عند الباب، فكادت تطحن أسنانها! بماذا تستحقّ سو وانشينغ أن يفعل بها لو تشنيوان هذا؟

“آه.” انكمشت أصابع سو وانشينغ فجأة، وأطلقت صرخة. فرحت تشين ميانميان في سرّها! وقعت! “ماذا حدث؟” انقبض قلب لو تشنيوان، وأمسك يدها. على طرف إصبعها، خرزات دم. لم يقل شيئاً، بل أدخل إصبعها في فمه. مصّ الدّم، وبصقه. دفء فمه جعل وجه سو وانشينغ يحمرّ. سحبت يدها باضطراب: “وخزة فقط، لا سمّ، ما كان ضروريّاً.” احمرّت أذنا لو تشنيوان، وأطلق إجابة مبهمة. كلّ ما كان يهمّه أن يخاف على زوجته، على هذه الأدوات أن تكون سامّة. إن أصابه شيء، فلا يصيبها.

رأت تشين ميانميان الفرصة، فتظاهرت بالذعر واندفعت إلى الداخل. “آه! كيف في الضمّادات إبرة؟ كم هذا خطر! سو وانشينغ، أبعثرتِ إبرتك حين كنت تلفّين؟” “هذه خطيئة كبرى! من يدري إن كانت إبرتك نظيفة، ألن تلوّث الضمّادات؟” تجمّع الممرّضون.

أسرع لاو لي يتبرّأ: “لست أنا! أنا فقط طلبت مساعدتها، لم أضع إبرة!” كان الجميع يثقون بلاو لي، لكن كيف ظهرت إبرة في ضمّادات جديدة؟ أتكون سو وانشينغ…؟ تبدّلت نظراتهم.

“أهكذا تستقبلون زميلتكم وهي تجرح!”

انتفض لو تشنيوان واقفاً، وعيناه تقدحان شرراً، بقتل لا يخفى. “لم أسألكم بعد، لماذا إبرة في الضمّادات تؤذي زوجتي!” “ملك الجحيم الحيّ” كما لقّبوه. حين يغضب، ترتجف الغرفة. كمّ الجميع أفواههم، ضمّوا رؤوسهم، لا أحد يريد أن يُذكَر. تمالكت تشين ميانميان نفسها طويلاً، ثمّ قالت بصوت ضعيف: “الحقائق واضحة، في الضمّادات إبرة، من يدري أهي…”

“ما أنا؟” سارت سو وانشينغ نحوها، تنظر في عينيها. لم تستطع تشين ميانميان إلّا أن تحني رأسها. هي من صاحت أكثر، وهي من أرسلتها تلفّ، لعلّ لها يداً. لكنّ الاتّهام المباشر لن ينفع، فلنبحث عن الإبر أوّلاً. استدارت سو وانشينغ، وأخرجت من فضاءها مغناطيساً خلسة، وقرّبته من الضمّادات.

“دينغ!” التقطت إبرة خياطة! طرفها ملطّخ بدم سو وانشينغ. أمسك لو تشنيوان الإبرة، وعيناه كالسكّين تجولان. لم تتوقّف سو وانشينغ، حدسها يقول إنّ هناك المزيد. “دينغ! دينغ!” ظهرت إبرتان أخريان! رفعت سو وانشينغ المغناطيس، وفي ثقوب الإبر الثلاث، بقايا خيط ورديّ! “كم هي صدفة، زرّك الذي خطته صباحاً، خيطه ورديّ أيضاً، أليس كذلك أيّتها الرفيقة تشين ميانميان؟” لم يكن صوت سو وانشينغ عالياً، لكن سمعه الجميع.

سترت تشين ميانميان زرّها بيدها: “كذب! خيوط ورديّة عند غيري، بمَ تثبتين؟” “أنا أذكر! عندها في علبة الخياطة مثله! أرسله لها والداها من المدينة، لا يُباع هنا!” سارع لاو لي يشهد. هو بإهماله سبّب الأذى، فإن قبض على الفاعل، برّأ نفسه! رمقته تشين ميانميان بغيظ، وقبل أن تختلق عذراً، وقف لو تشنيوان أمامها، مدّ يده، وصوته جليد: “أخرجيها.” “لا أملك…” تراجعت تشين ميانميان خلسة. لم ينتظر، تجاوزها، وفتح درجها يبحث. “لا تفتح…” أرادت منعه، فأمسكتها سو وانشينغ بقوّة، تعافره فلا تنفلت. بعد قليل، عاد لو تشنيوان بعلبة الخياطة، فيها بكرة الخيط الورديّ، مطابقة لتلك.

“ماذا تقولين الآن!” ألقى الخيط عند قدمَيها. احتقرتها كلّ العيون. “تشين ميانميان! يا خبيثة! تخبّئين إبراً لتؤذي!” “وتتّهمين رفيقة سو، يا وقحة!” خارت قواها، سقطت على الأرض، تتلعثم: “لست أنا! لا أعرف… مؤامرة… نعم! مؤامرة!” “تيانتيان، قولي شيئاً!” هزّت باي تيانتيان ساقها. فتحت باي تيانتيان فمها، لكنّها ما إن رأت عينَي لو تشنيوان حتّى ابتلعت كلامها.

“انتظري عقابك!” ألقى لو تشنيوان الكلمة، ثمّ استدار، ورفع يد سو وانشينغ بكلّ رقّة، وعيناه تفيضان حناناً: “أما زال يؤلمك؟” صوته كأنّه من عالم آخر، يقطر رقّة. هزّت سو وانشينغ رأسها: “لا، انتهى.” “لنعد.” حملها بين ذراعيه أمام نظرات الحسود، ومضى.

في البيت، أصرّ لو تشنيوان على تطهير يدها، بل ولفّها بالشاش. ضحكت سو وانشينغ: “لقد التأمت.” “لا بدّ من تطييب خاطرها.” قلب الصناديق: “أليس عندنا شاش؟” “لا داعي حقّاً.” أمسكت به. تحتاج أن تشغله. “لو تشنيوان، أنا جائعة.” أظلمت عيناه، وتحرّكت تفّاحة عنقه. ماذا… تقصد؟ قرقر بطنها. أدرك لتوّه، إنّها جائعة فقط. ظنّ الظنون. منذ أيّام فقط، هل تنسى شو ونبين بهذه السرعة… أطلق “نعم”، ومضى يعدّ الطعام.

رمشت سو وانشينغ. أوَهُو وهمها؟ تلك اللحظة، في عينيه، شهوة الامتلاك؟

“لي داتو! انظر إلى القائد لو، وانظر إلى نفسك!” فجأة، انفجر صراخ من الجيران. ألصقت سو وانشينغ أذنها بالجدار فوراً. نميمة! من لا يعشقها؟ إنّه بيت النقيب لي. صوت زوجته يهزّ السقف: “كلّ يوم أحمل الماء وأطبخ، أخدم عائلتك، ولا كلمة حلوة! والقائد لو يقول ‘لا أطيق أن تتعب زوجتي’، فيحمل عنها!” “من الغد، أنت تحمل الماء! أنت تطبخ! سأصير زوجة ‘لا تُطاق تعباً’!” كتمت سو وانشينغ ضحكتها. لقد جلب لها لو تشنيوان حسد الجيران!

🎉

انتهى الفصل 33

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك