الفصل 27

ترجمة اريز
انستا : arez._.aa

“لا!”

وقف لو تشنيوان منتصباً، بهيئة جادّة، مستعدّاً لأيّ اختبار!

نظرت إليه سو وانشينغ، فلم يبدُ كاذباً، فلان صوتها: “إذن ما قصّتها؟”

أجاب لو تشنيوان بصدق: “لا أعرف عنها سوى أنّ تشين ميانميان من فرقة الفنون. وحدتنا قريبة منهم، وأحياناً نلتقي، لكن لا شيء أبعد من تحيّة رفيقَين عاديّين.”

“وهل هذا كلّ شيء؟”

“نعم.”

كانت عينا لو تشنيوان صريحتَين.

تبدّدت على الفور تلك العقدة الصّغيرة في قلب سو وانشينغ، بل شعرت بشيء من الحلاوة. همهمت: “نم الآن.”

تنفّس لو تشنيوان الصّعداء أخيراً، وذهب ليفرش فراشه في غرفة الجلوس.

في اليومّ التّالي، استيقظت سو وانشينغ لترى لو تشنيوان قد ذهب إلى العمل. على طرف السّرير، ورقة.

“وانشينغ، الإفطار على الموقد، لا تنسي أن تأكلي. لن أعود ظهراً، اعتني بنفسك. لأيّ شيء، ابحثي عن تشو تينغ أو أخوات البارحة.”

وخلف الورقة، رسم صغير لخريطة تظهر عنوان تشو تينغ ومكتبه.

شعرت سو وانشينغ بالدّفء في قلبها. هذا الرّجل، لا يغفل عنها شيئاً صغيراً كان أم كبيراً.

بعد الإفطار، قرّرت سو وانشينغ أن تخرج لتتعرّف على القاعدة. منطقة السّكن ليست كبيرة، أشبه ببلدة صغيرة، فيها مدرسة، مستوصف، دكّان، مطعم، سوق خضار… كلّ شيء، ومرتّب. وفي الطّريق، أطفال صغار يركضون، على وجوههم فرحة الطّفولة.

على طول الطّريق، كان كثيرون ينظرون إليها ويتهامسون. فكّرت سو وانشينغ: ربّما تبدو غريبة بينهم. النّاس هنا، بفعل الزّمن والبيئة، بشرتهم خشنة، وجوههم شاحبة، وملابسهم متأخّرة. أمّا هي، فبشرتها بيضاء، وشعرها الأسود لامع، وفستانها الأحمرّ، كأنّها وردة لا تنبت في الشّمال الغربيّ.

ظنّاً منها أنّها ستعيش هنا، رحّبت بالمّاّرين بودّ. لكنّهم، يا للعجب، إمّا أن يقلبوا عيونهم ويديروا ظهورهم، وإمّا أن يغلقوا أبوابهم، بل ومنهم مَن بصق!

هذا… غريب.

على مقربة، تجمّعت نسوة يتحدّثن. سمعت سو وانشينغ اسمها عرَضاً، فاقتربت خلسة لتستمع.

“أيّ زوجة هذه الّتي أخذها القائد لو؟ لا تحسن عملاً!”

“نعم! سمعت أنّها أمس لم تفعل شيئاً، جلست، وجعلت القائد كالخادم، يناولها الطّعام!”

“تفّ، انقلبت الدّنيا! سمعت أنّها خدعته في الزّواج! بوجهها الجميل، أغوته!”

“يا للوقاحة! آه، القائد لو رجل طيّب، وعلقت به!”

سمعت سو وانشينغ هذه الإشاعات، فقهقهت ساخرة، وقالت: “وهل أخبرتكنّ مَن تنقلن عنها، عواقب نشر الإشاعات؟”

“أيّ إشاعة، هذا حقّ… آه يا أمّي، أنتِ… أنتِ زوجة القائد؟”

قفزت امرأة مذعورة، وقشرة بطّيخ ما زالت على شفتها.

علت وجه سو وانشينغ ابتسامة خفيفة: “يا خالاتي، أتستطعن إخباري من أين خرج هذا الكلام؟”

تفرّقت النّسوة. أصرّت سو وانشينغ، ولحقت بهنّ: “إن سمعت هذا مرّة أخرى، فسوف…”

شخّ!

اندلقت مياه قذرة، كادت تصيبها. لحسن الحظّ أنّ سو وانشينغ سريعة البديهة، فانحرفت جانباً، ولم يصب حذاءها إلّا قطرات.

وقفت امرأة في منتصف العمر، حادّة الوجنتَين، بوجه شرس، تحمل وعاءً فارغاً، توجّه كلامها الجارح لسو وانشينغ.

“ألا تنظرين وأنت تمشين، تتوسّطين المياه! أتظنّينه فراش رجل، تدخلينه متى شئتِ؟”

وهناك من لا يشبع من المشاكل، صاح: “لا تظنّي بزواجك من القائد لو أنّك سيّدة رأسماليّة! نحن العوامّ لا نطعم الرّأسماليّين!”

تلاشت ابتسامة سو وانشينغ، وردّت بلا تردّد: “أيّتها الخالة الّتي سكبت الماء، إن كان نظرك ضعيفاً، فاذهبي إلى المستوصف، لا تؤجّلي.”

“أنت!”

“وأنتِ هذه.”

التفتت سو وانشينغ إلى صاحبة الصّوت، ورفعته فجأة: “أنا سو وانشينغ، أسير على استقامة. تقولين عنّي رأسماليّة؟ أين الدّليل؟”

هدرت تلك: “هكذا يقول الجميع!”

“أيّ جماعة؟ أنتِ؟ أم أنتِ؟” التفتت سو وانشينغ إلى النّسوة السّابقات. لكنّهنّ هززن رؤوسهنّ منكرات.

كان صوت سو وانشينغ لا يقبل الجدل: “إن أنكرن، فأنت تلفّقين! تهمة هدم زواج عسكريّ، أتتحمّلينها!”

“أنا…”

بُهتت المرأة، لم تستطع الرّدّ.

“أحسنت!”

جاءت المرأة قصيرة الشّعر الّتي ساعدت البارحة، ورأت المشهد. وضعت إحدى يديها على خاصرتها، وأشارت بالأخرى، وصرخت: “أنتنّ، طوال اليوم، لا شغل لكنّ إلّا النّميمة! ألسنتكنّ أقذر من البالوعة! إن كان لكنّ قدرة، فاذهبن لتشتمن أزواجكنّ!”

“الرّفيقة وانشينغ جديدة، ماذا فعلت لكنّ؟ أتحسدنّ القائد لو لأنّه تزوّج جميلة؟ اذهبن وابحثن عن قائد لكنّ! أمّا التّنمر عليها، فأيّ بطولة هذه!”

“إن سمعت كلمة أخرى، سأبلّغ القائد الأعلى، وأقطع من رواتب أزواجكنّ!”

اصفرّت وجوه النّسوة وازرقّت، ولم يجرؤن على الكلام. هنّ بلا عمل، يعشن على راتب الزّوج، فإن انقطع، لقتلهنّ!

“وانشينغ، لنذهب.”

أمسكت المرأة قصيرة الشّعر يد سو وانشينغ وعادتا. وما إن دخلتا البيت، سكبت سو وانشينغ لها ماءً وقالت: “أختي، أشكرك. آه، بماذا أناديك؟”

“أنا يتيمة، لا اسم لي، بعد الزّواج صرت لقب زوجي ‘تشاو’، ناديني أخت تشاو.”

كانت قصّتها حزينة، لكنّها حكتها كأمر معتاد.

بعد قليل، صار وجهها جادّاً، أمسكت يد سو وانشينغ، وسألت: “أغضبت أحداً؟ لماذا تنتشر عنك الإشاعات اليوم؟”

ارتبكت سو وانشينغ: “منذ دخولي البارحة، لم أخرج. واليوم سمعتهنّ.”

عبست الأخت تشاو: “أختاه، هذا يجب أن يخبر به القائد لو! لينتصر لك!”

هزّت سو وانشينغ رأسها، بعينَين صارمتَين: “هذا صغير، أستطيع تدبيره! أخت تشاو، لا تخبري لو تشنيوان.”

عمل لو تشنيوان لخدمة الوطن، لا تريد أن تشغله بتفاهة.

فهمت الأخت تشاو قلقها، فأحبّت سو وانشينغ من أعماقها.

“آه، صحيح، أخت تشاو، بالأمس ساعدتني كثيراً، لم أشكرك بعد، انتظري.”

ركضت سو وانشينغ إلى الغرفة. بعد قليل، عادت تحمل وشاحاً حريريّاً أحمر مرصّعاً باللّؤلؤ.

“أختي، أنت جميلة، يليق بك!”

ذهلت الأخت تشاو ولوّحت بيدها: “لا لا، هذا الوشاح أنعم من وجهي، لا تضيّعيه!” هي تعرف أنّه ثمين، ومساعدتها لم تكن لهذا.

وضعت سو وانشينغ الوشاح على رقبتها بنفسها، وعقدته عقدة جميلة، وأعطتها مرآة صغيرة: “انظري!”

رأت الأخت تشاو نفسها في المرآة، الوشاح جعل وجهها ورديّاً، واللّؤلؤ زاد خدّيها امتلاء.

“أهذه أنا؟”

فرحت، وخجلت أكثر.

“بالتّأكيد هي أنتِ! أخت تشاو، أنت جميلة جدّاً، هذا الوشاح كأنّه صُنع لك!”

أثنت سو وانشينغ. فشعرت الأخت تشاو بحلاوة في قلبها. في حياتها، لم تسمع كلمة جمال إلّا مرّتَين. الأولى، ليلة زفافها، حين قال زوجها بتشاو بخجل: “أنت جميلة حقّاً!” والثّانية، ما قالتْه سو وانشينغ لتوّها. رقّ قلبها، وأمسكت بيد سو وانشينغ ممتنّة: “شكراً، يا أخت وانشينغ.” ربتت سو وانشينغ على كتفها وقالت: “أخت تشاو، هل تستطيعين أن تجمعي الأخوات اللّواتي ساعدنني البارحة؟ أريد أن أشكرهنّ أيضاً.” “حسناً، سأذهب الآن!” نزعت الأخت تشاو الوشاح بعناية، وطوته، ووضعته في صدرها.

بعد قليل، حضرن جميعاً. رحّبت سو وانشينغ بهنّ وسكبت لهنّ الماء، ثمّ أعطت كلّ واحدة علبة كريم بشرة من ماركة هوشي القديمة. “أخواتي، شكراً لمساعدتكنّ البارحة، هذه هديّة بسيطة، أرجو ألّا ترفضنها.” حملت النّسوة العلب كأنّها كنز، يتأمّلنها. هنّ نسوة بسيطات، غسل الوجه بالماء هو أقصى نظافة لهنّ، وهذا الكريم، سمعن به فقط، يجعل النّساء أجمل، لكنّهنّ لم يرينه قطّ. لكن، أيّ امرأة لا تحبّ الجمال؟ ألا ترغب في تجربته؟ “سمعت أنّ هذا الكريم يجعل البشرة ندية!” ضحكت الأخت ليو فرحة. “أخت وانشينغ، هذا غالٍ جدّاً، أحقّاً تهديننا إيّاه؟” سألت الأخت وانغ، وقبضتها تشتدّ عليه. قالت سو وانشينغ مبتسمة: “إنّي ممتنّة لكنّ من قلبي!” “آه، هذا… شكراً جزيلاً!” كانت الأخت وانغ ذكيّة، فقالت: “وانشينغ، لا تقلقي، الإشاعات في الخارج لن نصدّقها! من تجرؤ على الكلام، سأمزّق فمها!” “نعم! نحن أيضاً نصدّقك! إن احتجت شيئاً، فلتطلبي!” أومأت الأخت ليو. أومأت سو وانشينغ فرحة: “شكراً لكنّ مقدّماً.”

“وانشينغ، تعالِ.” سحبت الأخت تشاو سو وانشينغ جانباً، وقالت بهمس: “لقد أعطيتني الوشاح، هذا الكريم لا أستطيع قبوله.” “أخت تشاو، الكريم شكر على مساعدة البارحة، للجميع، لا ينقصك.” أمسكت سو وانشينغ يدها. “ثمّ إنّ الوشاح لأنّي أحبّك، لا تخذلي مشاعري.” تأثّرت الأخت تشاو بعمق.

أمّا الأخت وانغ فلم تصبر، أخذت بأظفرها قليلاً ودهنت وجهها، وسألت: “هل صرت أجمل؟” ضحكت الأخت ليو: “صرت هرّة!” وبينما هنّ يضحكن، دخل جنديّ يلهث: “أخت وانغ! وجدتك! داجون سقط، في المستوصف، تعالي!” “آه، داجون!” ركضت الأخت وانغ مذعورة. وتبعتها سو وانشينغ والبقيّة.

في المستوصف، يرقد وانغ داجون، كاحله الأيسر متورّم كقطعة خبز، أزرق متألّم. دخلت الأخت وانغ باكية: “داجون! داجون! أين أصبت؟” “لا شيء، الطّبيبة تشين قالت التواء، كمّادة ساخنة.” احتمل الألم يهدّئها. مسحت دمعتها، وشكرت: “شكراً يا طبيبة تشين!” أومأت تشين ميانميان، في معطفها الأبيض، بتكبّر: “أعرف الالتواء كثيراً، تحريك الدّم، يبرأ بأيّام.” وناولتها ماءً ساخناً ومنشفة. أخذتها الأخت وانغ، وصبّت الماء المغلي. كانت تنفخ بألم، وتلفّ المنشفة.

“لحظة! لا كمّادة ساخنة!”

أسرعت سو وانشينغ إلى السّرير، وتفحّصت: “إصابة حادّة، تمزّق شعريّات. الحرارة تزيد الورم والنّزف، يجب كمّادة باردة!”

أُحرجت تشين ميانميان علناً، خاصّة أمام سو وانشينغ، فاستشاطت غضباً: “ماذا تعرفين! أنا ممرّضة محترفة! أقول ساخنة!” أصرّت سو وانشينغ: “يجب باردة، وإلّا ازدادت الأربطة، وقد يحدث نخر!”

نظرت مساعدة شابّة إلى سو وانشينغ باحتقار، وساعدت: “ميانميان طبيبة مستشفى المدينة، خبيرة! قالت ساخنة! من أنت لتعترضي؟”

“طبيبة مستشفى؟” نظرت سو وانشينغ إليها. ألم تكن من فرقة الفنون؟ أفي هذا الزّمن يغيّر المرء عمله هكذا؟ أرواح النّاس رخيصة؟ قالت فوراً: “أيّتها الرّفيقة تشين، متى تحوّلت إلى الطّبّ؟”

شحب وجه تشين ميانميان! نعم، لا تفهم في الطّبّ. والداها في فرقة الفنون، نشأت فيها. قبل سنتَين، سقطت خلال عرض، فأنقذها لو تشنيوان، فأحبّته. واستعلمت عن وحدته، وانتقلت إلى فرقتها، وصارت تراه. لكنّ علاقته بها لم تتجاوز الإيماءة. فكّرت أنّ طبعه بارد، ومع الوقت سترقّقه. لكنّه سرعان ما انتقل إلى هوشي. حاولت اللّحاق، فلم تقوَ. سمعت أنّه متّجه للشّمال الغربيّ، فتوسّلت لوالديها، فأدخلاها مستشفى المدينة شهرَين، ثمّ ألحقوها بالقاعدة. تغيير التّخصّص ممنوع، لكنّ القاعدة تحتاج أيّادي. لديها ختم مستشفى المدينة، فلها أن تختلق ما تشاء.

دافعت المساعدة: “لا تقولي هذا! ميانميان متواضعة، بمستوى مستشفى، وتأتي متدرّبة! أتشكّكين؟” بوجود باي تيانتيان الغبيّة، تشجّعت تشين ميانميان: “لا تتدخّلي! إن تأخّر العلاج، أتتحمّلين؟ أخت وانغ، كمّادة ساخنة!” “حسناً!” همّت الأخت وانغ بوضع المنشفة.

🎉

انتهى الفصل 27

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك