الفصل 18

في ضوء المصباح الخافت، اقترب لو تشنيوان ببطء، حتّى كادت أنفاسه تلامس وجه سو وانشينغ.

كان قلب سو وانشينغ يخفق بجنون.

صحيح أنّ بينهما قبلة أولى من قبل، لكنّ الموقف يومها كان عاجلاً، حتّى أنّها لا تكاد تذكر شعورها بها. لذا، في هذه المرّة، أرادت أن تصنع ذكرى جميلة.

لكنّ الدفء لم يستقرّ على شفتَيها، بل على عينَيها.

بل أصحّ، كانت إصبع لو تشنيوان قد توقّفت فوق عين سو وانشينغ.

“عندك غمّصة.”

حرّك لو تشنيوان إصبعه.

فتحت سو وانشينغ عينَيها، غارقة في الخجل والغيظ!

كيف؟ اللحظة صارت مهيّأة، وهي ألمحت، وهذا الرّجل… لا يفعل سوى أن يمسح لها غمّصة؟

أدماغه مثقوب؟

“الوقت متأخّر، عُد إلى غرفتك.” دفعت سو وانشينغ لو تشنيوان إلى خارج الباب بغضب، وأغلقته!

أحسّ لو تشنيوان بغضبها، لكنّه لم يعرف ممّ تغضب.

فهو لم يتقزّز من غمّصتها.

في اليوم التّالي، حالما بزغ الفجر، حضرت بعض نساء الحيّ المألوفات إلى باب سو وانشينغ.

في هذا الزّمن، النّاس ودودون جدّاً، والنّسوة ذوات خبرة، منهنّ مَن تبدّل لها ثيابها، ومَن تسرّح شعرها، ومَن تطوي الأغطية وتربط الشّرائط الحمراء، ومَن تصفّ أعواد القرفة والتمرّ الأحمر.

في البيت الصّغير، بدا النّاس مزدحمين، لكنّ كلّ شيء كان مرتّباً.

جلست سو وانشينغ على حافّة السّرير تنتظر لو تشنيوان، ترتدي فستاناً مزركشاً بلون الفرح، شعرها مرفوع، وبضع خصلات متموّجة تلامس خدّها، على هيئة العصر، وعلى صدرها وردة حمراء كُتب عليها “عروس”.

أمّا الفتيات الصّغيرات فيخطّطن ما سيفعلن حين يأتي العريس.

لم تسمع سو وانشينغ شيئاً، كان رأسها خاوياً، يملؤه التّرقّب والقلق.

حين أقبل لو تشنيوان، تسارع نبضها.

تذكّرت زواجها في حياتها السّابقة، لم تبتسم طيلة الوقت، بينما ظلّ لو تشنيوان مبتسماً يرحّب بالجميع.

أمّا الآن، فقلبها يطير فرحاً أنّها صارت أخيراً زوجته.

أُقيم حفل الزّفاف ببساطة، في مقصف القوّات.

إعلان زواج قصير، ومأدبة فرح، وجوّ يعجّ بالبهجة.

كان والدا لو تشنيوان لا يكادان يحبسان ضحكاتهما، بينما من جهة سو وانشينغ لم يحضر أحد.

قيل إنّ سو هونغي اصطحب سو ياوتسو وأخته، ولجأ إلى أقارب في الرّيف.

وهكذا انقطعت صلته بسو وانشينغ.

وبينما هم يتبادلون نخب الخمر، ارتفع ضجيج عند الباب.

اقتحمت سو شيوه تشينغ المكان، ترتدي فستاناً قماشيّاً باهتاً من كثرة الغسيل، وصاحت: “هذا الزّواج لا يمكن أن يتمّ!”

أشارت إلى سو وانشينغ، وصرخت: “سو وانشينغ آنسة رأسماليّة! من الفئة السّوداء! لا يحقّ لها الزّواج بعسكريّ! يجب أن تُرسل إلى الرّيف لتقوم بالأشغال الشّاقّة!”

ساد الصّمت لحظة، ثمّ سرعان ما تبادل النّاس الهمهمات.

أمّا وجه لو تشنيوان فصار قاتماً كالهدوء الذي يسبق العاصفة.

وما كان من الجند ذوي الفراسة إلّا أن أمسكوا بسو شيوه تشينغ ليطردوها.

هذا اليوم هو أهمّ أيّام حياة القائد، لا يمكن لأحد أن يفسده!

قاومت سو شيوه تشينغ بكلّ قوّتها: “أعميتم جميعاً؟ سو وانشينغ ابنة الرّأسماليّين! لا تفعل إلّا قذارة استغلال العمّال! أليس عليكم أن تقبضوا عليها؟”

كان في الحفل بعض القادة الكبار.

أحدهم، وقد ثقلت أنفاسه، نهض وسار إلى سو شيوه تشينغ، وأشار إلى الجند أن يفلتوها.

“ما اسمك؟”

“اسمي سو شيوه تشينغ.”

ظنّت سو شيوه تشينغ أنّها رأت أملاً، فهتفت بحماسة: “أنت أكثر النّاس حكمة، سو وانشينغ ليست صالحة!”

“لقد أفقرت عائلة سو، وسكنت خارجاً قبل الزّواج، ولا أدري مع أيّ رجل غريب، لا يمكن أن تتزوّج الأخ لو!”

“إذن أنتِ أيضاً من آل سو؟ ما علاقتك بسو وانشينغ؟”

واصل القائد سؤاله.

تصلّبت تعابير سو شيوه تشينغ، لم تستطع أن تتابع الكلام.

سو وانشينغ ابنة رأسماليّين، وهي أيضاً سو شيوه تشينغ، ألا يعني ذلك أنّها هي الأخرى ستُرسل إلى الرّيف؟

هذا لا يمكن!

أبوها وأخوها ذهبا إلى الرّيف، وقد ركضت حتّى آخر رمق إلى هنا، لتدمّر حفل سو وانشينغ!

كيف تجرّ نفسها إلى الهاوية؟

“أيّها القائد، أنا لستُ مثلها…”

أرادت سو شيوه تشينغ أن تشرح.

لكنّ القائد لم يمنحها الفرصة: “أنتِ بالفعل لستِ مثلها!”

“الرّفيقة سو وانشينغ، قدّمت معمل سو للدّولة، هذا الأفق العظيم، أتملكينه أنتِ!”

“قدّمته… للدّولة؟ هاهاها!”

كأنّ سو شيوه تشينغ سمعت أطرف نكتة: “المعمل مرهون لتشن وانيي القادمة من هونغ كونغ! وهي تريد أن تمدح نفسها، إنّها محتالة!”

“أهي محتالة أم لا، ليس أنتِ مَن يحكم!”

استدار القائد وأدّى التّحيّة لسو وانشينغ: “الرّفيقة سو وانشينغ، نيابة عن الشّعب، أشكرك على موقفك النّبيل!”

وما إن انتهى كلامه، حتّى تقدّم جنديّ يحمل شهادة وجائزة إلى سو وانشينغ.

شعرت سو وانشينغ بشيء من الخجل: “هذا ليس بالأمر الكبير، أنا فرد من أبناء الوطن، وخدمته واجب.”

لكنّ سو شيوه تشينغ لم تستسلم، اندفعت وخطفت الشّهادة، وحين رأت ما هو مكتوب حقّاً، سقطت على الأرض عاجزة.

وحينها فقط استوعبت، فوثبت: “أنتِ! تشن وانيي هي أنتِ، صحيح! سو وانشينغ، يا محتالة! خدعت معملنا!”

ألقى النّاس نظرات حائرة.

نظرت إليها سو وانشينغ، وزاوية فمها ترتفع مبتسمة: “أين الدّليل؟”

“الدّليل هو…” تلعثمت سو شيوه تشينغ.

أيّ دليل عندها؟

“بلا دليل، وتجرؤين على تلويث ذوي عسكريّ؟”

ضرب قائد سريع الغضب الطّاولة: “لقد صبرت عليك طويلاً! عرس جميل تفسدينه يا هذه! خذوها! اسحبوها إلى الأمن العام!”

أمسك الجند بسو شيوه تشينغ، يجرّونها خارجاً.

كانت سو شيوه تشينغ تصرخ بجنون: “سو وانشينغ، أنتِ لا تحبّين لو تشنيوان! قلبك ما زال عند شو ونبين! إنّما تزوّجتيه لجاهه وسلطته!”

لكن، لم يصدّقها أحد.

حين سكنت سو وانشينغ في الحيّ، كان لو تشنيوان يأتي كلّ يوم، وهما يضحكان ويتحدّثان، أين هذا من سوء العلاقة؟

طوال مكوث لو تشنيوان في المستشفى، سو وانشينغ لم تفارقه، تطهو له ثلاث وجبات، أين هذا من قلّة الحبّ؟

من حسن الحظّ، لم يتوقّف العرس بسبب هذه العثرة.

شرب العروسان كأس التّداخل، وهتف لهما الحضور ليتعانقا، وبلغت الفرحة ذروتها…

وحين فرغا من نخب الخمر، اقترب جنديّ صغير من سو وانشينغ، وهمس: “زوجة القائد، أحدهم يطلبك في الخارج.”

“مَن؟”

حكّ الجنديّ رأسه محرجاً.

ثمّ فكّر، وأخيراً همس: “صديقك السّابق.”

🎉

انتهى الفصل 18

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك