الفصل 16

بدا الإحراج على وجه لو تشنيوان: “لا داعي.”

ولم ينسَ أن يغمز لسو وانشينغ، مشيراً إلى أنّ ثمّة مَن ما زال هنا. لكنّ سو وانشينغ لم تعد تأبه لأحد. إن لم يخلع لو تشنيوان ثيابه، فستخلعها بنفسها!

في حياتها السابقة، أصيب لو تشنيوان في ساقه.

فدفعته سو وانشينغ بقوّة ليسقط على الكرسيّ الهزّاز، ثمّ دخلت البيت وأحضرت مقصّاً وشقّت ساق بنطاله! والأدهى أنّ لو تشنيوان لم تسنح له حتّى فرصة ليقاوم.

أمّا الجنديّ الصغير فقد استدعى كلّ ذكريات الحزن في حياته، ليكبت ضحكته. يا إلهي، “ملك الجحيم الحيّ” يخاف زوجته! هذا الموقف، عليه أن ينقشه في عقله، فقد ينقذ حياته يوماً! وحين رمقه لو تشنيوان بنظرة القتل، غادر الجنديّ الصغير متثاقلاً.

رأت سو وانشينغ الجرح متورّماً وأحمر، واللحم متفتّحاً، والعظم منزاحاً! فأوجعها قلبها. بالفعل، نفس الجرح القديم. لكنّه لفّه بطبقة رقيقة من الشاش، ومشى كأنّه إنسان طبيعيّ! أيّ إرادة فولاذيّة تلك التي ظلّ صابراً بها؟ كلّما فكّرت، زاد غضبها، وكلّما زاد غضبها، زاد ألمها عليه.

“أليس عندكم طبيب عسكريّ؟ هكذا تعالجون الجرح؟”

لم يجرؤ لو تشنيوان أن يخبرها أنّه، حين غفل الطبيب، رمى بالجبيرة السميكة سرّاً، ولفّه بشاش، كي لا تقلق. لكنّه، من شدّة عجلته، نسي الدواء. كان ينوي الذهاب إلى المستشفى ليلاً ليعالجه، ويختلق عذراً ليمكث فيه يومَين، لعلّه يبرأ قبل الزفاف. لم يرد أن تقف سو وانشينغ يوم العرس بجانب عريس أعرج.

عالجته سو وانشينغ إسعافيّاً، وقلبها يلومها. لقد أعدّت الكثير، فكيف يبدو جرحه أشدّ ممّا كان في حياتها السابقة؟ ألعلّه لم يستعمل ما جهّزته له؟

رفعت سو وانشينغ رأسها فجأة: “أخبرني بصدق، هل استعملت ما أعطيتك؟”

ابتسم لو تشنيوان محرجاً: “أعطيته للرفاق…”

أحسّ أنّها إن لم يعترف، فقد تندفع إلى وحدته لتسأل. تبيّن أنّه احتفظ بكلّ ما أعطته، حتّى ماء القربة لم يشربه. وفي المهمّة، تعرّضوا لكمين، فاحتجز مع بضعة جنود في الجبل سبعة أيّام، ولم ينجُ إلّا بماء سو وانشينغ وطعامها. وأمّا دواء الالتهاب، فوفّره للجرحى الآخرين.

ولكي يخفّف من ثقل الجوّ، قال ضاحكاً: “لا تسألي، الماء والزاد كانا عجيبَين، أعطيانا قوّة لا تنفد، ظللنا ندور بالعدوّ حتّى انتصرنا! قالوا في يوم العرس سيشكرونك.”

رمقته سو وانشينغ بعينَين مكلومتَين. فانقبض قلب لو تشنيوان، وتلعثم: “لا، لا تفعلي… أنا، أنا حقّاً بخير…”

أحنَت سو وانشينغ رأسها تنظر إلى الجرح. كان هذا زاداً ليحفظ حياته، فإذا به يوزّعه على الآخرين! لكنّها تعرف طبعه، في مثل هذه الحال، لا يفكّر إلّا في رفاقه. آه، يا لروعة رجلها.

تنفّست الصعداء، وقالت بعتاب: “اذهب بنا إلى المستشفى الآن، أنا أنتظر العرس…”

حينها فقط اطمأنّ قلب لو تشنيوان. فحبيبته، هي الأولى في الدنيا!

استعانت سو وانشينغ ببعض الجيران، واستدعوا سيّارة، ونقلوا لو تشنيوان إلى المستشفى العسكريّ. بعد إنهاء إجراءات الدخول، دخل طبيب أشيب يحمل صورة الأشعّة، وجهه عابس، كاد إصبعه يلامس وجه لو تشنيوان.

“أنت يا أنت، ماذا أقول لك؟ تجرؤ على نزع الجبيرة، وتمشي كالطبيعيّ! والآن، انظر، صارت عمليّة!”

توتّر لو تشنيوان: “أليست بهذا السوء؟”

“بل أسوأ!”

أشار إلى الصورة: “انظر هنا، كم بلغ الكسر؟ حتّى لا تقلق زوجتك، لا يصحّ أن تعذّب نفسك هكذا!”

أخذت سو وانشينغ الصورة، وتأمّلتها. صمت لو تشنيوان قليلاً، ثمّ سأل: “يوم الزفاف، أيمكنني الخروج؟”

“لا!”

“نعم!”

كاد العميد وسو وانشينغ ينطقان معاً. فاستغرب الثلاثة.

تنهّد العميد: “أعرف أنّ الشباب يستعجلون الزواج، نار وحطب، أليس كذلك؟ انتظرتم طويلاً، وبالكاد… أليس كذلك؟” وجمع إبهامَيه متلامسَين. فاحمرّ وجه لو تشنيوان وسو وانشينغ.

“لكنّ العمليّة فيها صعوبة، أنا طاعن، عيناي لم تعودا كما كانتا، سأجعل تلميذي الأوّل يتولاّها، لكنّه ذهب إلى بكين للدراسة، ولن يعود إلّا بعد خمس أو ستّة أيّام.”

هنا قلق لو تشنيوان: “لا يمكن الانتظار.” فالوقت ضيّق قبل مهمّته، وعليه أن يقيم الزفاف قبلها. كان يشعر بالذنب أنّ سو وانشينغ وافقت على الذهاب معه إلى الشمال الغربي، فإن أقام العرس هناك أيضاً، سيندم طول العمر!

لكنّ العميد لم يدرك نيته، فظنّه بعد طول عزوبة متلهّفاً لطعم السعادة، خاصّة أنّ زوجته بهذا الجمال. هزّ رأسه بخيبة: “اكبت شهوتك! وحين تبرأ رجلك، فكّر في هذه الأمور!”

“لا، أنا…” احمرّ وجه لو تشنيوان. كيف يشرح؟

أمّا سو وانشينغ فخافت حقّاً ألّا يستطيعا شيئاً ليلة الدخلة. تأمّلت صورة الأشعّة مليّاً، ثمّ همست: “أعرف طبيبة جرّاحة ماهرة، حين كُسرت رجلي وأنا صغيرة، هي مَن أجرت العمليّة، وتعافيت تماماً.”

“وهي عندها وقت، نظرها قويّ، ويدها ثابتة، غداً، ألا نطلب مساعدتها؟”

لمعت عينا لو تشنيوان: “في أيّ مستشفى هذه الطبيبة؟ ننتقل فوراً!”

تردّدت سو وانشينغ قليلاً: “لديها عيادتها الخاصّة…”

“طبّ غير شرعيّ؟”

فوجئ لو تشنيوان. في هذه الأيّام، كلّ شيء مراقب، ليس كلّ مَن معه شهادة طبّ يستطيع أن يصبح طبيباً نظاميّاً، وكثيرون مُنعوا بسبب أوضاعهم. الأطبّاء النظاميّون في أماكن مرخّصة، والعيادات الخاصّة، إن صرفت دواءً فمعقول، أمّا عمليّة…

فمخالفة واضحة.

تابعت سو وانشينغ إقناعه: “اطمئن، مهارتها عالية، انظر، لم تبقَ ندبة في رجلي، والعمليّة ساعتان أو ثلاث، نتسلّل، ونعود خفية، لا أحد يدري.”

رأى لو تشنيوان قلقها عليه، وفكّر أنّ العرس لا يمكن تأجيله إلى الشمال الغربي، فعزم: “حسناً!”

طارت سو وانشينغ فرحاً: “سأتّصل بها الآن!”

وحين بلغت الباب، استدارت مبتسمة: “اطمئن، لو أخفقت هذه الطبيبة، سأبقى معك العمر كلّه!”

فاض قلب لو تشنيوان، ولم يستطع حبس ابتسامته.

🎉

انتهى الفصل 16

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك