الفصل 15
ترجمة اريز
انستا : arez._.aa
منذ أن أفرغت سو وانشينغ بيت آل سو، أدركت أنّها لا تستطيع البقاء فيه. فكلمتا تشو ميجوان قبل اقتيادها كفيلتان بأن تدفعا سو شيوه تشينغ وأخاها لتدبير مكيدة في أيّ يوم. فحزمت بضع ثياب وانتقلت.
لكن دون خطاب تعريف، لا يمكنها النزول في فندق، فحدّقت سو وانشينغ بعينَيها الكبيرتَين إلى لو تشنيوان، فما كان منه إلّا أن رتّب لها الإقامة في حيّ العائلات.
لم يكن آل لو من هوشي، بل كان لو تشنيوان يقطن المهجع أيضاً، فكان هذا الحيّ مناسباً لزواجهما.
كان المسكن غرفة مفردة لا تتجاوز بضع عشرة أمتار، دون حمّام، جدرانها بيضاء وخضراء بسيطة، لا شيء فيها إلّا سرير وطاولة وكرسيّين، فبدت متواضعة جدّاً قياساً ببيت آل سو. لكنّ سو وانشينغ لم تأبه. فلوّحت بيدها، وأخرجت ما عندها من لوازم الحياة في الفضاء، فارتسمت فيها روح البيت. أمّا مهر لو تشنيوان الثمين فلم تطاوعها نفسها أن تُخرجه، فالبيت لن يسكناه طويلاً قبل أن يرحلا إلى الشمال الغربي.
وهكذا، يوم عاد لو تشنيوان، فتح الباب ليجد سو وانشينغ جالسة على الكرسيّ الهزّاز، تسمع المذياع وتحتسي القهوة. بدا المشهد برجوازيّاً بعض الشيء، لكنّ لو تشنيوان شعر أنّ حياتها ينبغي أن تكون هكذا، هانئة لا تكدّرها هموم. فشعر بالامتلاء في قلبه.
“لو تشنيوان! عدت!”
تلألأت عينا سو وانشينغ، وكادت تندفع إليه لتعانقه. تفاجأ لو تشنيوان بفيض حرارتها حتّى تجمّد، بل شكّ أنّه في حلم. وما أيقنه إلّا أنفاسه التي التقطت عطر السحلب الخفيف من جسدها، فأدرك أنّ هذا الجمال حقيقي.
“نعم، لقد عدت.”
تذكّرت سو وانشينغ أمراً، فأفلتته فوراً، وجعلت تتفحّصه: “هل أُصبت؟” يوم ودّعته، أعطته من زاد الفضاء ما يكفي، وكان المفروض ألّا يكون به بأس، لكنّ قلبها ظلّ معلّقاً حتّى تسمع منه كلمة.
أمّا لو تشنيوان فشعر بحكّة وقلق وهي تلمسه، فأزاح جسده وتظاهر برصّ الحقائب لينجو: “لم يصبني شيء.” حينها تنفّست سو وانشينغ الصعداء، وناولته منشفة ووعاء وقالت: “اذهب فاغتسل أوّلاً، وسأطبخ لك لحم الضأن!”
أوقدت سو وانشينغ موقد الفحم الصغير عند الباب، وأخرجت خلسة من الفضاء قطعة لحم ضأن اختلط فيها الشحم باللحم، ثمّ غسلتها ووضعتها في القدر. في نسيم المساء البارد، نصبا مائدة صغيرة أمام الباب، وجلس كلّ منهما على كرسيّه الصغير، يأكلان ويتحدّثان.
“صحيح، في هذه المدّة فعلت شيئاً… استعملت مع صديق حيلة، واستعدت معمل سو للنسيج وفيلا آل سو.”
هذا الأمر، رأت أن تعترف به بنفسها. فشخصيّة تشن وانيي مزيّفة، والمعمل لا يمكن تركه هكذا، ثمّ إنّهما ذاهبان إلى الشمال الغربي، والمعمل لا يُحمَل. حتّى لو أدخلته في الفضاء، فماذا عن العمّال الألف؟ كلّهم يعتمدون على هذا العمل ليسدّوا رمق عائلاتهم. وقبل يومَين فقط، خطرت لها فكرة جريئة، لا تدري إن كانت تنجح. وتابعت تسأل بحذر: “ألا تظنّني شرّيرة؟ دفعتُ آل سو إلى حافّة الهاوية.”
كانت خائفة بعض الشيء. لو تشنيوان عسكريّ، طُبع على الاستقامة والصراحة، ووسيلتها مع آل سو لا يمكن وصفها بالنزاهة. صمت لو تشنيوان قليلاً. فانقبض قلب سو وانشينغ، ومضغت اللحم في فمها دون أن تجرؤ على بلعه. ألا يكون رآها قد تجاوزت الحدّ؟
“أنت رائعة، رائعة لم أتخيّلها.”
فاجأها لو تشنيوان بإطرائه. لم تستوعب سو وانشينغ. قال: “أنتِ فتاة طيّبة، وما دفعك لهذا إلّا أنّ آل سو تمادوا في غيّهم.” أمسك يدها، يده الخشنة تحتكّ بظهر كفّها الناعم: “وانشينغ، لن أدع أحداً يظلمك بعد اليوم.”
لم تتوقّع سو وانشينغ قطّ أنّ لو تشنيوان غارق في الحبّ! لا عجب أنّه في حياتها السابقة، مهما فعلت، كان يحتويها دائماً.
“لو تشنيوان، كم أنت رائع!”
طوّقت سو وانشينغ عنقه بذراعها، وتكئت على صدره تتدلّل. شعر لو تشنيوان بالدفء، وكادت يده الضخمة تلتفّ حول خصرها النحيل، إلّا أنّ سيّدتَين من حيّ العائلات أقبلتا تغطّيان ضحكاتهما. فسحب يده فوراً، وأبعد سو وانشينغ برفق: “تناولي طعامك، لقد برد.”
قضمت سو وانشينغ ساق الضأن الصغيرة، وتابعت: “سنذهب إلى الشمال الغربي، ولن نستطيع حمل المعمل. فكّرت أن أسلّمه للدولة، ليتحوّل إلى إنتاج عسكريّ، ما رأيك؟”
هنا أصيب لو تشنيوان بالدهشة حقّاً. فضلاً عن أنّ سو وانشينغ، آنسة آل سو التي لا تحسن شيئاً، استطاعت استرجاع المعمل والفيلا في عشرين يوماً، أيّ ذكاء وأيّ حيلة تلك! وأمّا أفقها هذا، فهو يخجل منه. كان يظنّها ستبيع المعمل وتقبض ثمنه.
“وانشينغ…”
نظر إليها لو تشنيوان، والإعجاب في عينَيه يكاد يفيض.
“همم؟ كيف ترى رأيي؟” حدّقت سو وانشينغ فيه.
“رائع جدّاً! لدرجة أنّ البيت من بعده، كلّ شيء لك.”
تحرّكت تفّاحة عنقه، وابتسم في سرّه: زواجي بك هو أعظم ربح في حياتي.
تباحثا قليلاً، وقرّرا أنّ لو تشنيوان هو من سيسلّم المعمل للدولة، فلديه معارفه.
بعد العشاء، كان لو تشنيوان يغسل الصحون والقدور عند صنبور الماء الصغير، وسو وانشينغ تتمدّد على الأرجوحة في الفناء، وعيناها تتفحّصانه. نعم، هذا الرجل وسيم ورائع، كيف فرّطت فيه في حياتها السابقة؟ على أنّ زفافهما صار بعد أيّام، حينها، ستحسن التمتّع به! وحين تذكّرت ليلة الدخلة، لم تتمالك أن تفرك كفّيها. وبينما هي محرجة من طبعها اللصّي، جاء جنديّ صغير يؤدّي التحيّة: “سلاماً يا زوجة القائد! جئت أحضر دواء الجراح للسيّد القائد!”
لو تشنيوان ذو وضع خاصّ، وأعماله البطوليّة كثيرة، ولولا صغر سنّه لكان نائباً للقائد فعلاً، لذا في الجيش، يعترف به الجميع، وينادونه بـ”القائد” tacitly.
وانتفضت سو وانشينغ واقفة: “ماذا قلت؟ دواء جراح؟” قدّم الجنديّ العلبة. فتحتها سو وانشينغ، فيها للموضعيّ وللشرب، لكنّها لحسن الحظّ أدوية تعرفها.
هل أُصيب؟ ألم ينفعه زاد الفضاء؟
“لو تشنيوان! تعال هنا!”
صرخت سو وانشينغ. فانقبض جسد لو تشنيوان تلقائيّاً، وجاء يسير بخطوات عسكريّة. نظرت إليه سو وانشينغ بدا ممتلئ الحيويّة، ليس كمن أصيب، لكنّ هذه الأدوية لا تكذب. واتّضح كم كان لو تشنيوان متصنّعاً!
والأمر نفسه، حين سمع لو تشنيوان الجنديّ يأتي بالدواء، ارتعب. الآن ستقلق سو وانشينغ. ولم يعد يقدر على المراوغة، فرمق الجنديّ الصغير بنظرة حادّة. ارتعد الجنديّ.
صاحت سو وانشينغ بشراسة: “لماذا تنظر إليه؟ أين أصبتَ، اخلع ثيابك بنفسك!”
💬 المناقشة
….