الفصل 378
‘ماذا أفعل؟’
أسند جونغ سيوو ذقنه بخفة، وقد أصبح خط فكه حاداً لا نحيفاً فحسب, لأنه لم ينم جيداً في الأيام القليلة الماضية، وأخذ يراقب ببطء الدونسينغز الجالسين أمامه.
‘الأمر مزعج فعلاً، لكن….’
عرف سيوو أن هاجين ودوها كانا يسألان من حوله عن أمره من تشوي يونوو عضو إندروي.
-سيوو محظوظ.
-نعم، أنا محظوظ.
-أنا لم أقل بعد ما الجيد في الأمر.
-مهما يكن، بشكل عام حياتي جيدة.
تذكر الحوار الذي دار بينه وبين تشوي يونوو الذي قابله صدفة في ردهة فناني الشركة.
كان يونوو، الذي صبغ شعره باللون الأشقر استعداداً لكومباك فرقته، يجلس مسترخياً على الأريكة والابتسامة تملأ وجهه. ثم سأل سيوو بنبرة قلقة.
-أنت ما زلت لا تنام جيداً هذه الأيام؟
-من أخبرك؟
-قائد فرقتك.
-…هاجين؟
-نعم. اتصل بي وسألني. وطلب مني أيضاً أن أدله على أمور تساعد على الأرق، فنقلت بعض خبرتي كما يفعل يجدر من سينبانيم.
كان صحيحاً أن الأرق ازداد عليه مؤخراً.
لم يكن ينام بسهولة، وحتى إذا نام بالكاد، كان غالباً ما يرى كوابيس أو يستيقظ بعد وقت قصير. كان يعرف جيداً أن جسده ليس بحالة جيدة لكنه لم يهتم كثيراً لأن هذا شيء يمر به كل عام في مثل هذا الوقت.
بل إن حالته الآن تعد أفضل بكثير مقارنة بالسنوات الماضية.
“…لذلك، ما أقصده هو… بصراحة فكرت أن أسألك مباشرة يا هيونغ، أتفهم؟ لكن كل المشكلات هكذا، قد يكون في بعضها شيء حساس قليلاً، إيه؟ تعرف ما أقصد، صحيح؟ أعني، حقاً، لم يكن الأمر أننا كنا نتحرى عنك من خلفك عمداً هيونغ…! لا، أنا فعلاً مظلوم هنا. تباً، يا, لي دوها، تكلم أنت. حين أتكلم أنا يبدو الأمر غريباً كأنه تبرير! وهو ليس كذلك!”
تحركت عينا سيوو الداكنتان والعميقتان ببطء.
أما هاجين، الذي كان واضحاً من عينيه أنه قلق من أن يزل لسانه مرة أخرى ويتسبب في أمر شبيه بما حدث في المرة السابقة، فكان أمره يمكن فهمه. لكن وجود دوها معه في هذا المكان كانم فاجئاً قليلاً.
“……فكرة أن نسأل الأشخاص المحيطين بك، أنا من طرحها.”
وفوق ذلك، كان هو نفسه صاحب الفكرة السخيفة المسماة بـ ‘استطلاع المحيطين‘.
أومأ جونغ سيوو برأسه كأنه يقول له أن يواصل. وتابع لي دوها كلامه وهو يُظهر توتراً نادراً.
“لم تكن لدينا نية في خداعك يا هيونغ أو شيء من هذا القبيل. كنا نعرف أن المسألة ليست شيئاً يمكن التعامل معه بخفة، لذلك كان علينا أولاً أن نحكم إن كانت مسألة يجب أن نتدخل فيها أم لا. ولهذا قررنا أن نسأل أشخاصاً يعرفون عنك أكثر قليلاً.”
“…….”
“لم نفكر بما يكفي في أن طريقتنا قد تبدو لك غير مهذبة إذا عرفت بها. أنا اسف.”
فكر جونغ سيوو في ذلك الاعتذار بهدوء.
‘هل أغضب؟’
لكنه لم يكن غاضباً.
في الحقيقة، كان الأمر كذلك منذ عرف بهذا الوضع أول مرة. لم يكن سيوو غاضباً منذ البداية.
في البداية كان مذهولاً فحسب، ثم أصبح فضولياً بشأن ما الذي كانوا يفكرون فيه بالضبط، ثم شعر بالاستياء، متسائلاً عما فعله حتى أصبحوا الآن يحاولون الاستطلاع عنه بالتحري من خلفه.
“أخطأنا.”
“في ماذا؟”
“في أننا كنا نسأل عنك من دون علمك, هيونغ.”
لكن الآن.
لكن الآن، وأمامه الدونسينغز اللذان كانا يراقبان مزاجه خائفين من أن يكون قد انزعج ويتلعثمان في شرح ما حدث، كان الشعور الذي راوده… كيف أقول؟
‘…هذا لطيف منهما.’
كان انطباعاً مختلفاً تماماً عن حادثة المتجر في المرة السابقة.
قد يكون السبب أن حالته الجسدية والنفسية الآن أصبحت أهدأ وأكثر استقراراً مما كانت عليه وقتها. لكن الأمر هو أنه يشعر أن شيئاً أكثر جوهرية قد تغير.
وبينما كان يفكر لبرهة فيما قد يكون ذلك الشيء، تحدث غونغ سوك الجالس بجانبه وهو يتفقد الوقت.
“إذن، أكملوا بقية الحديث وحلوه بينكم كأعضاء فرقة واحدة. لدي جدول أخر، لذلك سأغادر الآن.”
“حسناً. سأتواصل معك لاحقاً.”
لم يكن يعلم ما إذا كان غونغ سوك يملك موعداً حقاً، أم أنه كشخص ضعيف القلب بطبيعته لم يتحمل أجواء الحرب الشرسة والخانقة للفرقة. وعلى أية حال، لم يمنعه سيوو من المغادرة.
بدا كأن دوها وهاجين يرسلان إليه بأعينهما رسالة ملحة تقول‘لا تذهب‘، لكن سوك الذي لم يتلقَ ذلك التخاطر للأسف جمع أغراضه بسرعة ونهض من مكانه.
وقبل أن يغادر الطاولة تماماً، ربت على كتف سيوو مرتين وابتسم بخفة.
“لا توبخ الأولاد كثيراً.”
“أوبخهم؟”
“رغم كل شيء,كانت بنية طيبة…سأذهب فعلاً. استعدوا جيداً للكومباك.”
“نعم. وداعًا.”
“هيونغ، سوك هيونغ. لا تنسَ ما قلته لك، اتفقنا؟ يجب أن تتذكره حقاً. إذا ذهبت، فأول شيء تفعله هو حفظ الاسم والرقم العسكري…!”
“عد بسلام هيونغ. اذهب وعد بصحة جيدة.”
وبتحية دوها المهذبة، اختفى غونغ سوك تماماً خارج المقهى. وبعدما اختفى الشخص الوحيد بين المجموعة الذي كان يتولى دور الحيوان العاشب، لم يبقَ على الطاولة الآن إلا صمت شرس من جديد.
كان لي دوها قليل الكلام في الأصل، ولم تكن لدى جونغ سيوو نية خاصة للتحدث، أما كانغ هاجين فكان يتوخى الحذر تحت ضغط أن التحدث بتهور و بلا تفكير هنا يعني أن الجميع هالكون فعلاً.
“…….”
مرر جونغ سيوو يده بلطف إلى الخلف خلال غرة شعره التي ظل يطيلها منذ نشاطات ‘نهاية الشباب‘.
كانت الغرة قد طالت بما يكفي حتى أصبحت تغطي عينيه قليلاً إن لم يجففها جيداً في الصباح، ثم انسابت من جديد على جبهته المستقيمة.
مال برأسه قليلاً إلى الجانب، ونقر بأصبعه كأس الشاي المثلج الخاص بهاجين، الذي كانت قطرات الماء تنساب عليه.
وحين رفع نظره من جديد، كان هاجين ينظر إليه بعينيه المعتادتين.
تلك… النظرة التي تحمل رهبة كأنه اكتشف شيئاً لا ينبغي أن يكون موجوداً في هذا العالم.
رفع سيوو زاوية فمه وسأل بنبرة مرحة.
“بماذا يفكر هاجين؟”
“…هل يمكنني أن أقول بصراحة؟”
“نعم.”
“كنت أفكر أن هذا الشعر يناسبك بجنون يا هيونغ….”
“وأيضاً؟”
“وأن كايروس محظوظة حقاً لأنها فرقة لديها جونغ سيوو…؟”
“هل تخشاني، أم تراني مثيراً للاهتمام؟”
سأل جونغ سيوو بصدق. فعلى الرغم من أنهما قضيا معاً ما يقارب عامين، فإنه ما زال لا يستطيع أن يحدد جيداً أي نوع من الأشخاص هو كانغ هاجين بالضبط.
أحياناً يبدو كأنه يتعامل معه بحذر شديد، وفي أوقات أخرى يبدو كأنه يفهمه على نحو أدق من أي شخص أخر.
أحياناً يبدو كأنه فضولي بشأنه،وأحياناً يبدو كأنه لا يملك اهتماماً به حتى مقارنة بالغرباء
قبل قليل فقط كان قلقاً من احتمال أن يكون قد غضب، يطرق بأصابعه باضطراب، وها هو الآن يتحدث براحة عن وجهه ويغرق في الإطراء عليه.
“آه….”
وعلى سؤاله المليء بعلامات الاستفهام وعدم الفهم، أجاب كانغ هاجين وهو يحك خده.
“أنا لا أخاف منك تحديداً.”
“حقاً؟”
“نعم.”
مع أنه حتى العام الماضي كان يرتجف كلما رآه، إلى درجة أنهما تشاجرا بعنف بسبب ذلك، أومأ كانغ هاجين برأسه بهدوء. كان وقحاً إلى حد بدا معه كأنه نسي تماماً أنه قبل قليل فقط طلب من صديقه الذي في عمره أن يشرح بدلاً منه، لأن كلامه هو كان يبدو كتبرير.
لكن وقاحة كانغ هاجين لم تنته عند هذا الحد.
“هيونغ.”
“تحدث.”
“تغاضَ عنا هذه المرة فقط.”
“ماذا؟”
“في الحقيقة، أنت لست غاضباً كثيراً الآن.”
انحنى كانغ هاجين إلى الأمام، وقد اختفى تماماً توتره قبل قليل، وعاد إلى طريقته المعتادة في المراوغة. حرك سيوو حاجبيه كأنه وجد هذا التغير في موقفه مثيراً للاهتمام.
بدلاً من ابتسامة العينين البريئة والتي كان سيوو قد أمره بحزم أن يبعدها، ابتسم هاجين ابتسامته الخاصة الواثقة والمسترخية.
“آه، تغاضَ عنا هيونغ.”
أنا أعلم جيداً أنك لست غاضباً.
وأمام تلك الوقاحة الممتلئة بالثقة، انتهى الأمر بجونغ سيوو إلى أن انفجر ضاحكاً.
***
“هاها! هذا ممتع.”
ما إن رأيت جونغ سيوو يضحك بصوت عال حتى تأكدت أن حدسي كان صحيحاً.
جونغ سيوو لا يرى الوضع الحالي مزعجاً إلى هذا الحد.
“…يبدو أن قولك إنك لا تخاف مني كان صحيحاً فعلاً؟”
لا، بل بدا كأنه راضٍ قليلاً أيضاً.
‘غررررك لا ينفع، لكن استطلاع المحيطين ينفع. يا له من معيار حكم صعب.’
بصراحة، لم أفهم تماماً ما الذي اختلف بين ذلك الوقت والآن. لكن أياً يكن السبب، فبما أن حدث حينها لن يتكرر، فهذا يكفيني.
ظل جونغ سيوو يضحك برضا مدة أطول على إجابتي، ثم أومأ برأسه كأنه يعترف بالهزيمة، وقال.
“صحيح. في الحقيقة، لست منزعجاً كثيراً. كنت أفكر فقط, حتى لو سألتما غيري، فلن تسمعا جواباً مهماً على أي حال، فلماذا تكبدوا عناء ذلك…؟ لكنني أفهم نيتكما.”
ومع تلك الكلمات، اتكأ جونغ سيوو إلى الخلف بأريحية ، فاشتغل في داخلي رادار قراءة الموقف الذي رافقني قرابة ثلاثين سنة.
إذا كان علي أن أسأل جونغ سيوو عن شيء، فالوقت المناسب هو الآن.
لم أترك الفرصة تفلت، والتقطت ذلك التوقيت فوراً.
“إذن يمكنك أن تخبرنا أنت يا هيونغ.”
“…….”
“أصحيح أن الأرق لديك ازداد سوءاً مؤخراً؟ هل للأمر علاقة بوالدك؟ هل أنت متأكد أنك لا تحتاج إلى مساعدة؟”
شعرت أنني لن أتمكن من طرح كل الأسئلة إذا سألتها واحداً تلو الآخر، لذلك انتهزت الفرصة وطرحت جميع أسئلتي دفعة واحدة.
وبصراحة، إذا لم يكن جونغ سيوو يتعرض الآن لهجوم من دولجا بسبب الخط الزمني السابق، فكل ما يمر به جونغ سيوو الآن كان أمراً يخص جونغ سيوو نفسه بالكامل. وهذا يعني أنني حتى لو عرفت شيئاً عن ذلك الأمر، فربما لن أستطيع مساعدته في شيء محدد.
“وسمعتُ أيضاً أنك ترى كوابيس كثيراً. هل الأمر متعلق بوالدك؟ ألم تقل إنك كنت بخير حتى جلسة العلاج النفسي؟”
لكن إن كنت لا أعرف فلا أعرف، أما بعدما عرفت بالفعل، فالتظاهر بأنني لا أعرف لم يكن يناسب طبيعتي أيضاً. وتحديداً بعد أن علمتُ أن جونغ سيوو من النوع المغفل والبليد في رعاية نفسه مثلي تماماً.
“…….”
“……؟”
بعدما أفرغت أسئلتي بنبرة أستجوب، انتظرت إجابة جونغ سيوو لكن لسبب ما لم يأتِ أي جواب.
وحين نظرت إلى وجهه لأفهم ما الذي يحدث، كان جونغ سيوو مصدوماً فعلاً. كان تعبيره قريباً جداً من تعبيره في المرة السابقة حين أمسك بي من ياقتي علناً.
‘لماذا لا يجيب؟’
توقعت أن يرد عليّ أما أن لا يجيب إطلاقاً فلم يكن هذا ضمن الإجابات التي توقعتها، لذلك ارتبكت قليلاً. وخشيت أن أكون قد أخطأت مرة أخرى،التفتُ سريعاً لأتفحص وجه لي دوها الجالس بجانبي، لكن دوها كان يتناول التيراميسو بتعابير هادئة وطبيعية للغاية.
كنت أريد أن أسأله كيف استطاع ابتلاع التيراميسو في موقف كهذا، لكن بما أن لي دوها صاحب الحكم الموضوعي العالي كان يتصرف بهدوء وغير متأثر فقد كانت تلك علامة جيدة. لذلك، اقتديت به وأغلقت فمي وانتظرت رد الفعل القادم من جونغ سيوو.
“…هاها.”
“……؟”
“هاهاها، فوه، آهاها!”
لا أدري إن كان يرتب أفكاره أم يستوعب الموقف.
بعد صمت طويل، انفجر جونغ سيوو بالضحك فجأة.
لم تكن ضحكة ساخرة أفلتت منه لا إرادياً بسبب شعوره بالذهول والعبث كما حدث قبل قليل، بل كانت هذه المرة ضحكة نابعة فعلاً من مزاج جيد.
“ما، ماذا؟ لماذا تضحك؟ أنا جاد هنا.”
أنا جمعت شجاعتي حقاً حتى أسأل، وأنت تضحك الآن؟
ورغم ردي هذا، ظل جونغ سيوو يضحك طويلاً حتى تجمعت الدموع في عينيه، وكان حتى في وسط ذلك يبدو جميلاً على نحو غير واقعي، ثم مسح دموعه براحة يده وقال.
“هاجين.”
“نعم.”
“أنت ممتع حقاً.”
“ماذا؟”
أعني، ما الممتع بالضبط؟
أمام تقييم مجنوننا الذي يستحيل علي فهمه، تكاثرت فوق رأسي عشرات الملايين من علامات الاستفهام.
***
والله حتى انا مب فاهمه سيوو بس يالبى الضحكة والله
💬 المناقشة