الفصل 377
“سألتحق بالجيش.”
كانت هذه أول كلمات غونغ سوك بعدما حلق شعره بالكامل، مع أن شعره كان قصيراً بالأصل.
“كنت أنوي الالتحاق بعد انتهاء ميرو ميز مباشرة، لكنني في الحقيقة تأخرت قليلاً. فكرت كثيراً، وبما أنني مضطر للذهاب على أي حال، قررت أن أذهب الآن وأعود سريعاً.”
قال غونغ سوك ذلك وهو يفرك رأسه المحلوق بإحراج. ولعله شعر بالضغط لأننا ظللنا ننظر إليه، فوضع قبعة البيسبول التي أحضرها وضغطها على رأسه وهو يضحك، لكن الجو أصبح جاد لسبب ما.
في الحقيقة، لا أعرف بشأن لي دوها الجالس بجانبي، لكنني على الأقل كنت في حالة من الكأبة.
‘آه، تباً. الجيش….’
للأسف، إن كان المستقبل الذي أعرفه صحيحاً، فأكثر ما كان يغيظني هو أنه لن يكون هناك توحيد سلمي خلال السنوات العشر القادمة تقريباً. وحين فكرت أن ذلك المستقبل هو مستقبلي، وأن نهايتي أنا أيضاً ستكون الالتحاق بالجيش، ابتلعت الكلام الذي كنت على وشك قوله.
وبينما كنت أرتشف الشاي المثلج بوجه مكتئب وكان لي دوها بجانبي يضم يديه بكأبة لا تقل عن كأبتي، ثم قال.
“بعد أن تنهي خدمتك العسكرية، هل ستعود إلى هنا؟”
رغم أنه لا يوجد شيء أقل جدوى من الحديث عن ما بعد التسريح مع شخص لم يلتحق بالجيش بعد، بدا أن غونغ سوك فهم المعنى الحقيقي وراء سؤال لي دوها.
نظر غونغ سوك إلى فنجان الشاي بصمت، ثم هز رأسه ببطء.
“همم…. لا. لا أظن أنني سأعود.”
كان عمر غونغ سوك هذا العام ثلاثاً وعشرين سنة.
في الحقيقة، حتى لو بدأ التحضير للترسيم من الآن، فسيُعد كبيراً نسبياً إذا أخذنا متوسط أعمار الايدولز الجدد هذه الأيام في الحسبان. قد يبدو غريباً أن يُقال عن عمر ما زال في أوج الشباب إنه متأخر، لكن ذلك كان الواقع.
‘في مجال تكون مدة العقد الأساسية فيه سبع سنوات، وإذا حسبنا مدة الخدمة العسكرية أيضاً…. فالثالثة والعشرون تقريباً هي الحد الأخير فعلاً.’
ومع ذلك، في هذا العمر الذي يُعد حداً أخيراً، كان غونغ سوك سيذهب إلى الجيش.
بما أننا الآن في أواخر يونيو، فسيكون في الخامسة والعشرين عند تسريحه. وبما أن هذا الاختيار لا يختلف عملياً عن التخلي عن الترسيم كايدول، فقد أظلم وجه لي دوها بسرعة.
ربما خاف غونغ سوك من ذلك التعبير مرة أخرى أو لاحظه فحسب، فلوح بيده على عجل وأضاف.
“أنا لا أقصد أن أتخلى عن الغناء. فقط… فقط أنني لم أتخرج من الجامعة بعد، وبعدما جربت تعليم المتدربين مؤخراً، أصبحت أفكر كثيراً أنني ما زلت غير مؤهل كفاية لأعلّم أحداً، لذلك….”
“…….”
“سأستغل ذهابي إلى الجيش على الأقل…. لأفرغ رأسي وأفكر على مهل.”
عند كلام غونغ سوك أومأت أنا ولي دوها برأسينا بصمت.
كان الأمر مؤسفاً بالنسبة إلي أيضاً، لكن أياً كان اختياره في النهاية فهذه كانت حياة غونغ سوك لذلك لم يكن بأمكاني أن أتدخل بوقاحة.
كل ما فعلته هو أنني أمسكت يدي غونغ سوك بقوة، كما تمسك الجدة يدي حفيدها وقلت له بصدق.
“هيونغ. إذا ذهبت، فستجد من هم أصغر منك يتصرفون كأنهم أصحاب سلطة لمجرد أنهم أعلى منك رتبة. أنا جربت العمل معك من قبل، لذلك أعرف. بصراحة، لا أقلق عليك أبداً من هذه الناحية.”
“…آه؟ نعم، حسناً. شكراً.”
“لكن لا يجب أن تبدو ضعيفاً. ففي اللحظة التي تبدو فيها ضعيفاً، قد يحاول حتى من يلتحقون بعدك النيل منك. بما أنك كنت متدرباً، فجسدك ولياقتك ليسا سيئين، أليس كذلك؟ ابقَ في المنتصف، في المنتصف فقط. لا تبذل جهداً أكثر من اللازم، ولا تتراخَ أكثر من اللازم. أعني، تظاهر بأنك صارم بالقدر المناسب، وبشكل واضح قليلاً. هكذا لا تتعرض للشتائم، وترتاح لاحقاً.”
“أ، أحقاً؟ أنا؟”
“وأيضاً، إذا كان هناك شيء عليك فعله على أي حال، فبادر وقل إنك ستفعله، ثم افعله كما يجب وبدقة. هذه النقطة، بما أن الجميع يعرفون أنك دقيق، أظنك ستتدبرها جيداً بنفسك……. لكن في المقابل، أي شيء لا تحتاج إلى فعله، أو أي شيء تشعر أن جسدك لن يبقى سليماً بعده، تجنبه مهما حدث. الصحة هي الأهم. فهمت؟”
“آه، نعم. شكراً.”
“وحاول قدر الإمكان أن تغتسل بسرعة وتضمن وقتك الشخصي مهما حدث. وعندما تصل، احفظ الأسماء والأرقام العسكرية أولاً. الأسماء. الأسماء بلا استثناء. يوجد دائماً وغد واحد على الأقل يثير فوضى بسبب هذا. خصوصاً أن اسمك أنت غونغ سوك، صحيح؟”
“نعم. هذا، صحيح؟”
“في اللحظة التي تقول فيها ‘الجندي غونغ سوك.’، سيكون هناك بالتأكيد أوغاد بعقلية أطفال ابتدائي سيضحكون ويقولون’إذا كان هناك شخص، فلماذا تقول إن المكان شاغر؟’ لا تتفاعل. إذا تفاعلت، ستخسر.”
–معنى اسمه غونغ سوك فراغ او شاغر–
“آه، حسناً. فهمت….”
“وإذا قلت هناك إنك من قسم الموسيقى التطبيقية، وكنت مدرب غناء أو متدرب ايدول،فسيجبرونك على استعراض مواهبك في الغناء والرقص بلا رحمة، مفهوم؟ بدل أن تغني بالاد من الأفضل أن تغني لهم تروت أو أغاني ايدولز فتيات أو بضع أغنيات حماسية يعرفها الجميع. لكن إذا أديتها جيداً أكثر من اللازم، فهناك مجانين سيجعلونك تكررها طوال خدمتك، لذلك في تلك الحالة افعلها باعتدال….”
“…….”
“………”
“………….”
آه، لا.
خرج مني ذلك من دون أن أشعر.
كانت نظرة غونغ سوك من أمامي التي تقول بوضوح‘هاجين، هل أديت الخدمة العسكرية؟‘، ولي دوها الذي كان يحدق بي من جانبي ‘كانغ هاجين، كف عن إظهار أنك خدمت في الجيش‘، تطعنانني في الوقت نفسه. سعلت بسرعة ‘كهم‘، ورميت بجملة أدارك بها الموقف.
“…قال لي إن عليّ أن أرفض ما يجب رفضه بالقدر المناسب. شخص أدى الخدمة العسكرية، ذلك…. هيونغ لدي.”
“هاجين، أليس لديك أخ أصغر فقط؟”
“……ابن عمي.”
رغم أنني تهربت من الأمر بوضوح، لم يفعل غونغ سوك الساذج سوى أن قال ‘هكذا إذن‘ وأومأ برأسه. أما لي دوها الذي نادراً ما يرمقني بنظرة حادة، فقد كان ينظر إلي بعينين بلا روح. خطرت لي فكرة أنني لو كنت هنا مع جي سوهو أو لي يوغون لكنت تلقيت توبيخاً شديداً في طريق العودة إلى السكن، فأغلقت فمي وصمت تمامًا.
وفي جو أكثر جدية من قبل لسبب ما، أعاد لي دوها اتجاه الحديث أخيراً إلى الموضوع الأصلي.
“على أي حال، أتينا اليوم لأننا نريد أن نسألك قليلاً عن سيوو هيونغ.”
“هاه؟ آآه، صحيح. نعم.”
تذكر غونغ سوك متأخراً الهدف الأصلي من هذا اللقاء، فأومأ برأسه. وبما أننا كنا قد أخبرناه بما يقلقنا كله عبر المكالمة مسبقاً، بدأ غونغ سوك فوراً بالحديث عما يعرفه.
“همم، أنا أيضاً كل ما لدي هو ما سمعته من سيوو أحياناً ونحن نشرب معاً. لا أعرف شيئاً بدقة…. لكن أولاً، صحيح أن ذكرى وفاة والد سيوو في يوليو.”
“آه….”
“في ذلك الوقت أيضاً، بعد انتهاء ميرو ميز، حصلتم على إجازة لأسبوعين تقريباً، أليس كذلك؟ سيوو تواصل معي أولاً وقتها، وسألني إن كنت أفكر في الذهاب معه، فذهبت معه. أتذكر أنه قال إن والده كان مريضًا طوال فصل الربيع وتوفي قبل أن يصبح الجو حارًا.
كما توقعت، كان ظهور صدمة جونغ سيوو من جديد ببطء مرتبطاً بوالده فعلاً. ويبدو أن لي دوها فهم الأمر أيضاً، فأطلق تنهيدة صغيرة.
“إذا كانت ذكرى وفاة والده، فمن المؤكد أن لها تأثيراً عليه.”
“همم، أنا لم أعش معه في السكن مثلكم. لذلك لا أعرف جيداً كيف كان سيوو في تلك الفترة تحديداً…. لكن يبدو أنه كان يشرب كثيراً في ذلك الوقت. وكان يحاول أن يبقى بين الناس قدر الإمكان.”
“آه، إذن هل من الممكن….”
تذكرت أن جونغ سيوو، في ذلك الوقت تقريباً بالضبط، ذهب إلى رحلة جماعية مع طلاب دفعته، وأسقطهم جميعاً بألعاب الشرب. وبسبب ذلك أيضاً كان قد غاب عن أول تجمع لكايروس….
شعرت بالسوء، لأنه ربما كان ذلك أيضاً أثراً من رغبته في قضاء الوقت بلا تفكير وسط مكان مليء بالناس.
‘لحظة. يوليو؟ قال يوليو؟’
عبست بشدة، وفكرت ‘مستحيل‘، ثم سألت غونغ سوك.
“إذا كان يوليو، فهذا شهر عيد ميلاد ذلك الهيونغ. الرابع من يوليو.”
“آه، صحيح. لحسن الحظ، يبدو أن والده قضى معه عيد ميلاده الأخير قبل أن يرحل. طبعاً، لهذا قد لا يكون سيوو سعيداً كثيراً بعودة يوم ميلاده….”
أنهى غونغ سوك كلامه بابتسامة مريرة.
تنهدت بعمق ونظرت إلى خارج النافذة. كانت إعلانات التهنئة بعيد ميلاد جونغ سيوو تلمع بالفعل على مبنى الشركة.
حياة يأتي فيها عيد ميلاده كل مرة ومعه ذكرى وفاة والده.
لم أستطع أن أقول إنني أعرف ذلك الشعور تمامًا، لكنني شعرت بثقل في قلبي أكثر من أي وقت مضى.
“…هل من الأفضل أن نتظاهر بأننا لا نعرف؟”
طلبت النصيحة من غونغ سوك بكل صدق.
صحيح أنني شخص فضولي جداً ويحب التدخل في كل شيء، لكن هذه كانت مشكلة لا يمكنني لمسها بسهولة مهما فكرت فيها.
أجاب غونغ سوك أيضاً بعد أن فكر قليلاً.
“لا أدري…. لا أظن أن هذه طريقة خاطئة أيضاً. لكن سيوو سريع الملاحظة، لذلك ربما ينتبه إلى أنكم تتظاهرون بأنكم لا تعرفون.”
“ها، هذا صحيح أيضاً…. آه، يا له من هيونغ صعب.”
لو لم أكن أعرف، لكان الأمر مختلفاً، لكن بما أنني عرفت بالفعل، فسيكون انكشاف حقيقة أنني عرفت أمام جونغ سيوو مجرد مسألة وقت. ضربت رأسي بالطاولة بقوة، وبرودة الطاولة الرخامية هدأت رأسي الذي كان يكاد يتشقق، ولو لوقت قصير.
“يجب أن أتجنب على الأقل حدوث نسخة ثانية من حادثة ‘نوفيلميا‘….”
–اسم حادثة شجارهم ‘نوفيلميا‘–
“هم؟ أي حادثة؟”
“هناك حادثة. حادثة تصريحات جونغ سيوو المتهورة والمثيرة للجدل”
وعندها، تداخل صوت ضحكة كسولة وناعمة من فوق رأسي لتعارض كلماتي.
“أليست هذا حادثة إساءة استعمال السلطة من قبل القائد كانغ هاجين؟”
“إساءة استعمال السلطة؟ن ماذا تتحدث؟ تقولها لشخص عاش حياته كلها في موقع الطرف الأضعف….”
“آآه. إذن ما حدث وقتها كان خطئي بالكامل؟”
“بصراحة، سيوو هيونغ هو من أخطأ أولاً. أنا كنت أسأل فقط، لكن ذلك الهيونغ، أعني، أليس كذلك؟ أخذ يقلل من نيتي وصدقي، أعني… يقلل منهما هكذا….”
“آها. هكذا إذننن.”
“إذن؟”
لكن لماذا بدا الرد كأنه صادر من طرف الحادثة نفسه؟
شككت للحظة في أذني، ثم رفعت رأسي ببطء، فرأيت غونغ سوك الجالس أمامي يضحك بإحراج ‘هاها‘، و يرتشف الشاي بصمت. أما لي دوها الجالس بجانبي، فكان يشيح بنظره بعيداً و يسعل بخفة.
ارتفعت يد شخص ما واستقرت على كتفي.
لا من الأمام، ولا من الجانب، بل من الخلف.
“إذن، ما قلته وقتها يا هاجين إنك أنت المخطئ، كان في النهاية مجرد تهدئة للموقف ولم تكن تقصده؟”
كان طرف الحادثة نفسه، جونغ سيوو.
“هاها…. هي، هيونغنيم. ألم يكن لديك تصوير إعلان اليوم؟ كنت متأكداً أنك لن تصل إلى سيول إلا في وقت متأخر من الليل….
“انتهيت مبكراً. لماذا، هل اشتقت إليّ؟”
“بالتأكيد، طبعاً. أنا الآن إذا لم أرى وجه هيونغنيم مرة واحدة في اليوم تنخفض درجة بصري إلى السالب لحظة بلحظة، لأنني لا أستطيع تنقية عيني بوجه هيونغنيم.”
جلس جونغ سيوو بجانب غونغ سوك وهو يضحك بخفة، وقد أصبح معتاداً الآن على الهراء الذي يخرج من فمي بلا توقف. ويبدو أن الاثنين كانا يلتقيان كثيراً من دون أن أعرف، فقد رأيت غونغ سوك يحيي جونغ سيوو براحة أكثر من قبل.
“سيوو، ماذا تريد أن تشرب؟ هل أطلب لك قهوة؟”
“لا، شربت كثيراً أثناء التصوير. هل حلقت شعرك بالفعل؟ قلت لك إنني سأذهب معك.”
“على أي حال، يجب أن أحلقه مرة أخرى في اليوم الذي يسبق دخولي، يمكنك أن تذهب معي وقتها. وقلت لك إنك لست مضطراً للمجيء. أنا ذاهب إلى الجيش مثل غيري، فما الداعي؟”
وبينما كان الهيونغان من العمر نفسه يتحدثان ببساطة، كنت أنا ولي دوها وحدنا نشعر كأننا مذنبان.
‘لا، لكنني لم أفعل شيئاً خاطئاً أصلاً.’
هل هذا خطأ؟ هل هو خطأ؟ أنا أيضاً قريب من سوك هيونغ.ما المشكلة في أنني قابلت سوك هيونغ؟
لم يدم شعوري بالانكماش طويلاً، إذ تذكرت أنه لا يوجد أي سبب يجعلني أدخل بنفسي في وضع الطرف الأضعف. وفوق ذلك، لا أعرف إلى أي حد سمع جونغ سيوو حديثنا.
وإذا اضطررت، يمكنني فقط أن أتحجج بأنني قابلته لأنني أردت رؤية وجه سوك هيونغ قبل أن يذهب إلى الجيش.
‘بما أن أمري انكشف على أي حال، فلأتصرف بوقاحة.’
وفي اللحظة التي رفعت فيها رأسي وأنا أفكر هكذا، سألني جونغ سيوو وهو يسند وجهه الوسيم إلى يده الجميلة.
“إذن، هاجين ودوها.”
“…….”
“سمعت أنكما تتحريان عني من ورائي هذه الأيام. هل سمعتما كل ما تريدان؟”
“أخطأنا، هيونغنيم.”
“وما الذي أخطأتما فيه؟”
“على أي حال، نحن أخطأنا، هيونغنيم….”
يا ترى، من يكون هذا مجنون منزلنا، حتى لا يوجد شيء لا يعرفه؟
ومع شعوري بأنني عالق في كف تلك اليد هذه المرة أيضاً، ابتسمت لجونغ سيوو بأبرأ وألطف وجه استطعت إظهاره.
“كف عن الابتسام بعينيك.”
“نعم.”
…إذن لم تكن بريئة جداً.
اسف.
***
احب و اكره اركات سيوو
💬 المناقشة