الفصل 96

الفصل السادس والتسعون
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

“فو يه، وصلتك طرودٌ بالبريد.”

قبيل مهمتهم بيوم واحد، كان فو يه قد توجّه إلى المدرسة لأداء الامتحانات، وما إن عاد إلى مكتب الكائنات الشاذة حتى أبلغه أحدهم بوجود طرد ينتظره.

كان الطرد مستطيل الشكل، يبدو للوهلة الأولى صغيراً لا يُعبأ به، غير أنه كان من الثقل بمكانٍ جعل نقله يستلزم تضافر عدة أيدٍ.

وكان كثيرون قد ساورهم الفضول لمعرفة ما يحويه ذلك الصندوق، إلا أن أحداً لم تُسوّل له نفسه فتحه، إذ لم يكن أحد مستعداً لاستجلاب غضب “فو الذئب المجنون” على رأسه.

“طردٌ لي؟”

قطّب فو يه حاجبيه قليلاً، متساءلاً في نفسه عن المُرسِل.

وحين ذهب لاستلامه، كاد هو الآخر ألّا يستطيع رفعه.

يا لهذا الثقل الراسخ الصلب!

وبينما كان يحمل الطرد عائداً إلى غرفته، خرج ين شي آن للتو من حجرته، فوقعت عيناه الحمراوتان على الصندوق الذي يحضنه فو يه، ثم أطلق تعجباً خافتاً.

“أرسلت لك شياو تشا هذا؟”

توقّف فو يه لحظة، ثم انبسطت على وجهه الوسيم ذي الملامح الحادة ابتسامةٌ عريضة.

“أختي الصغيرة هي من أرسلت لي؟”

كان من البهجة والسرور ما يجعل الربيع يتفتح من حوله، ولو كان ين شي آن قادراً على تقليب عينيه سخريةً لفعل.

ولم يُبالِ فو يه بغياب الرد، وانطلق رحيباً مرحاً حاملاً طرده حتى بلغ غرفته.

حين أزاح غلاف الشحن، انكشف عن صندوق مستطيل أثريّ الشكل، منقوش بزخارف رقيقة.

“ما الذي في داخله حتى يكون بهذا الثقل؟”

لم يُسارع إلى فتح الصندوق، بل التقط أولاً ورقةً صغيرة.

كانت بخط تلك الطفلة الصغيرة، وقد بدا خطها أجمل مما كان عليه من قبل.

“ابتعد.”

هذه الكلمات الثلاث فحسب، لا غير!

وقف فو يه حائراً مذهولاً، ثم لمّا هَمّ بفتح الصندوق، هبّت عليه لمعةٌ من الحدس، فانزاح جسده جانباً في فجأة مباغتة.

“طنين… طنين… طنين…”

دوّى رنينٌ آسرٌ آخاذٌ، وانتشر في الفضاء كموجات تتموّج على سطح ماء، متّخذةً من فو يه مركزاً لها.

كان ذلك الصوت ينفذ مباشرةً إلى أعماق الدماغ، تصحبه ضغطةٌ خانقةٌ تُوجع القلب وتُزلزل الأعصاب.

أحسّ كثيرٌ من منتسبي مكتب الكائنات الشاذة فجأةً بقشعريرةٍ تسري في عظامهم.

“ما الذي يجري؟”

أما فو يه، مركز تلك العاصفة، فكان يُمسك رأسه وصدره بيديه، عيناه محمرّتان، يلهث بأنفاس متقطعة غليظة، وقد انتفخت أوداج رقبته وعروق جبهته، وسال من أنفه نزيفٌ، كأنما يُجاهد في تحمّل عذاب بالغ.

بيد أن عينيه كانتا تتوهجان بإثارةٍ مضطرمة تُرعش القلوب.

“هاه…”

أطلق ضحكةً عالية، وشدّت بصره على المسدس القصير في الصندوق.

وعلى الرغم من ذلك الضغط الهائل، مدّ يده، وأصابعه الخمس ترتجف رجفاناً خفيفاً لكنها راسخة استثنائية الثبات، فأمسك بالمسدس القصير.

في اللحظة التي قبض فيها عليه، سكن المسدس وهدأ.

لم يكن أمامه خيار؛ فقد أبرم مع تلك الوحشة البشرية عهداً: إن صمد هذا الإنسان أمام سُمّه وضغطه، انقاد له وأطاعه، لكن دون إيذاء أحد، وإلا كسرته من نصفين.

لو كان غيرها قد هدّده بهذا الكلام، لعدّه أبلهاً مجنوناً.

أما حين يكون القائل هو لو شياو تشا، فهي قادرةٌ فعلاً على فعل ذلك.

وحين انقشع ذلك الضغط الآكل للعظام وذلك الوجيب المضني، أمسك فو يه بالمسدس القصير الأسود الداكن الذي لم يكن من مظهره بالغٌ عادياً، وأدسّ ورقة المناديل في أنفه إيقافاً للنزيف، وراح الضحكُ في عينيه يتسع ويكبر.

“أيتها الطفلة الصغيرة، لقد أهديتِني كنزاً حقيقياً بالفعل.”

كانت تخمينات لو شياو تشا في محلها، فذلك المسدس المشؤوم الطاغي كان يلائم فو يه حقاً. وحين رآه للمرة الأولى، أبدى إعجاباً وسروراً فاق كل حد.

“من الآن فصاعداً، سأسمّيك قاتل الآلهة.”

كان ذلك الاسم المتغطرس العجيب منسجماً مع روح المسدس انسجاماً خارقاً؛ ارتجف جسم المسدس ارتجافاً خفيفاً، ثم في الثانية التالية تحوّل في قبضة فو يه إلى رمحٍ طويل شامخ يفوق الإنسان طولاً.

“هاهاها…”

أمسك فو يه رمحه الطويل وانطلق في ضحكة صاخبة هادرة، حتى ظن من سمعه أنه قد جُنّ فعلاً.

أما مدير مكتب الكائنات الشاذة فمسح بيده شعره وتنهّد قائلاً: “ألم يكن أحدهم قد صنع بلاءً جديداً قبل قليل؟”

كان منتسبو المكتب كواحدهم أصحاب مواهب استثنائية، لكنهم في الوقت ذاته إما مجانين وإما وحوش.

آه… لم يكن منهم واحدٌ سويّ، وكان يخشى أن يودّع الدنيا قبل أوانه بسببهم.

في مكانٍ آخر…

بعد أن هدّدت لو شياو تشا ذلك المسدس الأسود القصير عديم الفائدة تهديداً لا مبالياً، وأرسلته بالبريد العادي وكأن الأمر لا يعنيها، وجدت نفسها خاليةَ البال فكرّت في تخزين بعض المؤن في غرفتها.

غير أنها قرّرت اليوم الخروج والتجوال قليلاً.

كان أبوها وأمها وإخوتها مشغولين، فانطلقت لو شياو تشا وحيدةً، معلّقةً على خصرها كيساً صغيراً وقارورةً بحجم راحة اليد. كان في الكيس بذور الشمس والفول السوداني والحلوى، تتناول منها قرصةً بعد قرصة. فما إن كان في فمها شيء تمضغه حتى عمّها إحساسٌ بالرضا والاطمئنان. أما القارورة الصغيرة فكانت تضمّ طبعاً تلك الدويبة الصغيرة البيضاء الثلجية.

لم تطلب سائقاً، بل خرجت تمشي بخطواتها المتمهّلة المرحة.

المدينة النابضة النظيفة، حركة السيارات المتدفقة، الأبراج الشاهقة المتناثرة، وفي كل مكان أمارات الحياة المتجددة.

بيد أن أهم ما يعني لو شياو تشا في الدنيا كله كان الطعام.

“تفضلي، هذا شريحة الدجاج الخاصة بك.”

استلمت الفتاةُ البيضاء الناصعة التي تشبه دمية الخزف شريحةَ الدجاج، وعيناها السوداوتان الصافيتان تفيضان بالبهجة، فلم تُمهل نفسها وأنشبت العود في قطعة وراحت تلتهمها في شوق.

خلفها تشكّل طابورٌ من الزبائن أخذ في الامتداد والطول.

والأغرب أن ذلك الطابور لم ينشأ إلا بعد أن جاءت هي.

كثيرٌ من الأنظار كانت تلتفت إلى الفتاة؛ كانت جمالها يستوقف العيون حقاً، تبدو وادعةً أليفةً كالدمية.

لم تُعرْ لو شياو تشا تلك النظرات أدنى اهتمام، وواصلت تجوالها قاصدةً محل المثلجات والشاي الحليبي التالي.

قرّرت أن تُجرجر الطابق كله من أوله إلى آخره.

فكانت المشهد في مجمع المتاجر المقابل للميدان الرئيسي كالتالي: فتاةٌ قصيرة القامة ناعمة الملامح، تمضغ بسرعة ومن دون توقف، تصعد من طابق إلى طابق، لا تترك أمامها مأكولاً إلا نالت منه.

“أريد كوب شاي حليبي، أكبر مقاس عندكم.”

“أريد لحماً مشوياً، هذا، وهذا، وهذا أيضاً…”

“كعكة…”

“شوكولاتة…”

غير أنه مع كل ذلك الكمّ الهائل الذي ابتلعته، لم تحسّ قط بأدنى إشارة إلى الشبع أو الامتلاء.

كثيرون ممن رأوها تأكل ذلك كله لم يملكوا إلا أن تقع أعينهم على بطنها.

يا للعجب! خصرٌ رفيع كهذا، وجسدٌ صغير بهذا الحجم، وبعد كل ذلك الطعام تبدو بطنها لا تزال مستوية كما هي!

هل هذه إنسانة طبيعية؟

كثيرٌ من الفتيات حين نظرن إلى لو شياو تشا تجاوزن حد الغيرة؛ ألا تُعدّ بنيةٌ كهذه، تأكل ما تشاء ولا تسمن قط، حلم كل فتاة الذي لا تنام عليه؟

حين أنهت جولتها في المجمع، تجشّأت تجشؤاً مريحاً راضياً، وانطلقت محضنةً كوب الشاي الحليبي تُدندن بأغنية خفيفة متواصلةً تجوالها في أماكن أخرى.

“آه!! آه!!”

فجأةً اندلعت من أمام بوابة المستشفى صرخاتٌ متقطعة مضطربة.

الحشد الصاخب الآمن انفرط دفعةً واحدة وتشتت.

رجلٌ أشعث الهيئة مضطرب العقل، عيناه محمرّتان، يُلوّح بساطورٍ للخضروات ويصيح، ثم انقضّ فأمسك بصبيٍّ في السادسة من عمره واتخذه رهينةً.

تعالت صرخات الفزع من كل جانب، وتشقّق ذلك السكون المأنوس الهادئ. عبست لو شياو تشا وشقّت طريقها عكس تيار المتراكضين الهاربين.

وصلت الشرطة بسرعة.

“لماذا ترفضون علاجي؟! أنا محكومٌ عليّ بالموت، فلأُصحبكم أنتم أيضاً إلى حتفكم!”

كان الطفل المختطَف يبكي بكاءً حاراً متواصلاً.

اتضح لاحقاً أن ذلك الرجل كان قد اكتُشف قبل فترة قريبة بمرض سرطان في مرحلته الأخيرة. بيد أنه كان طوال حياته مُدمناً على الكحول، مُهملاً للعمل، فلم يكن في بيته ادخارٌ يُعتدّ به، ويريد العلاج دون أن يدفع ثمنه. حين رفض الأطباء علاجه مجاناً، توهّم أن الجميع يتمنون له الموت، فعاد إلى بيته، حمل الساطور، وجاء إلى باب المستشفى يُشيع الفوضى والرعب.

🎉

انتهى الفصل 96

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
الفصول
101 الفصل 101 100 الفصل 100 99 الفصل 99 98 الفصل 98 97 الفصل 97 96 الفصل 96 95 الفصل 95 94 الفصل 94 93 الفصل 93 92 الفصل 92 91 الفصل 91 90 الفصل 90 89 الفصل 89 88 الفصل 88 87 الفصل 87 86 الفصل 86 85 الفصل 85 84 الفصل 84 83 الفصل 83 82 الفصل 82 81 الفصل 81 80 الفصل 80 79 الفصل 79 78 الفصل 78 77 الفصل 77 76 الفصل 76 75 الفصل 75 74 الفصل 74 73 الفصل 73 72 الفصل 72 71 الفصل 71 70 الفصل 70 69 الفصل 69 68 الفصل 68 67 الفصل 67 66 الفصل 66 65 الفصل 65 64 الفصل 64 63 الفصل 63 62 الفصل 62 61 الفصل 61 60 الفصل 60 59 الفصل 59 58 الفصل 58 57 الفصل 57 56 الفصل 56 55 الفصل 55 54 الفصل 54 53 الفصل 53 52 الفصل 52 51 الفصل 51 50 الفصل 50 49 الفصل 49 48 الفصل 48 47 الفصل 47 46 الفصل 46 45 الفصل 45 44 الفصل 44 43 الفصل 43 42 الفصل 42 41 الفصل 41 40 الفصل 40 39 الفصل 39 38 الفصل 38 37 الفصل 37 36 الفصل 36 35 الفصل 35 34 الفصل 34 33 الفصل 33 32 الفصل 32 31 الفصل 31 30 الفصل 30 29 الفصل 29 28 الفصل 28 27 الفصل 27 26 الفصل 26 25 الفصل 25 24 الفصل 24 23 الفصل 23 22 الفصل 22 21 الفصل 21 20 الفصل 20 19 الفصل 19 18 الفصل 18 17 الفصل 17 16 الفصل 16 15 الفصل 15 14 الفصل 14 13 الفصل 13 12 الفصل 12 11 الفصل 11 10 الفصل 10 9 الفصل 9 8 الفصل 8 7 الفصل 7 6 الفصل 6 5 الفصل 5 4 الفصل 4 3 الفصل 3 2 الفصل 2 1 الفصل 1
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك