الفصل 95
الفصل الخامس والتسعون
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
كانت شياو تشا قد دهست قدم فو يه دهسةً لم تكسر العظام لكنّها أوجعت وجعاً شديداً.
ومرّت به وهي تحضن سلّة الطعام، وأعطت درساً عملياً حياً في معنى “قطع الجسر بعد العبور”.
قالت: “لا تؤذ أخي.”
أشار فو يه بأصبعه إلى لو بي تشن متلعثماً: “هو… أنا…”
يا للمفاجأة يا لو بي تشن! ووجهك كلّه نقاء وبراءة، وأنت من كان يدبّر!
سأله: “أخي، هل تؤلمك؟”
أجاب لو بي تشن بصراحة: “حين رأيتك تنتقم لي تبخّر الألم!”
تبعهما فو يه يعرج بخطىً متكسّرة إلى الفصل متذمّراً: “يا صغيرتي، أنا أحضرت لكِ الطعام، أما كان يمكنكِ أن تُرفّقي بي قليلاً؟”
نظرت إليه شياو تشا بوجهٍ يقول “عمّ تتكلم؟”.
قالت: “لقد خفّفت! لو كنت جادّةً لاخترق الأرضَ قدمُك!”
استسلم فو يه في صمت وأكتفى بالتفكير: كلامٌ صحيح، لكن لماذا يبدو هذا كلّه غريباً؟
فُتحت السلّة فكانت ذات خمس طبقات بخير وافر؛ الطبقتان الأولى والثانية تضمّان أطباقاً متنوعة مصنوعة من لحم الثعبان الكبير، تنقسم كلّ طبقة إلى أربعة أقسام تحتوي كلٌّ منها على طبقٍ مختلف من اللحم ذاته، بل وثمة حساءٌ بينها.
أما الطبقتان الثالثة والرابعة فاحتوتا على أطباق من الأخطبوط، وما أن فُتحتا حتى تسرّب عبق الطعام اللذيذ إلى أرجاء الفصل كلّه، فابتلع الطلاب الذين لم يغادروا بعد ريقهم بصعوبة وبرقت أعينهم باتجاه طاولة لو بي تشن وشياو تشا.
سأل أحدهم متجرئاً: “أيها الرئيس، ماذا تأكلون؟”
ثم تجرّأ وسأل إن كان يمكنه تذوّق القليل.
كان لو بي تشن يعلم جيداً كم كانت أخته تغار على طعامها، ولذلك رفض بحسم: “لا تفكّروا في الأمر. اذهبوا إلى المطعم. كلّ هذا لأختي.”
أطلق الطلاب أنفاساً خائبة، لكنّ مطعم المدرسة لم يكن بهذه اللذّة على أيّ حال.
أمّا شهيّة شياو تشا، فقد رأوها بأمّ أعينهم من قبل؛ فأن ينتزعوا الطعام من فمها؟ لا، هذا لا يستأهل!
قسّمت شياو تشا جزءاً صغيراً من الطعام لأخيها، وكان هذا القدر كلّ ما يستطيع أخوها استيعابه.
أمّا فو يه فرمقها بعيونٍ جاحظة: “وأنا؟ أنا الذي كلّفت نفسي وأحضرت هذا كلّه…”
قاطعته شياو تشا: “ألم تأكل؟”
أجاب فو يه بنعم.
قالت شياو تشا وعلامات الحسرة بادية على وجهها: “لو كنت قد أكلت أوّلاً ثم أحضرت، لوفّرت عليّ ألم المشاركة!”
أخفى فو يه ضحكته في داخله لكنّه تقدّم بوقاحة يطالب بنصيبٍ من الطعام.
كان لو بي تشن يراقب الطعام الذي خُصّص له وحده، ثم يرى فو يه لا يحصل على شيء، فكان في قرارته يطير من الفرحة والشماتة ويأكل ويُعلن مراراً وتكراراً: “لذيذ جداً، لذيذ جداً!”
رفع فو يه حاجبيه وابتسم بخباثة. ثم قال: “أنا لا آكل كثيراً، لكن بعد هذا الجهد الذي بذلته يستحقّ أن يكون لي نصيبٌ ما. سمعت أنهم رصدوا كائناً شاذاً من الدرجة الثالثة من نوع الأسماك في المنطقة البحرية M، وكنت أفكّر هل أتطوّع بمهمّة القبض عليه وإحضاره لكِ… لكن طالما…”
قاطعته شياو تشا بسرعة: “خذ!”
ومدّت إليه كرةً من اللحم.
لم يكتفِ فو يه: “كرة واحدة فقط؟ أريد تلك أيضاً.”
قطّبت شياو تشا وجهها الصغير وأعطته زلابية مطهوّةً بالبخار من لحم الثعبان تلمع بشفافيّتها.
وكانت كرات الأخطبوط ضخمةً بمرأى العين، فما إن رأتها تختفي في فمه بلقمتين حتى أغمضت شياو تشا عينيها وجعاً.
ثم كانت شرائح الأخطبوط المخلّلة الطازجة…
وبعد أن استمرّ فو يه في الأكل وأراد أن يفتح فمه مرةً أخرى، حنت شياو تشا عودَ الشوكة في يدها.
فهم فو يه: طيّب طيّب، أكتفي بهذا.
وكان لو بي تشن يراقب كلّ ذلك بعينين تشتعلان بالغيرة، وكاد يُغرز الشوكة في وجه فو يه المنتشي الزاهي.
غضّت شياو تشا ببصرها على ما أُكل حزينةً.
قالت: “سمكتي.”
أكّد لها فو يه: “اطمئني، سأقبض عليها اليوم!”
فانقشع وجهها وعادت مرتاحة، وانكبّت تأكل بهمّةٍ ونشاط.
كانت تأكل بسرعة لكن بأناقة واحترام تامّين؛ أطباقها تُلمع كأنّها مغسولة، وفمها لا يتلوّث بقطرة صلصة أو حبّة فلفل، وأرزّها لا يبقى منه حبّةٌ واحدة.
لم يستطع فو يه ولا لو بي تشن أن يتخيّلا ما الذي جعلها تنظر إلى كلّ لقمة بهذا الخشوع والوفاء، لكنّ منظرها أوجع القلوب من حيث لا يدري.
فكّر فو يه: سأحضر للصغيرة ما تأكله أكثر فأكثر، لحوم هذه الكائنات الشاذة شهيّةٌ حقاً.
وبالفعل، أظهرت نتائج الأطباء أن لحوم الكائنات الشاذة تحتوي على طاقة نشطة، وأن الإنسان العادي إن أكلها اشتدّت صحّته وقوي بدنه، شريطة ألا يُسرف فيها، ومع ذلك يشعر بالشبع بعد كميات صغيرة نسبياً.
أمّا من يتمتّع بقوة جسدية استثنائية من البداية، فإن أكل منها تعاظمت قواه وتجدّدت طاقته.
وكان هذا بالضبط ما يحتاجه مكتب الكائنات الشاذة.
وفي هذه الفترة انطلق كثيرٌ من عناصر المكتب القادرين على المهمّات بنشاطٍ ملحوظ للقبض على الكائنات الشاذة؛ ليس فقط للراتب، بل لأنها تمثّل مصدر غذاء أيضاً!
قالت شياو تشا: “شبعتُ.”
لم يأكل لو بي تشن إلا شريحة لحم واحدة وكرة أخطبوط وخُبزيّةً صغيرة حتى شبع.
استرخى فو يه على كرسيّه حتى مال على طاولة من خلفه وأضاف بتهاون: “حين تشبعون فلا تأكلوا أكثر، هذه اللحوم قد تسبّب نزيف الأنف إذا أكثرتم منها.”
كانت شهيّة وارمة واسعةً سواءٌ أكانت الوجبة عادية أم من هذه اللحوم الخاصة. لكن كان واضحاً أن لحوم الكائنات الشاذة أقدر على إشباعها والإبقاء عليها شابعةً وقتاً أطول.
أمّا الطعام العادي فكانت تحمله بين يديها طوال اليوم ولا تكاد تضعه، وما إن تشبع حتى تمشي قليلاً فيعود الجوع. لكن هذه اللحوم كانت تُمدّها بشبعٍ يدوم طويلاً.
في حقبة نهاية العالم كانت تعيش شبه جائعة دائماً، تقضي أيامها تجوب الأرض باحثةً عن الطعام، وحين يشتدّ الجوع كانت تأكل لحم الحيوانات المتحوّرة مهما كان مذاقه مُرّاً بشعاً؛ فالمذاق آخر ما يهمّ حين يهدر المعدة.
فشكرت الله من أعماق قلبها؛ كم تحبّ هذا العالم الذي يمكنها فيه أن تشبع!
قال فو يه: “سأمضي. وتذكّري يا صغيرتي أن تشتاقي إليّ.”
وقبل أن يرى موجة الطلاب العائدين من المطعم، جمع أغراضه ونهض مستعداً للرحيل.
وقبل مغادرته قرص خدّها، فكاد لو بي تشن يلتقط المكنسة ويلاحقه حتى بوابة المدرسة.
قال لو بي تشن بنارٍ في صوته: “إذا عدت سأستقبلك بسيفٍ كبير!”
أما شياو تشا صاحبة الخدّ المقروص فلم تكترث كثيراً، وكانت قد أتمّت طعامها وغلبها النعاس، فانكبّت على الطاولة تغفو.
وحين عاد لو بي تشن إلى الفصل وجدها منكبّةً على الطاولة تُغمغم بعيونٍ شبه مغمضة، والشمس تتسلّل من النافذة تسكب نورها عليها؛ فبدت الفتاة البيضاء الصغيرة كقطّةٍ صغيرة كسولة ذات فرو ناعم تنعم بالكسل في ضوء الشمس.
فكّر لو بي تشن: أريد أن أُدغدغها!
واقترب منها بخطواتٍ خفيفة ومسح برفقٍ على شعرها الناعم الكثيف، ثم وضع سترة الزيّ المدرسي عليها غطاءً.
فارتعشت أنف الفتاة الصغيرة بخفّة إذ عرفت الرائحة المألوفة، فأمالت رأسها ودعكته فيه بحركةٍ غريزية صغيرة، ثم استغرقت في النوم.
…
قاعة المهمّات في مكتب الكائنات الشاذة.
ما إن عاد فو يه حتى قبل مباشرةً مهمّة الكائن الشاذ من أعماق البحار من الدرجة الثالثة في المنطقة البحرية M.
كانت المنطقة البحرية M قد شهدت أربع حوادث غرقٍ واختفاء طالت قوارب الصيد والسفن التجارية، ممّا استرعى انتباه مكتب الكائنات الشاذة، فأرسل محقّقيه وخلص إلى الاستنتاج الأوّلي بوجود كائن شاذ من الدرجة الثالثة من فصيلة الأسماك.
وعلى الرغم من أن الكائنات الشاذة المنتشرة في شتّى أرجاء البلاد لم تكن بالعدد الكبير بعد، إلا أن عناصر المكتب كانوا هم الأقلّ.
كان المكتب يضمّ ما يزيد على مئتي شخص، لكنّ أغلبهم كانوا في طور التدريب ولا يزالون، أما القادرون على ميدان المهمّات فكانوا قِلّةً نادرة.
وقد مضى يومان على طرح المهمّة دون أن يجرؤ أحدٌ على قبولها؛ فكلٌّ رآها بعيدةً عن قدرته وإن طمعت فيها عيناه.
وما إن عاد فو يه من رحلته حتى استدعى رفاقه الذين صعدوا معه إلى جبل وو تشي، وقبلوا المهمّة بلا تردّد.
أطلق موظّف قسم المهمّات زفرةً من الارتياح؛ فقد أزاحوا عن كاهله همّاً ثقيلاً.
لم يكن بدٌّ من الإسراع؛ فسفينة سياحية فاخرة كانت على وشك المرور بالمنطقة البحرية M، وعلى متنها عددٌ من كبار المسؤولين، ولا يجوز أن يحدث لها أيّ مكروه.
══════════════════════════════════════════════
💬 المناقشة