الفصل 94

الفصل الرابع والتسعون
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

بعد أن تأكّد مراراً وتكراراً من أنها لن تؤذي نفسها وأن الحشرة لن تعضّها، غادر لو بي تشن وقلبه مثقلٌ بالقلق.

في اليوم التالي، كان على شياو تشا أن تذهب إلى المدرسة، فاستيقظت باكراً واحتضنت كوب الحليب وأخذت ترتشفه.

قالت الخادمة: “يا آنسة، هذه بيض الشاي.”

حين قُدِّمت أمامها بيضات الشاي ذات اللون البُنّي الداكن المتشقّق، أضاءت عيناها على الفور كما هو دأبها دائماً.

أمام الطعام، لم تكن عيناها تُخفق في الإضاءة قطّ، وقد اعتاد الجميع على ذلك، غير أن منظرها هذا كان يُلين القلوب في كلّ مرة.

لا حيلة لهم في ذلك؛ فالفتاة الصغيرة كانت من الجمال والرقّة والدلال بمكانٍ يجعل الجميع يتنافسون يومياً على إطعامها شيئاً ما.

كان لو بي تشن قد استيقظ مبكراً هو الآخر، ونزل من الطابق العلوي بزيّه المدرسي حاملاً حقيبته بيدٍ واحدة.

قال: “بيض الشاي اليوم؟”

وكانت شياو تشا قد أخذت تقشّر البيضة على عجل فوق بخارها المتصاعد، والبيض المسلوق يكسوه نمطٌ جميل من الشقوق البُنّية اللون، بهيّ المنظر زكيّ الرائحة.

عضّت في واحدة عضّةً التهمت نصفها دفعةً واحدة، فاستدارت شفتاها وعيناها استدارةً واحدة من النعمة.

وحين نزل لو بي فنغ من الطابق العلوي، وجد أخته الصغيرة تجلس على كرسيّها، بيضاء البشرة ناعمة القوام، تأكل وعيناها تبرقان ببريقٍ يشبه حشد نجوم لامعة في الليل.

والسعادة الغامرة على وجهها الرقيق النقيّ كانت تُشحذ الشهية وتُسرّ الناظر.

قالت: “الأخ الرابع!”

ما إن رأته حتى لوّحت له بيدها وهي تمضغ بفرح.

لم يُفاجأ لو بي تشن حين رآه يستيقظ في هذه الساعة المبكّرة؛ فلو بي فنغ كان طالباً في الكلية العسكرية، وسواءٌ أكان في الكلية أم في معسكر التدريب، فالجدول المنضبط صارمٌ لا يلين، وهذه العادة قد تغلغلت في عظامه حتى لا يستطيع التخلي عنها حتى وهو مصاب.

قال لو بي فنغ: “هذا وقت مبكّر.”

وسحب كرسياً وجلس، وكان على النقيض من فو يه الصاخب الطليق؛ فقامته كانت منتصبةً كالصنوبر العتيق، رصينٌ متماسك ذو شخصية قوية.

ولأنه كان مصاباً، لم يكن يأكل إلا العصيدة، غير أن عصيدة بيت لو كانت تُعدّ بأشكال متنوعة وطرق مختلفة، وكانت رائحتها الزكيّة تشدّ انتباه شياو تشا وتُثير شهيّتها.

قال لو بي فنغ وابتسامةٌ خفيّة ترتسم في زوايا عينيه وعلى شفتيه، مما أضفى حيويةً على ملامحه المحفورة الحادة: “أتريدين أن تأكلي؟”

شابٌّ طموح في ريعان شبابه، يبدو كجنرال فتيٍّ من بيتٍ عريق في أزمنة غابرة، تفيض منه الروح والإقدام وإباءٌ لا يُكسر.

لم تتردّد شياو تشا لحظةً واحدة، بل أومأت برأسها إيماءةً سريعة.

قال: “تعالي.”

وأشار إليها بإصبعه، فحرّكت كرسيّها نحوه حتى اقتربت منه أكثر.

أخذ الشاب ملعقةً من العصيدة، ونفخ فيها قليلاً لتبرد، ثم قدّمها إليها مباشرةً، فتحت شياو تشا فمها بطاعة وقبلت الإطعام من يد أخيها، ملعقةً بعد ملعقة، حتى أطعمها أكثر من نصف القصعة ولم يأكل منها هو شيئاً يُذكر.

وبدا أن إطعامها أمرٌ يجلب له الرضا ولا يريد له أن ينتهي.

أما لو بي تشن المجاور فكان يرمقهما بنظرات متشوّقة، فقشّر بيضة شاي وانضمّ هو الآخر إلى حفلة إطعام أخته الصغيرة.

وحين أدركت شياو تشا أنها كادت تفرغ قصعة أخيها الرابع بأكملها، انكمشت خجلاً وانقبضت رقبتها في ارتباك خفيف.

قالت: “أخي، كُل أنت.”

فثمة الكثير من الأكل أمامها أيضاً.

أمر الخادم بإحضار قصعة عصيدة جديدة للو بي فنغ.

وأتمّت شياو تشا وجبتها بتجشؤة صغيرة دلّت على الشبع والرضا، وكان الصباح غارقاً في السعادة كما هو دأبه دائماً.

وبعد أن تمرّن أفراد العائلة على الحركات الرياضية صباحاً، ذهب كلٌّ منهم في طريقه؛ من كان يعمل ذهب إلى عمله، ومن كان يتعلم ذهب إلى مدرسته.

قالت شياو تشا: “هل نمشي إلى المدرسة؟”

كانوا قد استيقظوا مبكراً بما يكفي؛ فلو مشوا وصلوا في الوقت المناسب تماماً.

أومأت شياو تشا ثم قالت: “أخي، دعنا نركض!”

ابتسم لو بي تشن: “حسناً، لنر أيّنا يصل أوّلاً.”

وما إن فرغ من كلامه حتى ولّيا الأدبار بحقيبتيهما على الظهرين، يعدوان في شوارع الصباح. كان هذا النوع من التصرّف بعيداً كلّ البُعد عن طبيعة لو بي تشن في الماضي، لكن “وارمة” الصغيرة قد جعلته يستعيد شيئاً من المرح والطيش الشبابيّ الذي لم يعرفه من قبل.

مع اقتراب الامتحانات الشهرية، كانت أجواء المدرسة تعجّ بالحيوية الدراسية، والجميع يراجع الكتب ويحلّ المسائل، فيما كانت شياو تشا لا تزال في مرحلة تعلّم الكتابة. وكانت قد تقبّلت الأمر بنفسٍ رحيبة عجيبة، وأعدّت نفسها لاحتمال الحصول على الصفر مرةً أخرى.

والمعلمون يُصابون بالصداع كلّما أمعنوا التفكير في أمرها.

غير أنهم لم يكن في وسعهم فعل شيء؛ فقد اتصل أهلها بالمدرسة وأوضحوا أنهم يرسلون الفتاة لتستنشق أجواء التعلّم وتتشرّبها، أما النتائج الدراسية فليست من اهتماماتهم.

وثمة أمرٌ جدير بالذكر: عاد لياو تشانغ يي من المستشفى، وبعد أن تلقّى علقةً ساخنة وتسبّب في طرد عمّه من المدرسة، لم يُراجع نفسه ولم يتّعظ، بل ازداد حقداً على عائلة لو.

وفي أول يوم يعود فيه إلى المدرسة، جاء يبحث عن مشكلة مع لو بي تشن.

صاح: “لو بي تشن، اخرج إليّ!”

بنبرةٍ غليظة متعجرفة كما كانت دائماً، فتحوّلت أنظار جميع طلاب الصف نحوه دفعةً واحدة، بما فيهم شياو تشا.

وحين التقت عيناه بعينَي شياو تشا اللتين اتّسمتا بنقاء حادّ وبريق لافت، تراجع لياو تشانغ يي خطوتين، ثم استيقظ في نفسه الغيظ والخجل، فأخرج أشرس ما في نفسه من لغة ليُعبّر عنها بأجبن ما في كلامه.

صاح: “إن كنت رجلاً حقيقياً فاخرج وحدك، أما أن تختبئ وراء أختك فهذا ليس بطولة!”

“بُفف…”

كان الجوّ جاداً مشحوناً، فإذا بهذه الجملة تُسقط الحواجز وتنفجر منها الضحكات في كلّ مكان.

صاح غاضباً: “ما الذي يضحككم؟! أنا أسألك إن كنت تجرؤ على مواجهتي!”

كان العار الذي ألحقته عائلة لو بعائلة لياو ثقيلاً لا يُحتمل، وعليه استرداد ماء الوجه!

نظر إليه لو بي تشن نظرة من يرى أبلهاً وقال ببرود: “ابتعد.”

اشتعل لياو تشانغ يي غيظاً وكاد يُفلت لسانه بشتيمة، غير أن عينيه وقعتا على شياو تشا الجالسة بجانب لو بي تشن بلا مبالاة، وكانت إبهامها تُحرّك قلم الحبر في يدها، وفجأةً انكسر القلم نصفين.

وكان في عينيها الواضحتين النقيّتين برودةٌ تقشعرّ لها الأبدان.

انقبضت حدقتا لياو تشانغ يي، فألقى كلمة “انتظر خارج البوابة بعد انتهاء الدوام” وولّى مع أتباعه هاربين في خزيٍ وحال.

التفت لو بي تشن فوجد شياو تشا ترفع القلم المكسور بيديها وتتضرّع بوجهٍ بائس: “أخي، انكسر قلمي، هل يمكنني ألا أكتب اليوم؟”

نظر إليها لو بي تشن في صمت، ثم مدّ يده إلى حقيبته وأخرج منها مجموعةً كاملة من الأقلام.

قال: “تفضّلي، اختاري واحداً.”

نظرت شياو تشا إلى الأقلام في صمتٍ خانع، ثم اختارت واحداً وانكبّت على الطاولة تتدرّب على الكتابة وشيءٌ من الاستياء يعلو وجهها.

وحين حلّ وقت الغداء وكانت تعتزم الجري بأخيها صوب المطعم، ظهر فو يه فجأةً عند بوابة المدرسة، فاندفعت نحوه بكلّ قوّة حتى اصطدم رأسها بضلوعه وكاد يُفقده توازنه.

قال فو يه وهو يكتم سعلةً: “لماذا تجرين بهذه القوة؟”

وكان وجهه الوسيم يبدو متشنّجاً وهو يُمسك بجانبه بيدٍ واحدة ويستنشق بألم.

أما لو بي تشن فلم يُخفِ شماتته وأطلق ضحكةً خفيفة.

واندفعت شياو تشا بدافع من اندهاشها محاولةً إبعاده.

قالت: “تنحَّ! أريد أن آكل!”

وضع فو يه يده على رأسها: “لماذا كلّ هذا التسرّع؟ انظري ماذا أحضرت لكِ.”

وأشار بيده إلى سلّة الطعام الثقيلة.

أزاح لو بي تشن يده عن رأس أخته باشتعالٍ واضح على وجهه: “ما الذي جاء بك؟”

لم يُقابله بوجهٍ طيّب.

لم يحتج فو يه إلى أن يُجيب؛ فقد رفعت شياو تشا أنفها الصغير، وفي اللحظة التالية أضاءت عيناها وضمّت السلّة بذراعيها بإحكام.

قالت بانبهار: “أكل!”

وانتهى كلّ تمرّدٍ وجاء الرضا على الفور.

ابتسم فو يه استفزازياً ناحية لو بي تشن.

أمّا لو بي تشن فكان يعضّ على أسنانه، فلمّا رأى أن انتباه أخته قد انصبّ كلّه على الطعام، تقدّم نحو فو يه بهدوء.

نظر فو يه إليه مستفسراً.

وفي اللحظة التالية أطلق صرخةً وهو يُمسك بعته بيده.

صاح: “فو يه لكمتني!”

ارتاع فو يه.

واللعنة، هذا ضربٌ من الخلف بلا شرف!

وفي اللحظة نفسها أحسّ بوجعٍ في قدمه، وتحوّل وجهه الذي كان مرتسماً عليه الانتصار إلى تعبيرٍ من الألم الصارخ.

🎉

انتهى الفصل 94

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
الفصول
101 الفصل 101 100 الفصل 100 99 الفصل 99 98 الفصل 98 97 الفصل 97 96 الفصل 96 95 الفصل 95 94 الفصل 94 93 الفصل 93 92 الفصل 92 91 الفصل 91 90 الفصل 90 89 الفصل 89 88 الفصل 88 87 الفصل 87 86 الفصل 86 85 الفصل 85 84 الفصل 84 83 الفصل 83 82 الفصل 82 81 الفصل 81 80 الفصل 80 79 الفصل 79 78 الفصل 78 77 الفصل 77 76 الفصل 76 75 الفصل 75 74 الفصل 74 73 الفصل 73 72 الفصل 72 71 الفصل 71 70 الفصل 70 69 الفصل 69 68 الفصل 68 67 الفصل 67 66 الفصل 66 65 الفصل 65 64 الفصل 64 63 الفصل 63 62 الفصل 62 61 الفصل 61 60 الفصل 60 59 الفصل 59 58 الفصل 58 57 الفصل 57 56 الفصل 56 55 الفصل 55 54 الفصل 54 53 الفصل 53 52 الفصل 52 51 الفصل 51 50 الفصل 50 49 الفصل 49 48 الفصل 48 47 الفصل 47 46 الفصل 46 45 الفصل 45 44 الفصل 44 43 الفصل 43 42 الفصل 42 41 الفصل 41 40 الفصل 40 39 الفصل 39 38 الفصل 38 37 الفصل 37 36 الفصل 36 35 الفصل 35 34 الفصل 34 33 الفصل 33 32 الفصل 32 31 الفصل 31 30 الفصل 30 29 الفصل 29 28 الفصل 28 27 الفصل 27 26 الفصل 26 25 الفصل 25 24 الفصل 24 23 الفصل 23 22 الفصل 22 21 الفصل 21 20 الفصل 20 19 الفصل 19 18 الفصل 18 17 الفصل 17 16 الفصل 16 15 الفصل 15 14 الفصل 14 13 الفصل 13 12 الفصل 12 11 الفصل 11 10 الفصل 10 9 الفصل 9 8 الفصل 8 7 الفصل 7 6 الفصل 6 5 الفصل 5 4 الفصل 4 3 الفصل 3 2 الفصل 2 1 الفصل 1
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك