الفصل 8
عندما سمع «لو بيتشين» اسمه يُنادى، ورأى «لو شياوتشا» تنظر إليه، احمرّت أذناه في الحال وقال مدافعاً عن نفسه: «أنا… أنا لم أفعل!»
كان رده المرتفع والمندفع أشبه بوجه من يحاول التغطية على شعوره بالذنب والارتباك.
ومع ذلك، سرعان ما هبطت معنوياته، وضم شفتيه وهو يبدو وحيداً وشارد الذهن بعض الشيء:
«لماذا لم تخبراني بهذه الأمور من قبل قط؟»
لم يكن يعلم أبداً أن والديه قد مرا بكل هذه المعاناة والآلام المروعة في ذلك الوقت.
امتدت يد ووضعت على رأسه لتبعثر شعره بلطف، مما جعل وجه «لو بيتشين» يزداد أحمراراً:
«لماذا يتوجب على طفل صغيرا أن يعلم بكل هذا القدر من الأسى؟»
فضلاً عن ذلك، كانت تلك الفترة بمثابة ألم وجرح أبدي لها وللأخ “تشان”؛ فمن ذا الذي يرغب في فتح جراحه بنفسه في كل مناسبة؟
علاوة على ذلك، لم يرغبا في أن يحمل ابنهما هموماً وأعباءً ثقيلة في مثل هذا السن المبكرة.
أراد «لو بيتشين» الاحتجاج بأنه لم يعد طفلاً، لكنه في أعين والديه سيبقى دائماً طفلهما الصغير.
نظرت «بي أنران» إلى «لو شياوتشا» بنظرات ملؤها الحنان والرفق، وسألت بحذر شديد ورجاء:
«شياوتشا، هل يمكنكِ… هل يمكنكِ مغادرة هذا المكان والعودة معنا إلى المنزل؟»
لم تطلب من «لو شياوتشا» أن تسامحهما فوراً، ولم تجبرها على مناداتها بـ “أمي”؛ فقد فكرت «بي أنران» في أن طالما أن «شياوتشا» موافقة على العودة معهما، فهذا يكفي تماماً. أما باقي الأمور فيمكن أخذها خطوة بخطوة وبمهل.
نظر إليها «لو بيتشين» هو الآخر بترقب.
هزت «لو شياوتشا» رأسها بجرأة وحسم، وعلت ابتسامة خفيفة وجهها الوديع والمطيع: «حسناً، يا أمي.»
كان صوتها الطفولي الصافي كشدو بلبل غرد في الصباح، يطرب الآذان بشكل لا يُوصف.
وعند سماع كلمة “أمي”، وقفت «بي أنران» من شدة الانفعال في اللحظة نفسها تقريباً! بدت غير مصدقة لما سمعته، وارتجف صوتها بخفة وهي تتكلم:
«أنتِ… ماذا ناديتني للتو؟ كلا، انتظري، شياوتشا، هل يمكنكِ مناداتي بذلك مجدداً؟ لمرة واحدة فقط!»
نظرت «بي أنران» إلى ابنتها بتوق وترقب، وأصبح تنفسها متسارعاً وضحلاً.
كانت «لو شياوتشا» شخصية حاسمة للغاية؛ لم تكن تملك الكثير من الأفكار المعقدة، بل تفعل ببساطة ما تشعر برغبة في فعله.
لقد انطبع لديها انطباع جود ومحبة تجاه هذه المرأة بالفعل، وشعرت بألفة غامضة ورغبة في الاقتراب منها.
وبعد أن عرفت الحقيقة حول كيفية ضياع صاحبة الجسد الأصلية وصيرورتها يتيمة، اتبعت «لو شياوتشا» قلبها ونادتها بـ “أمي” دون أي ثقل أو عبء نفسي.
لم تكن تعلم لماذا أصبحت «لو شياوتشا» في هذا العالم، لكنها كانت تعلم أن مأساة حياة «لو شياوتشا» لم تكن بسبب زوجي عائلة «لو»؛ بل على العكس، كانا هما الضحيتين.
لم تكن قط من النوع الذي يظلم نفسه أو يكبت مشاعره؛ بل تفعل كل ما يحلو لها. وعلى سبيل المثال، الآن بعد أن جاء أفراد عائلة «لو» لأجلها، حسمت أمرها بناءً على أمرين اثنين فقط بعد سماع التوضيح:
أولاً: هل ما قالته هذه المرأة حقيقي؟
ثانياً: هل ترغب في الذهاب إلى منزل عائلة «لو»؟
بالنسبة للأول، شعرت أن المرأة لم تكن تكذب. أما إجابة الثاني، فهي أن تتوق وتود الذهاب إلى منزل عائلة «لو».
لقد أحبت هذه المرأة. وفي عالم نهاية العالم (الأبوكاليبس)، كانت هي أيضاً يتيمة، وكانت تحسد خفيةً أطفال القاعدة الذين يحظون بالحماية والرعاية من والديهم.
وعندما رأت الانحياز المطلق والدفاع المستميت من «بي أنران» وهي تضرب أولئك البلطجية لأجلها، شعرت فجأة أن هذا الشعور — الشعور بالحظوة بحماية الأم — قد يكون رائعة وممتعة حقاً.
«أمي.»
نادت «لو شياوتشا» دون أدنى تصنع أو تردد، وانحنت عيناها كبهلالين بعفوية وبراءة فتاة صغيرة، تتألق بنقاء ونظافة تامة.
في نهاية العالم، تعلمت كيف تبقى على قيد الحياة، وكان معظم احتكاكها بالزومبي عديمي العقول وبعض كبار السن الوحيدين. وحين فارقت الحياة، كانت مجرد فتاة في الثامنة عشرة من عمرها.
لذا، ورغم أنها عاشت حياة كاملة من قبل، إلا أن «لو شياوتشا» كانت لا تزال تحمل أفكاراً بسيطة ونقية. وحتى لو تراجع عمرها الآن، لم تشعر بأي غربة أو عدم ملاءمة على الإطلاق.
فوق ذلك، ولسبب ما، كانت «لو شياوتشا» السابقة مطابقة لها تقريباً في الشخصية وبعض العادات الصغيرة. ورغم أنها لم تكن تتكلم وكانت شاردة الذهن بسبب انغلاقها وتأخرها العقلي، إلا أن تلك «لو شياوتشا» كانت تحب أيضاً تخزين الطعام تحت سريرها، تماماً كالهامستر الذي يجمع الحبوب!
وبعد استيقاظها هنا، لم تختلف جميع تصرفاتها عن تصرفات «لو شياوتشا» الأصلية؛ كل ما في الأمر أنها استفاقت من حالتها وتستطيع الآن الكلام والتفاعل مع الناس، بينما بقيت عاداتها الصغيرة كما هي تماماً.
ولهذا، لم يشك أحد في دار الأيتام في هويتها؛ ليس لأنها كانت بارعة في التظاهر، بل لأنها كانت تتصرف بـ طبيعتها وحقيقتها تماماً!
بعد أن هدأت مشاعر «بي أنران» في الغرفة وعيناها محمرتان، دفعت مديرة الدار الباب ودخلت، ثم سلمتها قطعة صغيرة جداً من الملابس:
«هذه هي الملابس التي كانت ترتديها عندما وجدتُ شياوتشا.»
أخذت «بي أنران» الملابس، وتتبعت أصابعها حرف “تشا” المطرز على الياقة. وحين قلبت الياقة، رأت حرف “لو” مطرزاً على الجهة المقابلة لحرف “تشا”.
كان هذا تطريزاً مزدوج الوجه، وكان نوع القماش وخيوط التطريز المستخدمة ذات جودة عالية ونعومة فائقة، لضمان ألا يتعرض بشرة الرضيع الناعمة لأي أذى.
«هذه هي…»
نظرت «بي أنران» إليها، وسقطت دمعة منها على قطعة القماش.
المرأة التي بدت بمظهر القوة والشراسة قبل قليل، كانت الآن تبكي بدموع دافئة.
الأم صلبة كالفولاذ، لكن الأم أيضاً رقيقة كالحرير.
«لا تبكي.»
مسحت يدان صغيرتان وناعمتان دموعها. واستنشقت «بي أنران» رائحة برتقال زكية وقوية؛ فقد كانت ابنتها قد أكلت واحدة للتو.
«سأحميكِ من الآن فصاعداً!»
تحدثت «لو شياوتشا» بجدية متناهية. ابتسمت «بي أنران» من خلال دموعها وضمت ابنتها إلى صدرها، محتضنة إياها بقوة:
«من الآن فصاعداً، أنا وأبوكِ وإخوتكِ الكبار سنحميكِ ونرعاكِ جيداً.»
لم تعترض «لو شياوتشا» على ذلك.
بعد تسوية كل شيء، كان على «لو شياوتشا» المغادرة مع أفراد عائلة «لو» اليوم. حركت الباب وخرجت من الغرفة، لترى رجلاً فارع القامة وبارد الملامح يقف بالخارج.
كان يعطي الغرباء شعوراً بالهيبة القاطعة والضغط الطاغي، لكن بالنسبة لعائلته، كان يمنح شعوراً عميقاً بالطمأنينة والأمان.
مدّ «لو تشان» كفه، ووضعت «بي أنران» يدها في يده بطبيعية متناغمة.
تلينت عينا «لو تشان» الباردتان في اللحظة نفسها. وحين نظر إلى الفتاة الصغيرة الواقفة بجوار زوجته — التي تبدو نسخة طبق الأصل عن ابنه الأصغر ولكنها تبدو مفرطة في التهذيب والرقة — ذاب قلبه، ورغم ذلك لم تتغير تعابير وجهه كثيراً.
«أبي.»
رفعت «لو شياوتشا» رأسها ونادته بـ “أبي” بصوت ناعم ورقيق.
انقبضت حدقتا «لو تشان»، وتلالأت فيهما موجة من الحماس والإثارة المكتومة. وانحنت زاويتا فمه بخفة إلى… انحناءة غير متناسقة وغير مألوفة!
كان يود الابتسام، لكن وجهه الذي ظل خالياً من التعابير لسنوات طوال، بدا حين ابتسم فجأة ليس مجرد غريب ومضحك، بل مخيفاً بشدة وكأنه يهدد أحداً أو يستفزه!
وحين رأى «لو بيتشين» ابتسامة والده، ذُهل لدرجة أنه كاد يختنق بأنفاسه!
وضعت «بي أنران» يدها على جبهتها وقلبت عينيها: «الأخ تشان، أنت تبدو رائعاً عندما تبتسم، لكن فلنمتنع عن فعل ذلك مجدداً في المستقبل!»
فابتسامته تلك قد ترعب الأطفال وتطردهم بعيداً!
لو تشان: «…»
تصلب جسده بالكامل لبرهة قبل أن يعود بسرعة إلى حالته الخالية من التعابير، وينظر إلى «لو شياوتشا» بشيء من الإحباط والتوتر الخفيف…
ألم يرعبها للتو، أليس كذلك؟
لحسن الحظ، كانت «لو شياوتشا» شجاعة للغاية ولن تخاف من مثل هذه الابتسامة المروعة بعض الشيء!

💬 المناقشة