الفصل 3

غير أن هذا الهدوء المفرط لم يدم طويلاً؛ إذ عاد الشاب ذو الشعر الأحمر إلى إثارة الشغب مجدداً، صاخباً من شدة الألم ومطالباً بـ”تأديب” «لو شياوتشا».

أما أصدقاؤه المصلحيّون فقد أفاقوا بعض الشيء من سكرتهم إثر المشهد السابق؛ ولم يجرؤوا على افتعال المشاكل بعدما أدركوا أن الشاب القادم ليس ممن يمكن العبث معهم.

«ما الذي يحدث هنا؟»
أجبر «لو بيتشين» نفسه على إبعاد نظره عن الفتاة.

«يا سيدي الشاب، الأمر كالتالي…»
سارع المشرف بسرد الوقائع، وكان على دراية بظروف عائلة «أ-يوي»، وبما أنه أحد موظفيه، فقد أمال روايته بذكاء لصالح «أ-يوي».

والأهم من ذلك كله، كان يعلم أن سيده الشاب ينحدر من خلفية نفوذ مرعبة، ولا يخشى إغضاب هؤلاء الشباب من أبناء الطبقة المثرية.

«هراء!»
قبض ذو الشعر الأحمر على وجهه المصاب وهو يرمق المشرف بنظرات حاقدة كأنه يريد التهامه حياً:
«إنه هُو من ثَبَّب بضربي! هل يثتطيع دفع ثمن الثياب التي أرتديها؟ أقول لكم، هذا الأمر لن ينتهي هنا! لثتُ أطالب بالتعويض فحثب، بل ثأقيم دعوى قضائية ضد تلك الفتاة لأنها ضربتني!»

كان منظر الدماء على صدره يبدو مخيفاً بعض الشيء. حدج ذو الشعر الأحمر «لو شياوتشا» بنظرات ملؤها النقمة والغيظ المتأجج:
«ومن تكون أنت بحق الثماء؟!»
كانت عبارته الأخيرة موجهةً ونكراء نحو «لو بيتشين».

وقبل أن يتمكن «لو بيتشين» من النطق، قال شاب آخر كان يقف إلى جواره براحة وتمهل:
«أقول يا “وانغ رون”، هل أذهبت تلك الكؤوس عقلك تماماً؟»

عندما رأى «وانغ رون» المتحدث، انتفض مذعوراً لدرجة أنه شهق شهقة جافة!

ورغم أن جميع الحاضرين هنا ينتمون إلى الجيل الثاني من الأثرياء، إلا أن هذه الأوساط الطبقية لها درجات ومستويات. «وانغ رون» وزمرته لم يكونوا سوى طغاة صغار يتصرفون بطيش لمجرد امتلاك عائلاتهم لبعض الأموال، لكن عائلاتهم لا تُذكر إطلاقاً عند مقارنتها بالسلالات والنيبلاء الحقيقيين.

أما أمثال «لو بيتشين» ورفاقه، فهم الذين يحتلون قمة المجتمع المخملي بحق.

لم يكن «وانغ رون» يعرف «لو بيتشين» لأنه لم يكن رفيع المستوى بما يكفي؛ وحتى لو بذل أقصى جهده، لن يستطيع التسلل إلى تلك الدائرة المغلقة.

ولكنه رأى «غو شياو»، الشاب الواقف بجوار الفتى. لم يكن بمقدوره إغضاب «غو شياو»، وبما أن هذا الشاب يبدو قائداً للجمع، فإن مكانته بلا شك أكثر شموخاً وبعداً عن المنال.

ارتعش «وانغ رون» وكأن ماءً بارداً أُريق عليه، وتبدد ما تبقى في رأسه من ثمالة في لحظة.
تمتم بكلمات غير مفهومة ولم يجرؤ على فتح فمه مجدداً.

سخر «لو بيتشين» ببرود: «تثيرون الشغب في أرض أخي… بدءاً من الآن، يُحظر على هؤلاء الأشخاص دخول أي منشأة ترفيهية تابعة لـ “نايت سايد” (Night Color).»

رفع «وانغ رون» والآخرون رؤوسهم بفزع، وعيونهم طافحة بالرعب.

الجميع في العاصمة العلياء يعلمون أن “نايت سايد”، سواء كانت نوادي أو حانات، هي ملك للابن الثاني لعائلة «لو». وعائلة «لو» هي العائلة الأولى بلا منازع والأكثر ثراءً في المدينة بأكملها.

علاوة على ذلك، كان أفراد عائلة «لو» إما عباقرة أفذاذ وإما مجانين قساة! حتى إن هناك مقولة متداولة في الأوساط: “أن تستفز ملك الموت أهون من أن تجرؤ على إغضاب فرد من عائلة لو.”

لقد قال الشاب للتو إن “نايت سايد” ملك لأخيه… ولهذا السبب تحديداً تملك الرعب الهائل «وانغ رون» ورفاقه!

إن إدراجهم في القائمة السوداء لـ “نايت سايد” يعني أن عائلاتهم ستفقد أي فرصة للتواصل مع الطبقة المخملية بمجرد انتشارات الخبر. وحين يعودون إلى منازلهم، ستسحقهم عائلاتهم ضرباً!

وسرعان ما أُخرجوا “بمرافقة” رجال الأمن ليُدرجوا في القائمة السوداء لجميع فروع “نايت سايد”.

ورغم أن «لو بيتشين» لم يكن سوى في الثالثة عشرة من عمره، إلا أنه كان يحمل هيبة نبيلة ويتعامل مع الأمور بحزم وتنظيم. أثنى العديد من المتفرجين عليه في سرهم، وإن كانوا يسفون لأنه ليس ابنهم.

«أعطِ ذلك الموظف تعويضاً إضافياً.»
تنفس المشرف الصعداء وهز رأسه بسرعة موافقاً.

نظر «أ-يوي» إلى الشاب بامتنان: «شكراً لك، يا سيدي الشاب.»

أما «لو شياوتشا»، فتصرفت وكأن شيئاً لم يكن، وأخذت تقضم حبة عناب خضراء بتمهل. كانت تحدق في المشروبات المنسكبة على الأرض، متجاهلة النظرات المتكررة من مجموعة «لو بيتشين».

وبفضل إدراكها العالي، لاحظت بالطبع النظرات المتفاجئة والمعقدة الموجهة إليها، لكنها لم تكلف نفسها عناء الرد.

وظلت كذلك إلى أن دخل حذاء رياضي ناصع البياض حقل رؤيتها، حينها رفعت «لو شياوتشا» رأسها. التقت عينها الصافيتان بعيني الشاب الذي يفوقها طولاً برأس كامل، لكنه يملك وجهاً مطابقاً لوجهها تماماً!

«قرش… قرش… قرش…»
واصلت «لو شياوتشا» قضَم العناب الأخضر، ونظرت إليه بتساؤل وكأنها تسأله عما يريد.

أما «أ-يوي» الواقف بجوارها فقد تزايد توتره، وأراد الحديث لكنه لم يدرِ ما يقول، فيما احمرّ وجهه الشاحب قليلاً.

«من… تكونين؟»
أخيراً، كان «لو بيتشين» أول من كسر الصمت. سأل وهو يرفع ذقنه بكبرياء خفيف، رغم أنه كان يشعر بتوتر غير مفهوم في داخله.

«لو شياوتشا.»
بعد أن أنهت حبة العناب أخيراً، أمسكت بـالنواة النظيفة في يدها وأعطته اسمها بأسلوب عابر وجاف.

«ثم… أليس لديكِ شيء آخر لتقولينه؟»
شعر «لو بيتشين» بغبن مفاجئ! ما الخطب مع هذه الفتاة؟ هل هو أقل جاذبية من حبة عناب خضراء؟!

وكان الجواب بديهياً: في عيني «لو شياوتشا»، لا شيء يعلو على الطعام!

نظرت إليه «لو شياوتشا» بحيرة: «ما الذي يفترض بي قوله؟»

بعد ثلاث ثوانٍ، ارتسمت على وجهها تعابير “آه، لقد فهمت!”. ازداد توتر «لو بيتشين»، ظاناً أنها أدركت المغزى أخيراً.

قَطّعت «لو شياوتشا» عينها وهي تنظر إليه بتهيب: «أنت لن تطالبني بدفع الفاتورة الطبية لذلك الشاب ذي الشعر الأحمر، أليس كذلك؟»

وبعد أن قالت ذلك، حذرت «لو بيتشين» ورفضت بقطعية: «أنا لا أملك المال! هو من استحق تلك الصفعة، وأنا لم أستخدم سوى قدر ضئيل جداً من قوتي! من كان يعلم أنه هشة وضغيف إلى هذا الحد؟»

وعندما ذكرت “قدر ضئيل جداً من قوتي”، أشارت بإصبعيها موضحة الفجوة الضئيلة بين إبهامها والسبابة!

لو بيتشين: «…»
الجميع: «…»

حتى شباب الطبقة المخملية المرافقون لـ «لو بيتشين» اختلجت شفاههم. هل هناك خطب ما في عقليتها؟ لم يسألكِ أحد عن ذلك أساساً!

جشّ «لو بيتشين» على أسنانه، غير قادر على الاحتمال أكثر: «ألم تلاحظي كيف نبدو؟»

أصدرت «لو شياوتشا» صوتاً غير مبالٍ: «أوه، تقصد ذلك؟ لقد لاحظت. نحن نبدو متطابقين تماماً.»

لو بيتشين: «إذن أنتِ…»
لو شياوتشا: «إنها مجرد مصادفة حتماً. ولا تربطنا أي صلة بالتأكيد.»

لو بيتشين: «…»
لماذا يشعر بغبن وقهر شديدين هكذا؟!

إلى جانبه، لم يستطع «غو شياو» حبس ضحكته أمام تعابير صديقه المفضل المحبطة والمقهورة.
هاه… هذا أمر نادر بحق! طالما كان «لو بيتشين» هو من يذيق الآخرين القهر والمذلة، والآن جاء من يفعل ذلك به! إنه لمن دواعي العجب حقاً.

«أ-يوي، هل انتهت مناوبتك؟» كفّت «لو شياوتشا» عن النظر إلى «لو بيتشين» واستدارت تسأل «أ-يوي».

هز «أ-يوي» رأسه بشرود، ثم سحبته الفتاة من يده.
«إن انتهت مناوبتك، فلنذهب. أرغب في العودة إلى المنزل.»

وغادرت هكذا بكل بساطة، دون أدنى تردد أو التفات!

ولأول مرة في حياته المفعمة بالكبرياء، شعر «لو بيتشين» بصدمة وذهول! سأل بعدم تصدق: «ألا تعرف من أكون؟!»

وافق الآخرون في سرهم… أجل، حتى لو لم تكن تعرف هويته، كان ينبغي لها أن ترى أنه ثري وذو نفوذ وسلطان! كيف يمكنها السير والابتعاد بكل هذه اللامبالاة؟!

لو كان أي شخص آخر مكانها، للتعلق به حتى لو لم تكن هناك أي صلة قرابة!

فضلاً عن ذلك، بوجود وجهين يبدوان وكأنهما قد قُدا من قالب واحد، وحدها الأحمق من يصدق عدم وجود أي صلة بينهما!

تدليل الأشرار مفرط للغاية! - 3

🎉

انتهى الفصل 3

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
الفصول
101 الفصل 101 100 الفصل 100 99 الفصل 99 98 الفصل 98 97 الفصل 97 96 الفصل 96 95 الفصل 95 94 الفصل 94 93 الفصل 93 92 الفصل 92 91 الفصل 91 90 الفصل 90 89 الفصل 89 88 الفصل 88 87 الفصل 87 86 الفصل 86 85 الفصل 85 84 الفصل 84 83 الفصل 83 82 الفصل 82 81 الفصل 81 80 الفصل 80 79 الفصل 79 78 الفصل 78 77 الفصل 77 76 الفصل 76 75 الفصل 75 74 الفصل 74 73 الفصل 73 72 الفصل 72 71 الفصل 71 70 الفصل 70 69 الفصل 69 68 الفصل 68 67 الفصل 67 66 الفصل 66 65 الفصل 65 64 الفصل 64 63 الفصل 63 62 الفصل 62 61 الفصل 61 60 الفصل 60 59 الفصل 59 58 الفصل 58 57 الفصل 57 56 الفصل 56 55 الفصل 55 54 الفصل 54 53 الفصل 53 52 الفصل 52 51 الفصل 51 50 الفصل 50 49 الفصل 49 48 الفصل 48 47 الفصل 47 46 الفصل 46 45 الفصل 45 44 الفصل 44 43 الفصل 43 42 الفصل 42 41 الفصل 41 40 الفصل 40 39 الفصل 39 38 الفصل 38 37 الفصل 37 36 الفصل 36 35 الفصل 35 34 الفصل 34 33 الفصل 33 32 الفصل 32 31 الفصل 31 30 الفصل 30 29 الفصل 29 28 الفصل 28 27 الفصل 27 26 الفصل 26 25 الفصل 25 24 الفصل 24 23 الفصل 23 22 الفصل 22 21 الفصل 21 20 الفصل 20 19 الفصل 19 18 الفصل 18 17 الفصل 17 16 الفصل 16 15 الفصل 15 14 الفصل 14 13 الفصل 13 12 الفصل 12 11 الفصل 11 10 الفصل 10 9 الفصل 9 8 الفصل 8 7 الفصل 7 6 الفصل 6 5 الفصل 5 4 الفصل 4 3 الفصل 3 2 الفصل 2 1 الفصل 1
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك