الفصل 24

هذه الشائعة الفنية التي زلزلت كيان لو يوانتشو لم تكن حقيقتها بالطبع كما زيفتها وسائل الإعلام.

فلم يكن كل من تشو شيو و ألكسندر وغو تشينغهي الوحيدين اللذين ذهبا لتناول العشاء في تلك الليلة، ولكن أنىّ له أن يعلم بالحقيقة كاملة.

لم ينتهِ تصوير دراما “الشيانشيا” التي تشارك فيها تشو شيو بعد، وكانت هي ييهوان تقيم في مدينة “شيتشنغ” للسينما والتلفزيون. وحين سمعت هذه المرة بعودة تشو شيو للتصوير مجددًا بصفتها البطلة الرئيسية، فرحت لأجلها واستغلت فرصة خلو جدولها من المشاهد لتقوم بزيارتها في موقع التصوير. كما كانت تخطط لقضاء الليلة مع تشو شيو ومشاركتها السرير نفسه.

في الأصل، خرجت الصديقتان لتناول وجبة خفيفة في وقت متأخر من الليل، وصادف أن التقتا بـ غو تشينغهي أثناء خروجهما. ولما كانت تجمع هي ييهوان مع غو تشينغهي علاقة صداقة طفيفة، فقد دعته للانضمام إليهما.

وعندما خرج الجميع بعد تناول العشاء، التُقطت صورٌ تجمع تشو شيو و غو تشينغهي فقط، إذ كانت هي ييهوان تُجري مكالمة هاتفية في ذلك الوقت وتتخلف عنهما بضع خطوات، فلم تظهر في كادر الصورة.

ومع استغلال تاريخ غو تشينغهي العاطفي الحافل في الماضي، اقتطعت وسائل الإعلام المشهد من سياقه وافترضت وجود علاقة غرامية تجمع بينهما.

في الواقع، وفي اليوم التالي لاندلاع هذه الشائعة، نشر كل من غو تشينغهي و هي ييهوان توضيحًا عبر حساباتهما على موقع “ويبو”. حيث نشرت هي ييهوان صورة تجمع الثلاثة معًا أثناء العشاء، وأعاد كل من غو تشينغهي و تشو شيو مشاركتها.

ونتيجة لهذا التفاعل الثلاثي، ضج موقع “ويبو” بالحركة لفترة من الوقت، واستغلت تشو شيو هذه الموجه لتكسب زيادة ملحوظة في شعبيتها.

غير أن لو يوانتشو اكتفى بقراءة الصحيفة الورقية، واطلع على الخبر المفبرك دون أن يرى التوضيح المنشور، مما جعله يبدو في غاية العصبية والاندفاع.

ودون تفكير طويل، ألقى بالصحيفة جانباً واتصل بـ تشو شيو.

كانت تشو شيو تطبق مساحيق التجميل عندما تلقت مكالمة لو يوانتشو، فشعرت ببعض الاستغراب. فقد عاد فجأة إلى “نانشنغ” قبل يومين دون أن ينبس ببنت شفة. وتذكرت تشو شيو التفاعل الذي دار بينهما سابقًا، فظنت أنه ربما يكون غاضبًا منها، وإن كانت لا تعلم تحديدًا السبب الذي أثار حنقه، ولم تعد ترغب في معرفته أساسًا. ففي كثير من الأحيان، كانت تشعر أن طباع لو يوانتشو معقدة وصعبة المراس، وأنها في غنى عن تحمل تقلباته.

وسواء غادر لو يوانتشو أم بقى، وسواء نامت معه أم لا، فإن الأمر يشكل عليها ضغطًا كبيرًا. ففي السابق، كانت تظن أن الأمر مجرد اتفاق زواج صوري لا يحتاج إلى تواصل مكثف بينهما، وكان من الأفضل لو عاش كل منهما بشكل مستقل في حياته الخاصة. غير أنها لم تتوقع كل هذه التعقيدات المترتبة على ذلك؛ إذ تحول مجرد مساعدته في تخفيف الصداع والأرق إلى استغلالها وكأنها دواء بشري.

وبدأت تشك في نية العجوز حين منحها الحقيبة المباركة؛ إذ يبدو أنها لم تكن حقيبة حظ، بل كانت حقيبة زواج ربطت مصيرها بـ لو يوانتشو بشكل مباشر بغض النظر عن الأسباب والتفاصيل.

أما بالنسبة لرجل مثل لو يوانتشو، اعتاد الوقوف في الأعالي، فإن أموراً كثيرة لا تستحق الذكر في نظرية، تمامًا كفرص الحب؛ إذ يرى أنه لا داعي لإضاعة الوقت في التفكير بأشياء لا قيمة لها.

والسبب الوحيد لمعاملته الطيبة لها يكمن في قدرتها على مساعدته في التخلص من مرضه وتحقيق مصلحة له، لا أكثر ولا أقل.

ولذلك، فإن الطريقة المثلى للتعامل مع رجل من هذا الطراز هي الحفاظ على العقلانية، وتجنب التعقيدات العاطفية معه، فهذا أمر غير ضروري على الإطلاق.

سألته عبر الهاتف: “ما الأمر؟”

استمعت إلى لو يوانتشو وهو يسألها بنبرة ملؤها الغضب والاتهام: “تشو شيو، ألا تشعرين بالخجل؟ لقد طالبتِني للتو بالولاء للزواج، ثم ذهبتِ في اليوم التالي لتناول العشاء مع رجال آخرين. هل تتصرفين كأنني لا أملك وسيلة إعلام أرى بها، أم تتعاملين معي وكأنني غير مدرك لما حولي؟”

تشو شيو: …

لقد بلغ به الغضب حد إهانة نفسه بنفسه.

وبعد أن أنهى كلامه، أجابت تشو شيو بتمهل: “من أين قرأت هذا الخبر؟ من موقع “ويبو”؟”

ضغط لو يوانتشو على الصحيفة التي بيده وقال: “وهل يغير المصدر من الأمر شيئًا؟”

قالت تشو شيو: “الفارق كبير جدًا. فالخبر ربما نشر البارحة، ولكنه وُضّح على موقع “ويبو” منذ الصباح وانتهت القصة. وأنت تأتي الآن لتستجوبني وكأنك متأخر عن الأحداث. سيد لو، يبدو أن مصادرك الإخبارية بطيئة للغاية!”

لو يوانتشو: …

تابعت تشو شيو دون أن تنتظر رده: “لن أطيل الحديث معك، يجب أن أذهب للتصوير الآن. يمكنك تصفح “ويبو” عندما تفضى، وداعًا.” وقطعت الاتصال مباشرة.

تسمر لو يوانتشو ومسَك الهاتف بذهول لثانيتين قبل أن يفتح تطبيق “ويبو”. وبعد جولة سريعة فيه، أغلق التطبيق وقد احمرت أذناه خجلاً.

ثم ضرب بالطاولة بحرج وانزعاج.

تفاجأ رئيس الخدم ليو الذي كان يمسح الطاولة بالقطعة القماشية، وسأله: “سيدي، ما بك؟”

تنهد لو يوانتشو، وبعد تفكير قال لرئيس الخدم: “عم ليو، أعتقد أن هناك خطأً ما بي هذه الفترة.”

نظر إليه رئيس الخدم ليو وقال: “إلى حد ما.”

نظر إليه لو يوانتشو باستغراب: “أيمكنك ملاحظة ذلك أيضًا؟”

قال ليو: “أنا فقط أكرر ما قلته أنت للتو.”

لو يوانتشو: …

وفجأة، فقد لو يوانتشو رغبته في متابعة الحديث. وشعر بأنه يتذرع بالحديث مع ليو دون فائدة، بل إن ذلك يجعل مزاجه أكثر تعقيدًا وإرباكًا، وهو أمر لم يفهمه هو نفسه حتى الآن.

ولأن ذهنه كان مشغولاً، لم تكن تعابير وجهه أفضل حالاً عندما ذهب إلى العمل في الشركة. وأثناء الاجتماع الدوري، كان المدراء يرفعون تقاريرهم بوجل وخوف.

وبينما كان يستمع، شرد ذهنه مجددًا والتفت بالتفكير إلى تشو شيو. أخرج هاتفه وفتح تطبيق “ويتشات”، فكانت آخر الرسائل بينهما تعود إلى بضعة أيام مضت.

شعر برغبة في كتابة شيء وإرساله إليها، ولكنه كبح نفسه. واستمع للتقرير قليلاً، ثم أخذ يتصفح منشورات الأصدقاء دون هدف، ليلحظ أن تشو شيو قد نشرت تحديثًا جديدًا للتو.

كتبت فيه: “تلك الزهرة الصغيرة على جانب الطريق جميلة جدًا.”
وكانت الصورة لزهرة بيضاء صغيرة أُضيفت إليها بعض التأثيرات الجمالية فبدت فائقة الرقة.

فكر لو يوانتشو قليلاً، ثم علق أسفل الصورة: “لا تقطفي الزهور البرية من على جانب الطريق.”

ويبدو أن تشو شيو كانت تمسك بهاتفها في تلك اللحظة؛ إذ ما إن رأت رسالته حتى شعرت بالذهول، وأجابته فورًا في رسالة خاصة: “وهل أنت زهرة البيت إذن؟”

نظر لو يوانتشو إلى رد تشو شيو المقتضب، وتلون وجهه بحمرة دافئة لم يستطع السيطرة عليها.

وبعد انتهاء العمل في المساء، دعا دونغ دونغجيان لو يوانتشو للخروج ولعب الورق. ولما كان لو يوانتشو يشعر أن العودة إلى البيت ستكون مملة، فقد وافق، لكن دونغ دونغجيان بادر بأسلوبه الساخر قائلاً:

“أخي تشو، أرى أن حالك بعد الزواج لم يختلف كثيرًا عن حالك قبله، ألا تجد هذا يدعو للشفقة؟”

وبسبب هذه الجملة، كاد دونغ دونغجيان أن يلقى حتفه ضربًا على يد لو يوانتشو على طاولة اللعب. وبعد أن خسِر آخر ورقة رهانات لديه، قال دونغ دونغجيان بلا خجل: “لن ألعب مجددًا! أنتم الثلاثة تحاصرونني، وأنا أفقركم هنا، تصرفكم هذا فيه الكثير من اللؤم!”

كان الصديقان الآخران يلعبان مع لو يوانتشو و دونغ دونغجيان باستمرار، وتجمعهم صداقة قوية، فلذا لم يترددا في المزاح القاسي بين بعضهم البعض.

قال أحدهم: “يا دونغجيان، يبدو أنك تعاني مؤخرًا من غياب الصديقات، فبدوت خاوي القوى وسهل الهزيمة!”

وأضاف الآخر مكملاً المزاح: “بالتأكيد، انظر كيف ترتجف يداه وهو يمسك هاتفه.”

ثم ضحك الاثنان معًا.

غضب دونغ دونغجيان وقال: “أي ارتجاف هذا! لقد أذهلتموني فحسب!”

كان لو يوانتشو يجلس جانبًا، عاقدًا ذراعيه ومكتفيًا بمشاهدة مناكفاتهم. في البداية وجد الأمر طريفًا، غير أنه سرعان ما شعر بالملل.

فمناكفة هؤلاء الأصدقاء لم تعد تعنيه في شيء، وكان قضاء الوقت مع تشو شيو أكثر متعة، رغم أنه يشعر بأنه لم يمازحها منذ فترة.

فعندما لم يكن يجمعه بها تعارف قوي في البداية، كان أكثر طلاقة في الاستخفاف بها وممازحتها، أما الآن فلم يعد يجرؤ على التصرف بتلك الجرأة، وكأنه يتهيب الاعتراف بشيء ما.

وعند هذه الفكرة، نهض لو يوانتشو بقلة صبر وقال: ” كفوا عن اللعب.” ثم توجه إلى المشرب الصغير على الجانب ليسكب لنفسه كاسًا من العصير.

ولاحظ أنه بات يفكر في تشو شيو أكثر مما ينبغي اليوم.

وبعد قليل، جاء دونغ دونغجيان ليحتسي شيئًا هو الآخر، وعندما رأى كآبة لو يوانتشو قال: “ما بك يا أخي تشو؟ تلمح في عينيك الغربة والشرود، أتفكر في زوجتك؟”

بدا لو يوانتشو وكأن أحدهم داس على جرحه، فالتفت إليه بزجرة حادة: “اخرس.”

دونغ دونغجيان: …

ولما رأى أن لو يوانتشو لا يود الحديث، جلس دونغ دونغجيان على المقعد المرتفع المجهَز بجانبه، وأخرج هاتفه ليراسل صديقته الجديدة.

كان لـ دونغ دونغجيان صديق يعمل في مجال الاستثمار الإعلامي، وله معارف كثيرون في الوسط الفني. ونتيجة لذلك، كانت صديقات دونغ دونغجيان ينتمين جميعًا للوسط الفني، وإن كن من الوجوه الشابة غير المعروفة.

ومؤخرًا، كان يواعد فتاة جديدة تخرجت للتوه من الكلية وتبدو بريئة للغاية، فكان يوليها اهتمامًا خاصًا، ولم ينسَ أثناء لعب الورق مع أصدقائه أن يبعث لها بالرسائل.

ولأنه لم يتوخ الحذر أثناء كتابة الرسائل، كان لو يوانتشو يجلس جانباً ويقرأ محتوى المحادثة بوضوح.

كتب دونغ دونغجيان: “يا صغري، ماذا تفعلين؟”

فأجابت الصديقة: “أفكر فيك يا كبيري.”

ابتسم دونغ دونغجيان على الفور، بينما قطم لو يوانتشو حاجبيه وشاح بوجة بعيدًا بشعور من الاستنكار، ولكن بعد بضع دقائق، لم يستطع منع نفسه من التلصص لمتابعة المحادثة.

واصل دونغ دونغجيان كتابة الرسائل دون أن يرفع رأسه.

دونغ دونغجيان: “أهكذا تفكرين بي؟ أنا أيضًا أفتقدكِ جدًا!”

الصديقة: “هل يعانقني كبيري الآن؟”

واستمر التبادل العاطفي بينهما على هذا المنوال.

لم يستطع لو يوانتشو الكف عن التدخل وسأل: “ما هذا السخف؟”

نظر إليه دونغ دونغجيان وكأنه يرى كائنًا غريبًا وقال: “إنها القبلات الافتراضية يا أخي تشو! هل أنت متأخر عن العصر إلى هذا الحد لتجهل هذا؟”

سأل لو يوانتشو بحيرة: “طالما أنك لا تراها ولا تلمسها، فما الفائدة من هذه العبارات؟”

قلب دونغ دونغجيان عينيه وقال: “أنا لا أقيم علاقة عاطفية مع آلات صماء لا تملك مشاعر.”

لو يوانتشو: …

ثم كتب دونغ دونغجيان لصديقته مجددًا: “لم تتسنَ لي الفرصة لزيارتكِ في “دونغتشينغ” مؤخرًا، ولكنني حجزت لكِ باقة زهور تكفيكِ لمدة شهر، باقة واحدة كل يوم لترين القرب في الزهور. وعندما تنتهي الزهور، سأكون قد عدت إليكِ.”

ردت الصديقة بحماس: “حقًا؟ يا كبيري، أنا أحبك حتى الموت، أنت أبهى بكثير من الزهور!”

وعلق لو يوانتشو في الوقت المناسب: “إنك تزيف الحقائق تمامًا؛ فكيف تبدو أبهى من الزهور والورود؟”

وضع دونغ دونغجيان هاتفه جانباً، ومسح وجهه بيده، وقال لـ لو يوانتشو: “يا أخي، لا عجب أنك ما زلت تعيش في وحدة رغم عقد قرانك، فأنت تتصرف كأنك تضمن الحياة بمفردك للأبد!”

ثم أخذ هاتفه وتصفح إحدى الصفحات وأجرى مكالمة هاتفية مع متجر زهور معين في “دونغتشينغ”، وطلب إرسال باقات من الورود لمدة شهر كامل إلى صديقته يوميًا.

وبعد دفع التكاليف، دندن دونغ دونغجيان بمزاج رائق، ثم التفت وسأل لو يوانتشو: “يا أخي، هل أرسلت زهورًا لزوجتك من قبل؟”

وعندما وصل الحديث إلى هذا الحد، استعاد لو يوانتشو ثقته، وأومأ برأسه وقال: “نعم، أرسلت.”

أضاءت عينا دونغ دونغجيان وقال: “حسنًا، يبدو أن حالتك ليست ميؤوسًا منها تمامًا. هل أرسلت لها ورودًا؟”

قال لو يوانتشو: “عشب ذيل الكلب.”

دونغ دونغجيان: …

أضاف لو يوانتشو: “ويبدو أنها أعجبتها كثيرًا.”

استعاد دونغ دونغجيان قدرته على الكلام أخيرًا وقال: “أسحب ما قلته سابقًا، إن جفافك العاطفي في مراحله الأخيرة، ولا شفاء منه!”

حدق فيه لو يوانتشو بعدم اقتناع.

وجلس الاثنان في صمت لفترة، حتى أخرج لو يوانتشو هاتفه المحمول وسأل: “كيف يمكنني طلب الزهور؟”

🎉

انتهى الفصل 24

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة