الفصل 45
خلال العامين الماضيين اللذين بلغت فيهما “تشو شيو” ذروة نجاحها وشهرتها، كانت النصوص الدرامية المعروضة عليها تتراكم كالجبال. ولحسن الحظ، كانت وكيلتها “لان هوا” شخصية متمسكة ببادئها ومقاييسها العالية؛ إذ كانت تصفي النصوص أولاً وتستبعد ثلثيها، ثم تعرض على “تشو شيو” النصوص الجيدة فقط. ورغم ذلك، ظل عدد الأعمال المقدمة لها ضخمًا للغاية، فموهبتها وقدرتها الاستثنائية على تحقيق الأرباح جعلتا منها الخيار الأول والأنجح في الوسط الفني.
ومنذ أن حققت نجاحًا مدويًا في بضعة أعمال متتالية، أصبح استثمار “لو يوانتشو” في أعمال “تشو شيو” سخيًا بلا حدود؛ فكان يقدم للمخرجين وطواقم العمل كل ما يطلبونه من ميزانيات دون تردد أو تفكير في شروط الربح.
وجعل هذا السخاء والاستقرار من “لو يوانتشو” محط حسد بقية المستثمرين؛ فقد أصبحت “تشو شيو” للعام الثاني على التوالي النجمة الأكثر جلبًا للأرباح، وكل استثمار فيها كان مضمون النجاح والربح الصافي.
ومع تصاعد شهرتها وازدياد حجم أعمالها، قلّ الوقت المتاح لحياتها الأسرية؛ فكانت تصوّر عملين في السنة، وتستمتع بشهرين كحد أقصى من الراحة، بينما كان “لو يوانتشو” يرافقها في مواقع التصوير أغلب أوقات السنة.
في البداية، كان الجمهور يشتعل حماسًا لرؤيتهما معًا، خاصة عند ظهورهما المميز على السجادة الحمراء في حفل جوائز “فايتيان”، حيث تصدر اسماهما قائمة “التريند” ليومين متتاليين. ولكن مع تكرار ظهورهما وثبات علاقتهما، اعتاد الجميع على الأمر، وبات الجمهور يعلق بلطف: “انظروا، لقد خرجا مجددًا ليشاركا حبهما!”
وفي فصل الصيف، حصلت “تشو شيو” أخيرًا على إجازة لمدة شهرين، فنظم “لو يوانتشو” جدول أعماله وسافر معها إلى الخارج لقضاء العطلة؛ فبسبب شهرتها الواسعة محليًا، كان من الصعب عليها التحرك بحرية في الداخل.
وقبل انطلاق جولتهما، قررا السفر إلى جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة لزيارة والدي “لو يوانتشو” والإقامة معهما لبضعة أيام، إذ لم يلتقوا بهما منذ رأس السنة الصينية.
كانت والدة “لو يوانتشو” سيدة دافئة ولطيفة للغاية، تُشعر كل من حولها بالراحة. وكانت “تشو شيو” قد أقامت عندها سابقًا أثناء فترة تعافي يدها، وتأثرت بحنانها واعتبرتها بمثابة أمها الحقيقية.
وفي اليوم الأول لوصولهما، وقبل أن يتغلا على فارق التوقيت، أعدت الأم مأدبة عشاء صغيرة دعت إليها الأقارب والأصدقاء المقربين للترحيب بهما. وكان من بين الحضور الطبيب الذي أشرف على علاج يد “تشو شيو”، فدار الحديث طبيعيًا حول يدها وتطور شفائها.
قال الطبيب: “ندبة الجرح باتت خفيفة جدًا الآن، هل لا تزالين تلاحظين أثرها؟”
أومأت “تشو شيو” بنعم ونظرت إلى يدها، ولكن سرعان ما أخذ “لو يوانتشو” يدها بين يديه وضمها بقوة كي لا تدقق النظر إليها.
قالت الأم: “عندما رأيت الجرح لأول مرة، كدتُ أموت خوفًا.”
كان والد “لو يوانتشو” ووالدته يشعران بالحزن لأجلها وبالامتنان الشديد لها في آن واحد؛ فهذه الندبة كانت بمثابة وسام يوثق شجاعتها ولحظة إنقاذها لـ “لو يوانتشو”.
ابتسمت “تشو شيو” وطمأنتها: “لقد مر وقت طويل، ولم أعد أشعر بشيء الآن.”
تذكرت الأم شيئًا فجأة وقالت: “صحيح، أردتُ سؤالكما عن شيء مؤخرًا وكنتُ أنسى دائمًا.. ما اسم تلك المجرمة؟ شينغ… ماذا؟”
رد “لو يوانتشو”: “شينغ يي.”
قالت الأم بغضب لا يزال يراودها كلما تذكرت: “نعم، هي! لولا أنها رشت السائق لما حدثت تلك الكارثة، والحمد لله أنها قبض عليها ونالت عقابها.”
وبما أن “لو يوانتشو” يكره سيرة تلك المرأة أيضًا، سألها: “لماذا تذكرينها الآن؟”
أجابت الأم: “أردتُ أن أسأل عن علاقتها بـ ‘شينغ جيه’، هل هما أختان؟”
تفاجأت “تشو شيو”: “أمي، هل تعرفين ‘شينغ جيه’؟”
أوضحت الأم: “مؤخرًا، ظهرت فتاة تُدعى ‘شينغ جيه’ فجأة بين الجالية الصينية في جنوب كاليفورنيا، وسمعتُ أنها يدعون أنها ثرية ومن أصول ‘نانتشينغ’.”
قالت “تشو شيو”: “لا بد أنها هي! فبعد سجن ‘شينغ يي’، أخذت ‘شينغ جيه’ أموال العائلة وفرت إلى الخارج، ولم أتوقع أن تظهر في مجتمع جنوب كاليفورنيا.”
سخر “لو يوانتشو”: “تحاول الاندماج مع مجتمع الثريات كما كانت تفعل سابقًا.”
وقالت الأم بصرامة وحماية: “بعد أن تجرأت على إيذاء كنّتي، تأتي إلى جنوب كاليفورنيا؟ سأريها كيف أتعامل معها!”
نظرت إليها “تشو شيو” بابتسامة: أم زوجي حازمة وقوية!
قصة المرض (في الفترة التي تلت حصول “تشو شيو” على جائزتها):
في إحدى المرات أثناء التصوير تحت المطر، أصيبت “تشو شيو” بنزلة برد وحمى شديدة، مما أفزع المخرج وجعله يمنحها إجازة لمدة ثلاثة أيام فورًا.
حسبت “تشو شيو” الوقت، ووجدت أن “لو يوانتشو” لم يزرها في موقع التصوير منذ فترة وكان من المفترض أن يأتي بعد أيام، فاتصلت به وقالت بنبرة الصوت المكتوم المصاحبة للبرد: “أصبتُ بنزلة برد شديدة هذه الأيام، لا تأتِ كي لا تنتقل إليك العدوى.”
سألها “لو يوانتشو” بقلق: “هل الأمر خطير؟”
ردت ببساطة: “ليس خطيرًا جدًا، سأأخذ حقنًا علاجية لمة ثلاثة أيام.”
وكان “لو يوانتشو” في منتصف اجتماع عمل مهم، وكان يخطط للسفر إليها بعد إنهائه، لكن سماعه لنبرتها المريضة وطلبها ألا يأتي جعله يتخذ قرارًا فوريًا؛ فنهى الاجتماع وسلّم مهام العمل للمدراء، وحجز أول تذكرة طيران متجهة إليها.
وبينما كان هو يستقل الطائرة مسرعًا، كانت “تشو شيو” مستلقية على السرير تتنهد؛ فمع أنها طلب ألا يأتي، إلا أنها كانت تتمنى داخلها أن يفاجئها بالظهور أمامها! فالمرء حين يمرض يصبح مزاجه متقلبًا وعاطفيًا.
ونامت من شدة التعب والإرهاق، وعندما استيقظت، شعرت بوجود رجل مستلقٍ بجانبها؛ برائحته المألوفة وحضنه الدافئ، مما أبهج قلبها فورًا.
وعندما تحركت ذراعها، استيقظ “لو يوانتشو”، وانحنى ليقبلها في فمها كعادته اليومية بعد الزواج.
ولم تفكر “تشو شيو” في الأمر للحظة واستسلمت للقبلة، ثم تذكرت أن حرارتها مرتفعة ابتعدت سريعا وقالت: “لا تعبث، ماذا لو انتقلت إليك العدوى؟”
رد “لو يوانتشو” بثقة: “أنا أمارس الرياضة بانتظام ولم أُصب بنزلة برد منذ سنوات، قبله لن تضرني، بل أريد قبلة عميقة!”
ثم ثبت رأسها بيديه وانحنى يقبلها بحرارة.
وفي تلك الليلة، وبسبب نومهما الطويل خلال النهار، لم يستطيعا النوم ليلاً وظلا يتحدثان على السرير.
قال “لو يوانتشو”: “سمعتُ أنه عندما تصاب المرأة بالحمى، تصبح حرارة جسمها مرتفعة جدًا من الداخل.”
نظرت إليه “تشو شيو” وقالت: “ومن أين سمعتَ هذا الكلام؟”
أوضح “لو يوانتشو”: “سمعته أثناء حديث بعض رجال الأعمال في إحدى المناسبات.”
قالت “تشو شيو” بضيق زائف: “من هم هؤلاء الذين تتردد عليهم؟ كيف يتحدثون في مثل هذه الأمور!”
وبعد لحظات، قال بابتسامة: “عزيزتي، أريد أن أجرّب.”
حدجته بنظرة حادة: “هل أنت وحش؟”
رد بحيلة: “سأدخل وأبقى هادئًا دون حركة.”
وفي النهاية، استسلمت “تشو شيو”؛ ونفّذ “لو يوانتشو” ما قاله وجلس هادئًا دون حركة، لكن ذلك جعل “تشو شيو” تشعر بعدم الراحة، فما كان منها إلا أن حثته على المتابعة!
وبعد الإجازة الممتدة لثلاثة أيام، شُفيت “تشو شيو” تمامًا وعادت إلى التصوير بنشاط، بينما ظل “لو يوانتشو” مستلقيًا في الفندق تحت الغطاء، يتصل بمساعده “دو” بصوت ضعيف وكأن قواه قد نُفدت تمامًا!
مؤخرًا، بدأت “تشو شيو” تشعر بالتعب، ورغبة شديدة في النوم، مع فتح شهيتها للطعام.
وفكرت أن هذا ليس سوى تأثير الإجازة والاسترخاء. وعندما ذكرت ذلك لـ “لو يوانتشو”، قال لها إنه إن لم ترغب في التصوير، فيمكنها العودة للمنزل والاستراحة، والعودة للعمل وقتما تشاء، وثروتهما الحالية تكفيهما للعيش بترف طوال حياتهما.
قالت له “تشو شيو”: “ولكن عليك ترك شيء للأجيال القادمة، أم أنك تخطط لإنهاء أعمال عائلة لو عند جيلك؟”
رد “لو يوانتشو”: “أنا لا أريد أطفالاً، ويكفيني أن نعيش معًا هكذا لبقية حياتنا.”
اعترضت “تشو شيو”: “العائلة بلا أطفال غير مكتملة، يجب أن ننجب أطفالاً!”
تشو شيو أضافت: “يجب أن ننجب اثنين!”
رد “لو يوانتشو”: “طفل واحد يكفي، اثنان كثير جدًا!”
وكانت هذه المرة الأولى منذ زواجهما التي يختلفان فيها وينتهي الحوار بينهما بلا اتفاق.
وبعد نصف شهر، كان طاقم العمل يستعد للانتقال إلى موقع تصوير جديد. وكانت “تشو شيو” تشاهد كسلاً مساعدتها “ران ران” وهي تحزم الأمتعة. وعندما رأتها تضع عبوتين من الفوط الصحية في الحقيبة، أفاقت “تشو شيو” فجأة.
سألت: “هل اقترب موعد دورتي الشهرية؟”
قالت “ران ران”: “دورتكِ غير منتظمة دائمًا، ولكن بحسب الحسابات، كان يفترض أن تأتي منذ نصف شهر وتأخرت كل هذه الأيام!”
اتسعت عينا “تشو شيو”؛ فقد تأخرت دورتها نصف شهر كامل دون أن تنتبه!
وبربط هذا بالتغيرات التي طرأت على جسدها، قالت لـ “ران ران” مسرعة: “هناك أمر مهم! أسرعي واشتري لي شريطي اختار حمل فورًا!”
تفاجأت “ران ران” وأسرعت للشراء، وبعد أن أجرت “تشو شيو” الاختبار، اكتشفت أنها حامل بالفعل!
وفي المساء، وصل “لو يوانتشو” قادمًا من “نانتشينغ”. انتظرته “تشو شيو” حتى دخل الغرفة، ثم قالت له بابتسامة: “مبارك لك، لقد أصبحت أبًا!”
اتسعت عينا “لو يوانتشو” وبدا عليه الذهول والذعر: “كيف حدث هذا؟!”
فلم يستمتع بعالمهما الثنائي الصغير بعد، وفجأة سيتحولان إلى عائلة من ثلاثة أفراد!
ضيقت “تشو شيو” عينيها وقالت: “ما هذا رد الفعل؟ ألا تريد طفلاً؟”
تردد “لو يوانتشو” وقال: “أليس الوقت مبكرًا جدًا للإنجاب؟”
قالت بتأثر وحزن: “أنا حامل بالفعل، ألا تعتقد أن…”
وعندما علم أنها فهمت موقفه خطأ، أخرج هاتفها وأراها سجل البحث الأخير لديه:
«مهارات وتسهيل الولادة الطبيعية…»
«نقاط وتوجيهات لتجنب صعوبة الولادة…»
«كتاب ودليل تربية الأطفال…»
وبعد رؤيتها لهذه عمليات البحث، لم تملك “تشو شيو” إلا أن تبتسم بين مشاعر التأثر والمرح: “لا تخف نفسك هكذا!”
قال “لو يوانتشو” بجدية وقلق: “مخاطر الولادة كبيرة جدًا، وأنا أفضّل ألا تخوضي هذه المخاطرة.”
فتأثرت “تشو شيو” حتى دمعت عيناها.
بعد عام، أخذ “لو يوانتشو” إجازة أبوة لمدة شهر كامل، ومن أجل طفلته القادمة، التحق بدورة تدريبية لرعاية الأطفال لمدة نصف شهر.
وبعد ولادة ابنتهما الأولى، قلّت لقاءات “لو يوانتشو” وخروجه في المناسبات الخارجية؛ فكان يلتزم بمواعيد العمل بدقة، ليعود فورًا للمنزل ويلعب مع ابنته الصغرى دون أي حرج.
ولاحقًا، أصبحت الطفلة في غاية اللطف والجمال، وأصبح “لو يوانتشو” أباً حنونًا وملازمًا لها طوال اليوم، يتبع خطواتها في كل مكان بصبر وحب لا ينتهي!
💬 المناقشة