الفصل 16
الفصل السادس عشر
أداةٌ لا إنسان
إيكيدنا فيلياس.
عمرها مجهول.
كانت تنتمي إلى آل فيلياس، لكنّ أخواتها طردنها بسبب تباين أفكارها معهنّ.
سبب الطرد: طائشة، وتقع في الحبّ من أوّل نظرة.
شعرٌ أسود أشعث، وهالاتٌ داكنة حول عينيها كأنّها زينة قوطيّة.
شفتان سوداوان، وبشرةٌ شاحبة كأنّ نورًا لم يلامسها قطّ.
وتلك الأجواء الكئيبة النمطيّة التي تحيط بالساحرات.
لو ظلّت ساكنة، لظنّها المرء من فئة الجميلات، لكنّ تلك النكهة الساحريّة الفريدة أفسدت كلّ شيء.
فإن سألتَ هل تبدو ساحرةً حقًّا،
«مرحبًا. أنا إيكيدنا~»
أسلوبُ حديثٍ طفوليّ يناقض تلك الأجواء ذاتها، حطّم حتى المزاج الساحريّ.
«إيهيهي…»
تبتسم كإنسانةٍ طيّبة، لكنّ ابتسامتها متكلّفة إلى حدّ يجعلها هي الأخرى تبدو كئيبة.
كلّ شيء فيها كان يصعّب عليها الانسجام مع البشر العاديّين.
قبِلت دون قيدٍ ولا شرط بمجرّد أن رأت جيد.
لكن، بما أنّهم كانوا بحاجة إلى مناقشة طبيعة العمل الذي ستؤدّيه، دخل فِردا بيت الساحرة وواجهها.
«قلتِ إنّكِ ستفعلين ذلك دون شرط، لكن هل تعرفين بالضبط ما هو العمل؟»
«كلّا. ومع ذلك لا يهمّ.»
تموّجت حدقتا إيكيدنا الداكنتان كبحرٍ هائج.
«أن… أن أعمل مع رجالٍ بهذه الوسامة، ومع آنسةٍ صغيرة لطيفة أيضًا… أنا… أنا سعيدةٌ جدًّا فحسب… إيهيهيهي. لو أمرتني، سأصير كلبةً.»
راح جنون الساحرة الفريد يمتزج شيئًا فشيئًا في صوتها.
عبست روري، وشعر جيد هو الآخر بالقشعريرة فانكمش إلى الوراء.
فِردا وحده بقي هادئًا.
«إيكيدنا فيلياس. أنتِ تصنعين الغيلان الحجريّة، أليس كذلك؟»
«ها؟ آه، نعم. وماذا في ذلك؟»
«أيمكنكِ أن تُجري صناعة الغيلان تلك في قلعة فالدروفا خاصّتنا؟»
«بـ… بالطبع. ممكن. هيهي. لو أمرتني، سأصير كلبةً. هاو هاو.»
كانت تصيح بالقبول واحدةً تلو الأخرى دون أن تسأل أو تتحقّق من أيّ شيء.
هذا المشهد كان استثنائيًّا حتى بالنسبة إلى فِردا.
‹ظننتُها كانت أفضل قليلًا في الماضي، لكن هذه كانت فترةً هي في أسوأ أحوالها.›
الزمن الذي عرف فيه فِردا إيكيدنا كان حين كانت في حالةٍ يُرثى لها، بالكاد بلغت مستوى استعادة رشدها.
«فِردا-نيم.»
نكزت روري خاصرته وقالت.
«هل قطعتَ كلّ هذه المسافة لتوظّف مجرّد ساقطةٍ تصنع الغيلان؟»
«أ… أمّم، أنا أسمعكِ.»
«صحيح، مجرّد غول.»
«قـ… قلتُ إنّني أسمعكِ.»
كائنٌ ضخم مصنوعٌ من كتلٍ من الطين أو الحجر.
كلّ ما يفعله هو الحركة على مستوى المشي البسيط؛ وباستثناء حجمه ومتانته، فهو جثّةٌ لا أكثر.
ليس عبثًا أن توجد شتيمةٌ من قبيل «أيّها الوغد الأبله كالغول».
«هل لديكِ غولٌ صنعتِه الآن؟»
«ها؟ لديّ واحد… آه، لم يكتمل بعد، لذا فالأمر محرج…؟»
«لا يهمّ. أنا لا أخجل.»
«آه، إذن… سأريكم إيّاه~!»
صفّقت إيكيدنا بيديها.
عندئذٍ انفتحت الخزانة بعنف وقفز منها شيء. دميةٌ خشبيّة صُمِّمت على هيئة رجلٍ قويّ البنية.
كانت عيناها كبيرتَين وتتلألآن كأنّهما ستقذفان جواهر، وشفتاها حادّتان.
وجهٌ وجسدٌ كرسمة طفلٍ يتخيّل أميرًا.
إذ رأت إيكيدنا الأشخاص الثلاثة يحدّقون فيه باهتمام، أخذت تتلوّى.
«إيهيهي. لم يكتمل بعد، لذا فالأمر محرج…»
«الوجه بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الصقل.»
«لا. الدمية نفسها مكتملة؟»
«…هذا؟»
لم يستطع جيد إخفاء ذهوله.
هذه هي الصورة المكتملة؟
خرج الغول محدثًا صريرًا، وأمال وجهه ليختلس النظر إلى إيكيدنا.
ابتسمت إيكيدنا ابتسامةً عريضة.
صرير- صرير-
الغول الخشبيّ يتحرّك بأصواتٍ متيبّسة متشابكة.
أخرج ذلك الغول الشاي من الخزانة وشرع في إعداده.
المدهش أنّ الغول اختار وانتقى صنفًا واحدًا بدقّة.
«ثمّة أنواعٌ لا تُحصى من الشاي في الخزانة، فلماذا أحضر ذاك بالذات؟»
«أمّم، طريقة عمل هذا الأمر هي… آه، إنّها حكايةٌ مملّة فدعوني لا أشرحها بالتفصيل، أمم همم…»
راحت إيكيدنا تقبض قبضتَيها بإحكام وتدقّ الأرض بقدميها.
فتح فِردا فمه ظنًّا منه أنّه سيجيب بدلًا منها.
«إذن، فالأمر—.»
«لحظةً واحدة. أ… أظنّني أستطيع فعلها!»
استغرق منها اختيار الكلمات وحده نحو ثلاث دقائق، وتصبّبت عرقًا باردًا.
وأخيرًا، أنهت إيكيدنا ترتيب أفكارها وتكلّمت.
«ببساطة، إنّه يقرأ مزاجي ويحضر الشاي الذي أحبّه. اليوم مزاجي جيّد، لذا أحضر الدارجيلينغ.»
«الغول… يفعل ذلك؟»
سألت روري كأنّها لا تصدّق.
حكّت إيكيدنا رأسها في حرج.
«إيهيهي. أردتُ أن أصنعه هكذا. لذا فأنا أبتكر السحر.»
«تبتكرين السحر… هذا يعني أنّكِ ترسمين الرُّقُم السحريّة بنفسكِ؟»
«نعم، هذا صحيح يا آنستي الصغيرة! درستُ بجدٍّ شديييد!»
حتى روري، التي كانت تحتقر البشر، حملت هذه المرّة شيئًا من الاحترام.
فلصنع دائرةٍ سحريّة دقيقة، على المرء أن يتعلّم عمليّة تكثيف معناها، أي صناعة الرُّقُم.
والقادرون على صناعة الرُّقُم هم في مصافّ الصنّاع المهرة الذين لا يتجاوز عددهم عشرةً في قارّة سيرديس بأسرها.
لم تكن مجرّد صانعة غيلانٍ بسيطة أو ساحرةٍ كئيبة،
‹صانعة رُقُم.›
ساحرةٌ تملك القدرة على ابتكار السحر.
نظرت روري إلى فِردا مجدّدًا.
وعلى خلاف البداية المفعمة بالاشمئزاز، كانت هذه المرّة تحمل رهبةً مكتومة.
«كيف تعرف بشرًا كهؤلاء؟»
«صادف أن عرفتهم.»
كان سبب تذكّره لها بطبيعة الحال هو الكراهية. لأنّها كانت من البشر الذين يبدّدون مواهبهم على نحوٍ جسيم.
‹إلى حدٍّ يجعلني أتقيّأ دمًا.›
كانت إيكيدنا فيلياس تحبّ الرجال بالغي الوسامة حبًّا جامحًا.
إلى أيّ حدّ؟ ذلك التوق قادها إلى الدائرة الحمراء.
لكن، بسبب كآبة الساحرة الفريدة وافتقارها إلى مهارات التعامل مع الناس، انتهت إيكيدنا إلى وضعٍ خطير عجزت فيه عن لقاء رجل.
وعلى خلاف الأفكار الأخرى من قبيل «حسِّني كآبة الساحرة أو مهاراتك الاجتماعيّة فحسب»، فكّرت هكذا.
– إن لم أستطع مواعدة أحدٍ، فلمَ لا أصنع لنفسي حبيبًا؟
أمّا تحويلهم إلى عيّناتٍ محنّطة أو استخدامهم دُمى كما تفعل سائر الساحرات، فقد كان أمرًا مقيتًا لها.
وبعقليّةٍ تقف في منتصف الطريق بين الإنسان والساحرة، كان جوابها أن تخلق شيئًا شبيهًا بالإنسان عبر غول.
بدأت جهودها لإتقان أوامر التعاويذ وصناعة الرُّقُم، فصارت صانعة رُقُم.
‹حتى أنا، الساحر الأعظم، عجزتُ عن صناعة الرُّقُم، وهي استخدمتها لمجرّد أن تصنع حبيبًا.›
ما زال فِردا يشعر بالرغبة في تقيّؤ الدم.
قدرةٌ كفيلةٌ بأن تقلب العالم رأسًا على عقب، طُوِّرت لمجرّد صنع حبيب.
‹لكن بفضل ذلك، عرفتُ أنّ جنود الغيلان الذين يستجيبون لنظام أوامر مرن ليسوا أمرًا مستحيلًا.›
ذروة الخيمياء، الإنسان الاصطناعيّ، الهومنكولوس.
يستطيع أن يتعلّم عمله، ويستطيع أن يؤدّي أعمالًا في مجالاتٍ يعجز عنها البشر.
لكنّ إنتاجه الفرديّ محدود، وعيبه أنّه لا يمكن التحكّم فيه بالكامل كالبشر.
وأمّا الغيلان، فيمكن إنتاجها بكمّياتٍ كبيرة لكنّها تعاني عيب العجز عن أداء الحركات والأوامر المعقّدة.
وما جمع مزايا هذين الاثنين فحسب هو تحديدًا غول إيكيدنا.
‹طرد الوحوش من جبهة الشرق الأقصى لم يعد أمرًا مستحيلًا.›
يمكن تقديم تقنياتٍ مبتكرة تُضاهي التقنية السحريّة التي يقودها المركيز بورنيل.
«إذن يبدو أنّ الحديث قد انتهى. سأمنحكِ خطاب التعيين.»
«خـ… خطاب تعيين؟»
«كبيرة باحثي فالدروفا. ثمّة كبيرٌ آخر بالفعل، لكنّ قسمكِ مختلف، فلن تحتاجا إلى الاكتراث لبعضكما.»
«آه، حقًّا؟»
ثمّة آخر.
إذ سمعت تلك الكلمات، دارت حدقتاها السوداوان وفتحت فمها في خجل.
«ذ… ذاك… أهو رجل؟»
أومأ فِردا برأسه.
وجهٌ محتقن، أصابع تتلوّى.
«إنّه رجل.»
«ذ… ذاك… هل هو وسـ…يم؟»
عينا إيكيدنا تتلألآن كأنّه أهمّ سؤالٍ على الإطلاق.
«يبدو كعالِمٍ عاديّ يرتدي نظّارة.»
«آه، حقًّا؟ أيًّا كان ما يفي بالغرض~…»
بدت إيكيدنا خائبة الأمل.
انزلقت عيناها نحو جيد.
وأمام هذا الزير المولود بالفطرة، ابتسم جيد ابتسامةً لا إراديّة.
«إيهيهي، إيهيهيهي…»
راح وجه جيد يتجمّد شيئًا فشيئًا أمام تلك الطاقة الشهوانيّة.
أراد أن يتراجع خطوةً إلى الوراء، لكن لم يكن ثمّة ملجأٌ يتراجع إليه.
«أيمكنكِ الانطلاق فورًا؟ أم تحتاجين إلى وقتٍ للتحضير؟»
«كلّا. أملك سحر التخزين في الفضاء الجانبيّ، فأستطيع أن أضع كلّ شيء بداخله وأنطلق حالًا. هيهي…»
سحر التخزين في الفضاء الجانبيّ هو سحرٌ من الرتبة الخامسة.
أي أنّها حاليًّا في الدائرة الخامسة أو أعلى.
وأنّ هوسها بالرجال الوسيمين هائل.
«جيّد. اركبوا العربة وتوجّهوا أنتم إلى قلعة فالدروفا أوّلًا.»
أدار جيد رأسه وسأل.
«ألن تأتي معنا؟»
«ما زال هناك شخصٌ واحد عليّ إحضاره.»
«إذن تعال معنا؟ أنا خادمك.»
«لا حاجة إلى ذلك.»
«لا، لا تكن هكذا…»
قال جيد بابتسامةٍ متكلّفة.
«لنذهب معًا. أرجوك.»
كان اليأس محسوسًا في ذلك «أرجوك».
لا تتركني وحدي مع تلك المرأة.
‹لا يمكنني فعل ذلك.›
فِردا يعلم.
الغول المكتمل الذي ستصنعه إيكيدنا في المستقبل.
أنّ هيئته تتّخذ شكل جيد سوالو.
أنّ إخلاص إيكيدنا الأحاديّ كان بسبب مظهر جيد سوالو.
‹لذا، في الوقت الراهن، عليّ أن أظلّ ألصقه بها.›
لتهدئة جنون إيكيدنا، كان لا بدّ من إلصاق جيد بها.
لكن أيّ مستقبلٍ سيحلّ بجيد بسبب ذلك الهوس، فذلك أمرٌ غير واضح.
ولم يكن لديه أيّ اهتمامٍ به.
سيتدبّر أمره بنفسه.
* * *
هكذا نجح فِردا في تجنيد ثلاثة مواهب.
رائد التقنية السحريّة، المركيز بورنيل.
سيّد اللصوص، جيد سوالو.
صانعة الرُّقُم، إيكيدنا فيلياس.
والشخص الأخير المتبقّي هو،
«حكيم الماء، هيلوس بوفيداس.»
من بين الشخصيّات التي عُرِضت سابقًا، كان الإنسان الوحيد الذي تعرفه روري.
عمره في منتصف الأربعينيّات، ساحرٌ متأخّر النبوغ.
لكنّه اشتهر بنفاذه إلى بواطن الأمور عبر حكمةٍ لامعة وبصيرة، فنال لقب «حكيم الماء».
بنى قصرًا في قريةٍ ريفيّة وعاش هناك.
مبدأٌ زاهدٌ يقضي بأن يكون دائمًا بجوار الماء، دون انتماءٍ إلى أيّ مكان.
«كيف تنوي إقناع إنسانٍ قال إنّه لن يفعلها ولو منحته إمبراطوريّة آركن المليارات؟»
سجلّ تجنيد فِردا الحاليّ: نجاحان، وواحدٌ معلّق.
بما أنّها لم تكن تعرف الخصم، كان التنبّؤ صعبًا، لكنّ الخصم هذه المرّة كان قابلًا للتوقّع إلى حدٍّ ما.
رأت روري أنّ إقناعه سيكون عسيرًا بقدرات فِردا.
‹لا يبدو أنّه سيفرض سلطته أو يهدّده كي يجلبه…›
وفضولها إزاء الفكرة اللامعة التي في جعبته، لم تستطع كبحه.
أجاب فِردا هكذا.
«حكيم الماء غير مهتمّ.»
عبست روري.
«إذن لماذا أتيتَ؟ كتبتَ “حكيم الماء” واضحًا جليًّا، وقطعتَ كلّ هذه المسافة إلى بيت حكيم الماء، والآن لا تحاول جلب حكيم الماء؟»
«ما أبحث عنه لا اسم له. فاستخدمتُ اسم هيلوس بوفيداس بديلًا فحسب.»
«خدعتني؟»
روري تحدّق بعينَين ضيّقتَين ووجهٍ شرِس.
«نصف خدعة فقط.»
اختلس فِردا النظر إلى القصر أعلاه.
كانت النوافذ مفتوحةً على مصراعيها، والباب الخلفيّ الذي يستخدمه الخدم مواربًا قليلًا على نحوٍ مائل.
بالنظر إلى ذلك، سأل فِردا.
«أين تغسل ربّات البيوت العاديّات الغسيل عادةً؟»
«لماذا تسألني هذا؟»
مسح فِردا نظره عليها من أعلى إلى أسفل.
رأى فتاةً بلا تعبيرٍ ترتدي زيّ خادمة.
«أنتِ وصيفة، أليس كذلك؟»
«ثمّة مراتب حتى بين الوصيفات. وأنا أحلّ كلّ شيء بالسحر. لستُ حقيرةً تضرب الغسيل بعصًا عند جدول.»
«جدول، إذن. شكرًا.»
اتّباعًا لنصيحة روري التي لم تكن نصيحة، توجّه إلى الجدول.
وكما قالت، عثر عليه بسهولة.
«أيّتها البلهاء الساقطة اللعينة! لا تقدرين حتى على فعل ذلك!؟»
في مكانٍ لا يتردّد فيه بهدوءٍ سوى صوت الماء المتدفّق، تردّد صدى شتائم امرأةٍ في منتصف العمر.
كانت هناك امرأةٌ بدينة في منتصف العمر وفتاةٌ نحيلة.
ارتديتا ثيابًا نظيفةً على نحوٍ مريب بالنسبة لأهل الريف.
كان من المؤكّد أنّهما وصيفتان لدى أحد النبلاء.
نكزت المرأة البدينة غسيل الفتاة بإصبعها وصاحت.
«إن ضربتِ الغسيل وعصرتِه، فعليكِ أن تضعيه في الماء! لماذا يجب أن أخبرك في كلّ مرّة كي تفهمي!؟ اضربي! اعصري! ضعيه! أفهمتِ!؟»
أومأت الفتاة الشقراء بحذر.
«آهٍ، أن أضطرّ لتعليم بلهاء كهذه! أيّ عقابٍ إلهيّ نزل عليّ… آه!»
دقّت الوصيفة العجوز صدرها وعبست.
لم تُبدِ الفتاة أيّ أثرٍ للخوف.
اكتفت بالنظر إليها بعينَين خاويتَين وردّدت في صمتٍ ما قيل لها.
«صداع؟»
فزِعت الوصيفة العجوز ووقفت.
مسحت عيناها فِردا بسرعة، ثمّ ارتدت ابتسامة.
«يا إلهي، مولاي. أعتذر. أريتُكَ منظرًا غير لائق. هاها. كنتُ أعلّم وصيفةً بليدةً واحدة فرفعتُ صوتي…»
«أذلك كان تعليمًا؟»
«بالطبع، سيّدٌ نبيلٌ مثلك لن يفهم. عليك أن تصدمها بهذا الشكل كي تصغي. هكذا تسير الأمور.»
انزلقت عينا فِردا نحو الفتاة.
أراح ذقنه على يده وأصدر صوتًا.
«همم، هذا ليس تعليمًا، يبدو أنّكِ تفرّغين توتّركِ فحسب. ولا حاجة أصلًا لتعليم تلك الحقيرة.»
«ماذا تعني؟»
«فكّري فيما إذا لم يكن أمركِ خاطئًا.»
رمشت الوصيفة العجوز وسألت.
«أعتذر، مولاي. لا أفهم…»
«ممّا رأيتُ وسمعت، جعلتِها تكرّر ضرب الغسيل وعصره. لكنّكِ لم تخبريها أين تضعه. لو أخبرتِها، لكانت بالتأكيد واصلت العمل.»
«يا إلهي، أعليّ أن أشرح كلّ صغيرةٍ وكبيرة؟ إن كانت إنسانةً، فعليها أن تملك بعض الذكاء وتفعلها كما ينبغي، لكنّها بليدةٌ جدًّا…»
حدّقت الوصيفة العجوز في الفتاة.
اكتفت الفتاة بتكرار العجن، غير آبهةٍ بحديثهما.
«صحيح. المشكلة أنّكِ ترينها إنسانةً.»
«ماذا تعني؟ أتقول إنّ هذه الطفلة أداة؟»
«لو ظننتِ أنّ ما تتعاملين معه ليس إنسانًا بل أداة، لاختلف الأمر. ألا ترين أنّ توقّع التفكير من أداةٍ أمرٌ مبالغٌ فيه؟»
ارتسم على وجه الوصيفة تعبير من لا يفهم.
وروري، التي كانت تصغي بهدوء، لم تفهم هي الأخرى كلام فِردا.
«أيّة أداةٍ في الدنيا تأكل وتنام؟ لو كانت أداةً، لدسستُها في مخزنٍ أو رميتُها فحسب…»
«إذن لماذا لم ترميها؟»
«أتُرمى لمجرّد أن نقول ذلك؟ حكيم الماء-نيم يعزّ هذه الفتاة.»
«همم، حقًّا؟»
«ساقطةٌ كالكلبة الضالّة، التُقطت من مكانٍ لا يعلمه أحد.»
راحت الوصيفة تصبّ الشتائم دون توقّف.
أصغى فِردا إلى ذلك بهدوءٍ وسأل.
«إن كنتِ تكرهينها إلى هذا الحدّ ويصعب عليكِ رميها، فما رأيك أن تنقليها إليّ؟»
💬 المناقشة