الفصل 1

—————
ترجمت هذه الحلقة بواسطة اورا كوميك. لدعمنا ومساعدتنا في إبقاء هذه السلسلة مستمرة.
قم بزيارة موقعنا: /https://auracomic.com
—————
الفصل الأول

— إيولا أرنست، ابنة الكونت أرنست! أنا أفسخ خطوبتي منكِ!

حين أطلق إيرفاين، الذي كان خطيبَ أختها، ذلك الإعلان بابتسامة ساخرة في حفل تخرّج الأكاديمية، انتفضت ويلمي أرنست من الداخل بنشوةٍ بالغة، بالغة حقًّا.

وبينما كانت تستنشق طعم تلك اللحظة وذراع إيرفاين ملقاةٌ فوق كتفها، راحت ويلمي ترقب أختها بنظرة هادئة. أمّا إيولا، فلم تفعل سوى أن أطرقت بنظرتها نحو الأرض، وعلى وجهها حزنٌ عميق.

— لن أتزوج امرأةً بليدة مملّة مزعجة الهيئة كأنتِ. سأخطب ماي! والكونت أرنست أعطى باركته بالفعل!

(يا تُرى كيف شعرت أختي الغالية حين سمعت ذلك؟)

كانت إيولا نحيلةً كالعظام، وشعرها رماديٌّ باهت متشعّث مليء بالأطراف المتقصّفة. ومن وراء نظارة سوداء ثقيلة ممجوجة، كانت هالات داكنة تُطبق تحت عينيها فوق بشرة شاحبة خشنة. وثوبها الكئيب لم يكن سوى بقايا موضةٍ غابرة تجاوزها الزمن، يُكمله حُليٌّ قديمة بائسة.

في المقابل، كانت أختها الأصغر ويلمي تشعّ بألقٍ ساحر؛ شعرها البلاتيني يتدفّق في موجات لامعة مضيئة، وبشرتها البيضاء المصقولة وجمالها الفاتن المحميّ إطارٌ لفستان جديد من أحدث الموضات وحُليٍّ فاخرة تبرق بألمع ما يليق بحفل راقٍ.

وعلى صعيد التحصيل، كانت إيولا متوسطةً في أحسن أحوالها، تكتفي بالمراتب الدنيا من الوسط، بينما كانت درجات ويلمي ثابتةً في مصافّ المتفوقين.

(بجدّية، أتساءل ما الذي يجري في رأسها الآن؟)

مجرّد التفكير في ذلك جعل شفتَي ويلمي تنحنيان في ابتسامة خفيّة. لقد كان إيرفاين قد رافق ويلمي لدى وصولهما إلى الحفل، متجاهلًا خطيبته الفعلية كليًّا. فدخلت إيولا القاعة وحدها تمامًا، مُرغَمةً على تحمّل الهمسات والأصابع المُشيرة وخطيبها يدخل برفقة امرأة أخرى — أختها الأصغر تحديدًا.

(أختٌ بائسة مسكينة.)

بعد أن ألقى إيرفاين رفضه البارد، لم تُبدِ إيولا سوى همسٍ خافت:

— حسنًا. أفهم.

ثم أطرقت رأسها وانصرفت. وأسرع خلفها على الفور شخصان — ابنة فيسكونت وابن بارون معدم — وهما صديقاها الوحيدان. كان ذلك مُزعجًا نوعًا ما، غير أنّه بدا في تلك اللحظة تفصيلًا لا يُذكر.

(تفضّلي، احقديني. اكرهيني بكل جوارحك.)

في الحقيقة، كانت ويلمي تتمنى أن يكون دم إيولا يغلي من فرط الغيظ.

***

حياتها المشتركة مع أختها ستنتهي اليوم.

لم يمضِ سوى نصف شهر على فسخ الخطوبة في ذلك الحفل. من شرفة الطابق الثاني، راحت ويلمي تراقب أختها وهي تخرج من المبنى المنفصل المتداعي الذي عاشت فيه وحيدةً معزولة. كانت إيولا تحمل حُزمةً صغيرة من أمتعتها وتمشي نحو البوابة.

وسوى ويلمي التي ترقبها بابتسامة عريضة منتصرة، لم يكن ثمّة سوى البواب ليودّعها. كانت إيولا — التي لا تزال تُلاحَق بصفات «العديمة الفائدة» و«المزعجة» و«التي لا تصلح للزواج» — تُشحن في عربة صغيرة متهالكة برفقة خادمة واحدة فقط، إلى بيت خطيبها الجديد.

لقد بيعت.

كانت تتجه إلى عزبة إيدس أورميراج، سيد السحر، الرجل الذي دفع مبلغًا فلكيًّا بوصفه «مهرًا» لآل أرنست. بل إن والديها وقّعا وثيقةً تنصّ على أنه «لا قيود على معاملتها» قبل أن يُرسلاها إلى رجل اشتُهر بكراهيته للنساء والتجمّعات الاجتماعية.

أما الإشاعات في المجتمع الراقي فكانت مُرعبة: سيد السحر رجلٌ تتناهى جماله ولا يُجارى سحرُه في عصره، بيد أنه بارد الأعصاب قسيّ القلب. وهمس الناس بأن إيولا لن ينتظرها سوى الشقاء؛ إما أن يطردها فورًا، أو يتّخذها أرنبة تجارب سحرية، بل خشي بعضهم أن يُقدم على إيذائها حتى لا يُعرف لها شكل.

وفي الليلة الماضية، قال والدهما لإيولا: «حتى لو طردك، لا تجرئي على العودة زاحفةً إلى هنا. لم يعد لكِ مكانٌ في هذا البيت.»

ومع بُعد العربة تحمل أختها، انعطفت ويلمي إلى داخل الدار الرئيسية وفي خطواتها خِفّةٌ ومرح. كانت ويلمي في مزاج رائع منذ حفل التخرج، غير أن هذا اليوم بالذات شعرت فيه كأن روحها تطهّرت تطهيرًا تامًّا.

(وداعًا، يا أختاه.)

اليوم ستتزيّن وتذهب لتشتري بعض المجوهرات الباهظة. فبعد أن دخل إلى الخزينة مبلغٌ ضخم من بيع أختها، لا شكّ أن والدها سيضحك ويغضّ الطرف عن قليل من الإسراف.

كان هذا أعظم يوم في حياة ويلمي.

(وسيبقى كذلك… حتى اللحظة التي ستجد فيها نفسها مدفوعةً إلى أعماق الصدمة بعد ستة أشهر.)

***

وُلدت ويلمي أرنست من أصل عامّي.

في تلك الأيام، لم يكن لها لقبٌ، مجرّد «ويلمي»، تعيش حياةً لا فقرًا فيها ولا ثروةً مع أمّها. إذ كانت أمّها خليلة الكونت.

وكان منعطف الحياة في سنّ الثامنة؛ حيث توفّيت زوجة الكونت الأولى — أمّ إيولا — متأثّرةً بمرضها، فأُدخلت أمّ ويلمي زوجةً ثانية. وقد رفض الأقارب الاعتراف بامرأةٍ من عامّة الشعب كونتيسةً، لكن والدها فرض الأمر. وفي المقابل، قاطعته كلّ فروع العائلة دون استثناء.

ولعلّ انحدار آل أرنست بدأ منذ تلك اللحظة بالذات.

عندما التقتا للمرة الأولى، أدّت إيولا انحناءةً مثاليةً. كان شعرها الفضّي يلمع ويسيل كالحرير. وعيناها البنفسجيتان الجميلتان علامةٌ على قدرة سحرية جبّارة. كانت ابنة نبيل حقيقية، تبدو بشرتها كأنها تُضيء من الداخل. والفتاة التي قدّمت نفسها بابتسامة كانت مُشعّة بالحياة، ترنو بعيون بريئة لم تعرف ما المشقّة.

— سعيدة بلقائك، ويلمي.

(ما الذي كانت تشعر به آنذاك؟ وهي تبتسم وتُكلّم ابنة الخليلة التي أعانت على خيانة أمّها؟)

حاولت إيولا أن تكون بالغة اللطف مع ويلمي، في حين كانت ويلمي تجرّها وراءها وتُكلّفها بما تشاء. ولم تتبدّل المعاملة تبدّلًا حقيقيًّا إلا حين بلغتا العاشرة.

كانت الفوارق في محبّة الوالدَين محسوسةً في تفاصيل صغيرة من قبل، غير أن اللحظة الفاصلة جاءت يوم وقعت ويلمي في النهر أثناء لعبهما وأُصيبت بحمّى شديدة. فألقى الوالدان باللوم على إيولا، وصاحا: «ويلمي في هذه الحال بسببك، أنتِ من استدرجتها للخروج للعب!»

ومنذ تلك اللحظة، لم تعودا تلعبان معًا.

أوّلًا، بدأ أخذ كلّ ما تريده ويلمي من إيولا. فأصبحت المجوهرات التذكارية لأمّ إيولا ملكًا لويلمي. وأُوقف عن إيولا الطعام كثيرًا بحجّة «التأديب». ثم أُجبرت على ارتداء ملابس الخدم والعمل في المنزل كخادمة، ولم يعد مسموحًا لها بالجلوس على المائدة مع العائلة.

وفي تلك الحقبة، بدأت ويلمي تنتقد مظهر إيولا باستمرار.

— يا أبي. لون شعر أختي مؤلم للعين.

بمجرّد أن قالت ذلك، أُجبرت إيولا على صبغ شعرها. ولم يعد مسموحًا لها بتمشيطه، حتى صار كتلةً رماديةً كئيبةً مليئةً بالأطراف المتقصّفة.

— يا أمّي. أختي تُحدّق فيّ. ربما بصرها يضعف؟

بمجرّد أن قالت ذلك، أُلزمت إيولا بارتداء نظارة سوداء ثقيلة ومُنعت من خلعها. ورأت ويلمي أختها تنحل وتذبل، فارتاحت، وأعطت الضربة القاضية.

— يا أبي، يا أمّي. لا أريد أن أرى وجه شخص قذر كها.

بدلًا من العمل كخادمة، أُغلقت أيولا في مبنى منفصل يُقبر فيه الإنسان حرًّا صيفًا وبردًا شتاءً، ومُنعت من الخروج دون إذن. وأصبحت غرفة إيولا القديمة لويلمي. وكلما بدت إيولا أكثر بؤسًا ومسكنةً، ازدادت ويلمي إشراقًا وجمالًا.

حظيت ويلمي بفساتين باهظة الثمن وأُطريت بجمالٍ لا يخفت حتى بجانب الأميرات. مدحوا «شعرها المضيء كهالة الملاك». وأشادوا بعينيها القرمزيّتين بوصفهما «جوهرتَين حيّتَين تُضيئان قلوب من يراهما».

وقُبيل بلوغهما سنّ الالتحاق بأكاديمية النبلاء، خُطبت إيولا لإيرفاين. وكان إيرفاين النجلَ الثاني لعائلة فيسكونت ثريّة كانت على وشك الترقّي إلى مرتبة الكونت. وقد ربطت الأسرتَين صداقةٌ امتدّت سنوات.

قَبِل الوالدان بسعادة اقتراحه الزواج بالبيت — وكان يريد الزواج من إيولا الجميلة التي رآها منذ سنوات — لكنّهما لم يسمحا له برؤيتها قط. وحين واجه إيرفاين إيولا في الأكاديمية أخيرًا، كان خيبة أمله واضحةً للعيان. وظلّ يتذمّر منها في كلّ فرصة.

— لم أكن لأتخيّل يومًا أن إيولا ستصبح هكذا.

وبات يكنّ لها كراهيةً صريحة، يعاملها بفتور حين تُكلّمه. واستغلّت ويلمي تلك اللحظة لتتقرّب منه وتُغازله وتُبدي له المودّة؛ فكان سعيدًا بالانجذاب إليها.

وكانت ويلمي قد قالت لأختها: «لا تقتربي منّي ولا من إيرفاين في المدرسة.» فلم يجتمعا قط، غير أنه كلّما تقاطعت مساراتهما في الممرات، تعمّدت ويلمي الاتكاء على إيرفاين مستعرضةً ودّهما.

— لو كنتِ أنتِ، يا ويلمي، كان أجمل.

كان إيرفاين يقول ذلك فتشعر ويلمي في كلّ مرة بسعادة بالغة.

وحين تجرّأت إحدى بنات الفيسكونت وسألت ويلمي لماذا تلصق نفسها بخطيب أختها، ردّت ويلمي ببساطة: «إذا كنتِ بهذه الحساسية تجاه آداب السلوك، فلماذا لا تذهبين للجلوس مع أختي إذن؟» وأقصتها من دائرة معارفها الاجتماعية. وكانت الفتيات اللواتي تحيط بها جميعًا في صفّها.

وبسبب الشائعات القبيحة التي كان يذيعها إيرفاين ويسيء من خلالها إلى إيولا، لم تكن لها تقريبًا أيّة صديقة في المدرسة. وربّما رأت ويلمي أحيانًا أختها في المكتبة برفقة ابن البارون المعدم، فجعلت إيرفاين يضع حدًّا لذلك.

— لا تُكلّم خطيبة رجل آخر دون إذن.

وكان إيرفاين يُصرّح بـ«ملكيّته» لها فقط في مثل هذه المواقف، متّخذًا من رابطةٍ لا يبالي بها درعًا يضمن بها بقاءها معزولة.

وبما أن إيولا كانت قد أُثقلت بأعباء متراكمة، كثيرًا ما تشاركتا عربةً واحدة إلى المكتبة لتستعير الكتب اللازمة لأعمال والدهما. إذ لم يكن لإيولا حقّ استخدام العربة بمفردها.

ومع منتصف السنوات الأكاديمية، كان والدهما يُكلّف إيولا بقدرٍ هائل من الأعمال الورقية والمهام في كوخها، ممّا جعلها دائمة الحرمان من النوم، وهو ما أضاف بالطبع إلى هيئتها المنهكة الباهتة.

وفي أحد الأيام، تجرّأ ذلك الابن للبارون — الذي يبدو أنه كان لا يزال يتحدّث إليها في السرّ — وأبدى رأيه:

— إذا كنتِ تكرهين إيولا بهذا القدر، فلماذا تُضايقينها إلى هذا الحدّ؟

لم يُعجب ويلمي ذلك المباشرة في عينيه، فأجابته بابتسامة باردة رقيقة:

— لأنّها أفضل بكثير من جبان كأنت.

كان شخصًا صغيرًا لا يستطيع حتى الردّ على إيرفاين.

وكان قد بات سرًّا مكشوفًا أن إيرفاين يتوسّل إلى كلتا الأسرتَين لتغيير خطيبته. وهدفه بالطبع كان ويلمي. كما أن والدَيها أيضًا كانا يسعيان إلى نقل مرتبة الوارثة من إيولا إلى ويلمي.

ومع ذلك، أظنّ أن ابن بارون معدم يعتقد أنه كفء لابنة كونت، مهما كانت مُضطَهدة؟ هكذا قيّمته، غير أنه بدا لسببٍ ما مفاجأًا نوعًا ما من كلمات ويلمي.

(لأنه لو شُكّ ولو قليلًا في عفّة إيولا، لن تُباع بثمن مرتفع.)

طالما كانت ابنة كونت، ثمّة أماكن كثيرة تُباع إليها مهما بدت بائسة.

وفي أحد حفلات البحث عن مثل هذا المشتري، صادفت ويلمي صدفةً سيدَ السحر. كان رجلًا ذا جمال مُرعب وتعبير جامد يُقشعرّ منه البدن، يملك العيون البنفسجية ذاتها الدالّة على قوة سحرية عالية، تمامًا كأختها. ولم يُبدِ أيّ اهتمام بويلمي البتّة، فعلى الرغم من وجهه الجذّاب ومكانته، لم يهمّها الأمر — بيد أنه لأمرٍ ما أثار ذلك أعصابها. وكان إيرفاين قد أساء فهم نظرتها إليه، فانتفخ وسألها: «هل افتتنتِ برجل غيري؟» فاضطرّت للاتكاء عليه ومداراته ببعض الدلال لإعادته إلى مزاجه الجيّد.

بعد ذلك، مضت ويلمي على ما اعتادت عليه.

جالت على المحلّات بحثًا عن الحُليّ والفساتين مع أمّها، وأمرت خادماتها بالاعتناء ببشرتها، وصقلت جمالها أكثر. كانت الحياة تتطلّب مالًا لتُصان، لكن إيجاد مشترٍ لأختها في الحفلات كان أمرًا عسيرًا — كانت تبدو في حالٍ يرثى لها.

فضلًا عن ذلك، لم تكن ويلمي لتسمح لنفسها بأن تتراجع درجاتها عن أختها، بصرف النظر عن جمالها وشعبيّتها. كان على ويلمي أن تتفوّق على أختها في كلّ شيء. فعرضت على إيولا صفقة. لأنها كانت تدرك تمامًا أن إيولا أذكى منها.

— يا أختاه. سلّمي كلّ تقاريرك باسمي، وأنا سأُسلّم تقاريري باسمك.

لم يكن لإيولا حقّ رفض «طلب» ويلمي الذي جاءها بابتسامة حلوة. وكانت ويلمي لا تزال تؤدّي الاختبارات الكتابية بنفسها، لكن بين إيولا المحرومة من النوم المثقلة بأعمال العزبة، وويلمي التي تمتلك وقتًا حرًّا وفيرًا وتُسلّم تقاريرها كيفما اتّفق، كانت الأفضليّة الواضحة لويلمي.

في نهاية المطاف، دفعت ويلمي أفكارها عن أختها — التي استُهلكت من قِبل والدها وويلمي، وخسرت كلّ شيء في الحفل، ثم بيعت — إلى زاوية بعيدة من ذهنها، وقضت الأشهر الستة التالية تستعدّ لزفافها.

ثم سمعت ذات يوم إشاعة.

مفادها أن إيولا ظهرت في حفل مع سيد السحر، وأن بينهما ألفةً واضحة. وضحكت ويلمي من حديث تحوّلها إلى جمال لا يُعرف له وصف. وضحك إيرفاين هو الآخر قائلًا: «مستحيل هذا.»

لكن بعد ذلك، ذهبت ويلمي إلى المحلّ لتفصيل فستان زفافها، فوجدت أختها هناك.

كانت إيولا قد استعادت شعرها الفضّي المتدفّق، وعينَيها البنفسجيّتَين، وبشرتها المُضيئة. وبدت بنيتها أكثر صحّةً بكثير. وكانت تقف بهدوء بجانب سيد السحر ذي الجمال الجليدي.

— هل هذه… إيولا…؟ لا يُعقل… — تمتم إيرفاين مذهولًا. ودخل الاثنان إحدى محلّات الأزياء الراقية، وحتى بعد انصرافهما، بقي إيرفاين مشغول البال بها. وتجاهلته ويلمي المُتضايقة.

منذ رحيل إيولا، باتت ويلمي مُضطرّةً للمساعدة في أعمال والدها، وبدأ يُلحّ عليها بعدم الإنفاق الزائد. صارت الحياة أكثر انشغالًا وأشدّ ضيقًا. وبات الشجار بين والدَيها لا ينقطع.

كانت دائمة الإرهاق، والبيت كان متوتّرًا، وعلاقتها بإيرفاين لم تسِر على ما يرام. كلّ ذلك غذّى مزاجها الكئيب. ومع اقتراب الزفاف، بدت روحها ترتفع قليلًا.

وحينذاك وصلت الدعوة. إلى جانب طلب سيد السحر لمناقشة مهر إيولا — الذي لم يُدفع قط رغم المطالبات المتكرّرة — كانت هناك دعوة لحفل ليليّ احتفالًا بخطوبتهما.

فتزيّن الوالدان وويلمي بأبهى حُلّة وتوجّهوا إلى عزبة سيد السحر. غير مدركين اليأس الذي ينتظرهم. ولا يزالون يعتقدون أن ثمّة أملًا.

***

لسببٍ ما، كان قد اجتمع في الحفل عددٌ كبير من الناس.

كانت ثمّة وجوهٌ من حاشيتها القديمة في الأكاديمية، وابنة الفيسكونت التي نصحتها يومًا، وحتى ابن البارون المعدم. وكان ثمّة من يبدو أنهم أولياء أمورهم، وبعض النبلاء رفيعي المقام ممن يعرف الجميع وجوههم.

وفي نهاية المطاف، تقدّم المضيف، سيد السحر، الذي كان يُحيّي الضيوف منفردًا، وأطلق إعلانًا:

— اسمحوا لي أن أُقدّم خطيبة بيت أورميراج.

وبينما قال ذلك، أمسك بيد إيولا وأقبل بها. كانت أنيقةً بشكل لا يُصدَّق، تتزيّن برداء ساحر. ودبّت في القاعة همهمة، وهمس الناس أنها تبدو كالإلهة. ثم انطلقت الرقصة الأولى بين إيولا — نجمة الأمسية — وسيد السحر.

أطلق الحاضرون جميعًا زفرةً مندهشة، مسحورين بما يكتنف رقصتهما من رشاقة خالصة.

اتّسعت عينا والدها من الصدمة. وحملقت والدتها في إيولا بعيون مليئة بالحقد. وأدام إيرفاين النظر إلى إيولا كأنّه غير قادر على صرف بصره، وعلى وجهه تعبيرٌ من الندم، كمن أدرك حجم الكنز الذي أفلت من يديه.

وحين انتهت الرقصة وأتمّ سيد السحر تحيّاته، انفجرت القاعة بالمديح. ورأت ويلمي ابنةَ الفيسكونت وابنَ البارون يقفان بجانب إيولا بطبيعيّة تامّة، كحرس شرفيّ تقريبًا.

تقدّمت ويلمي، على شفتيها ابتسامة.

— يا إلهي، يا أختاه… ألا تشعرين بالخجل وأنتِ محاطة بأشخاص من هذه المكانة الدنيّة؟ ذلك يُخفّف من الوقار الذي حاولتِ اصطناعه بهذا الرداء.

أطبق الصمت على القاعة.

ألقت ابنة الفيسكونت وابن البارون نظرات باردة على ويلمي. لكن أشدّها برودةً كانت عينا سيد السحر البنفسجيّتان المائلتان إلى الزرقة، وهما الآن مُصوَّبتان نحو ويلمي.

وخفضت إيولا عينَيها بحزن عند تعليق ويلمي.

— ويلمي… هؤلاء أصدقائي الأعزّاء. أرجوكِ لا تتحدّثي عنهم هكذا.

— أوه، أليس هذا هو الواقع؟ ابنة فيسكونت لا تملك سوى جرأتها، وابن بارون جبان. حسنًا، ربّما هم مناسبون لأخت لا تليق أصلًا بجانب اللورد إيدس.

— أخرسي، ويلمي أرنست.

قاطعه صوتٌ كالصفر المطلق، فأُغلق فمها تلقائيًّا.

— أتظنّين أنكِ تستطيعين إهانة إيولا في هذا المكان وتنجين بفعلتك؟

— يا إلهي، ماذا تعني، يا لورد إيدس؟ لم أكن سوى أُقرّر الحقائق.

تكلّمت ويلمي بابتسامة مُتملّقة، لكن إيدس لم يُحرّك من قناعه الحديديّ عضلةً واحدة وتابع بنبرة مستوية:

— لا أتذكّر أنني أذنت لكِ باستخدام اسمي. — أيّتها الحمقاء التي لم تفعلي سوى تعذيب إيولا.

ازداد ابتسام ويلمي عمقًا عند تلك الكلمات.

— أوه، لا بدّ أنك مخطئ، يا لورد إيدس. لم أُعذّب أختي قط. لا أعرف أيّ أكاذيب أطعمك إيّاها أحدهم…

وضعت يدها على خدّها بنظرة قلق حقيقيّ، وألقت نظرةً نحو إيولا والاثنَين الآخرَين.

— قلت لكِ لا تستخدمي اسمي. يبدو أنكِ أصمّ أيضًا. لقد انتهيت بالفعل من التحقيق في كلّ خطيئة ارتكبتها عائلتك.

— أرجوك لا تقل أشياء مُرعبة كهذه. نحن لم نفعل شيئًا. أليس كذلك، يا أبي؟ يا أمّي؟

وحين التفتت ويلمي إليهما لتستجلب تأييدهما، وجد والداها قليلًا من الجرأة ومالا برأسَيهما بحماس.

— صحيح، يا سيد السحر! لم نسئ قط معاملة إيولا!

— بل العكس، نحن من أُرهقنا بسبب تلك الفتاة التي أنفقت أموالنا دون أن تعمل طرفة عين!

— حقًّا، إيولا! مجرّد أنكِ نظّفت نفسك بخداع سيد السحر وجعلته يشفق عليك لا يعني أن طباعك قد تغيّرت!

غير أن كلماتهم لم تُحرّك في سيد السحر ساكنًا. بل ضيّق عينَيه بدلًا من ذلك، وارتسم على شفتَيه شبه ابتسامة قاسية.

— آه. حسنًا. إذن، كتسلية، سأفضح جرائمكم واحدةً واحدة.

عند تلك الكلمات من إيدس أورميراج، سيد السحر…

ارتجفت ويلمي من نشوةٍ آتيةٍ من أعماق روحها، مُكرِهةً نفسها على إخفاء الابتسامة التي كادت تنفجر على وجهها.

الآن، ستبدأ المحاكمة.

— كلّ ذلك وفق خطّة ويلمي.

🎉

انتهى الفصل 1

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك