الفصل 5

“أنا سأتولى أمرهم، لذا اهتموا بالمصاب أولًا.”
قالت تشوي يورا ذلك بإقتضاب، ثم لوّحت بسلسلتها.
تشاااااااااااراك!
تشاااااااااااخ!
كانت قوة السلسلة مرعبة بكل معنى الكلمة.
“كيك!”
“كيااااك!”
ذابت الوحوش أمامها كما لو كانت مجرد كاتشب.
كانت تلفّ السلسلة حول ثلاثة وحوش دفعة واحدة وتسحقها بها، وكان منظرًا ممتعًا إلى درجة يصعب معها صرف النظر عنها.
‘هكذا يكون المهاجم الحقيقي.’
شعرت عيناي بشيءٍ من الحنين وأنا أنظر إلى تشوي يورا.
تلك القوة الهجومية الكاسحة، التي تكتسح الأعداء بضربات حاسمة ومبهرة، كانت تحديدًا ما تمنّيته بشدة في حياتي السابقة.
فقد استيقظتُ آنذاك على فئة غير قتالية، ولهذا لم أتمكن ولو لمرةٍ واحدة من اكتساح الأعداء بهذه الطريقة.
حتى تقنيات الهجوم التي يمتلكها الصيادون من الفئات غير القتالية كانت تكاد لا تؤثر في الوحوش من فئة النجوم الثلاث أو أعلى، ولذلك لم يكن بوسعي حتى أن أحلم بمذبحةٍ كهذه.
لم يكن بوسعي سوى مشاهدة صيادين مثل تشوي يورا وهم يكتسحون الأعداء، بينما أواصل القيام بما عليّ فعله بصمت.
“كح… كح كح!”
تسلل صوت سعال الحارس إلى أذني.
استعدتُ وعيي على الفور واقتربتُ منه.
“لا تفقد وعيك. افتح عينيك جيدًا، مفهوم؟”
هزّ رأسه بصعوبة.
“سأوقف النزيف الآن، ثم سأرش عليكَ جرعة من الجرعات العلاجية. لن تموت، فلا تقلق. سأخرجكَ من هنا مهما كلف الأمر، لذا اصمد حتى النهاية. مفهوم؟”
واصلتُ الحديث معه حتى لا يفقد وعيه، وأخرجتُ الأدوات الطبية من حقيبة الإسعافات الأولية.
ارتديتُ قفازات لاتكس طبية، ثم سكبتُ بيروكسيد الهيدروجين على موضع جرحه وطهّرته.
بعد ذلك، سكبتُ عليه أيضًا جرعة لإستعادة الحيوية، وهي محلول مصنوع من مزج مادة مستخلصة من دماء وحش معيّن بعد تنقيتها، مع مكوّنات مستخلصة من نباتات تنمو داخل الزنزانات الواقعة في البوابات. كان الهدف منها تحفيز الجرح على التعافي بسرعة.
وأخيرًا، خيطتُ موضع الجرح، ثم ساعدته على النهوض.
“هاه؟”
بدأت عيناه تنغلقان ببطء.
صفع، صفع.
ربّتُّ على خده عدة مرات لأوقظه.
“لا تفقد وعيك. ركّز. لقد أوشكنا على الوصول.”
“كُح…”
“أيها الوغد! هل تريد أن تموت هنا؟ ما اسمك؟”
“كُخ…”
“أقول لك، ما اسمك؟”
“كيم… دو… هيون…”
“دو ماذا؟”
“دو-هيون…”
“حسنًا، يا دو-هيون. افتح فمك. قل: ‘آه’.”
“لكن…”
“…؟”
“كم عمرك…؟ كنتَ تتحدث معي بصيغة غير رسمية منذ قليل…”
‘يا له من شخصٍ مضحك.’
في خضم كل هذا، هل العمر هو المهم فعلًا؟
“أنا في الرابعة والثلاثين.”
لحظة… ألم أكن في الرابعة والعشرين في هذه الفترة من حياتي؟
لكن، ما علينا.
“تحدث معي بصيغة غير رسمية…”
“…”
حدّقتُ فيه للحظة، ثم أمسكتُ بفمه وفتحته بالقوة.
“قل: آه. افتح فمك.”
“آه.”
“ابلع. هذا مضاد حيوي.”
دفعتُ الحبة إلى عمق حلقه، ثم سقيته جرعة من جرعات استعادة الحيوية أيضًا.
كان سبب إعطائه المضاد الحيوي هو الوقاية من خطر الإصابة بعدوى محتملة.
ولحسن الحظ، لم تكن الوحوش تحمل فيروسات جديدة أو ما شابه، لكنها كانت أشبه بكتلٍ متحركة من البكتيريا والجراثيم.
فحتى لو أمكن علاج الإصابات الخارجية بطريقةٍ أو بأخرى، كان الكثيرون يموتون بسبب أمراض مختلفةٍ ناجمة عن العدوى البكتيرية أو بسبب تعفّن الدم، لِذا لم يكن إعطاء المضاد الحيوي خيارًا، بل ضرورة.
“كُخ!”
ورغم أنه كان يعاني بشدة، بدا أنه يريد أن يعيش بأي ثمن، فظل يبتلع المضاد الحيوي والجرعة العلاجية بصعوبة.
“هاها.”
انفلتت مني ضحكة خفيفة.
كان اسمه كيم دوهيون، أليس كذلك؟
شعرتُ أنه يتمتع بغريزة بقاء قوية بقدر عزيمته.
“هل بدأتَ تستعيد وعيك؟”
“نعم، أشعر بتحسنٍ قليل.”
ربما بفضل جرعة استعادة الحيوية، لكن بدا وجهه أفضل بشكلٍ ملحوظ.
قبل قليل فقط، كان على وشك فقدان وعيه تدريجيًا.
“إذا كنتَ قد استعدتَ وعيك، فإنهض. هيا.”
“شكرًا لك.”
أمسك بيدي التي مددتُها إليه، ثم نهض مستعينًا بها.
ربما كان ذلك بسبب فقدانه الكثير من الدماء، إذ بدا عليه بعض الدوار، لكن لم يكن هناك مجال لإجراء نقل دم، فلم يكن أمامه سوى التحمل.
“أنت بارع في القتال، وحتى الإسعافات الأولية تتقنها. هل أنتَ عسكري في الخدمة الفعلية؟”
اقتربت مني تشوي يورا، التي كانت قد قضت على جميع الوحوش في غمضة عين، وسألتني.
“لا، أنا مدني.”
أجبتها بإبتسامةٍ عريضة.
كان من المفرح حقًا أن ألتقي بمن أنقذ حياتي في الماضي بعد كل هذا الوقت.
وفوق ذلك، فهي لم تنقذني مرة واحدة، بل مرتين، لذا كنتُ أشعر بإمتنان عميق لها.
“ألا ترى أن أسلوبكَ جاف قليلًا مع الشخص الذي أنقذ حياتك؟ ويبدو أنكَ أصغر مني سنًا أيضًا.”
قالت تشوي يورا ببرود.
أنتِ من بدأتِ التحدث معي بهذه الطريقة أصلًا.
“عمري أربعة وثلاثون. وأنتِ؟”
“…”
أغلقت تشوي يورا فمها ولم تجب.
***
كان الأمر قد وصل إلى حدٍّ خطير قليلًا، لكن يمكنني القول إن كل شيء كان يسير وفق الخطة حتى الآن.
أنقذتُ الزوجين اللذين يعيشان في الشقة نفسها ولم يسبق لهما أن التقيا بي وجهًا لوجه، وتمكنتُ من إنقاذ دو-هيون أيضًا، لكن ذلك في الحقيقة لم يكن مهمًا إلى حدٍ كبير.
المهم كان لقائي بتشوي يورا.
فهل يُعقل أنها كانت ستأتي إلى منزلها رغم معرفتها مسبقًا بأن انتقال البوابة سيحدث؟
كانت تشوي يورا أهم قطعة في الخطة لصنع موقف يشبه قدر الإمكان الظروف التي كنتُ فيها عندما أيقظتُ قوة الصياد في حياتي السابقة.
بالطبع، كان بإمكاني محاولة تحفيز استيقاظي في مكانٍ آخر وبطريقة مختلفة، لكن ذلك كان سيكون خطيرًا للغاية.
فالفرق بين أن تكون قادرًا على توقع المتغيرات أو ألا تكون، وبين أن تتمكن من التحكم في مجريات الأمور إلى حدٍ ما أو لا تتمكن، شاسع كالفارق بين السماء والأرض.
لقد عدتُ إلى الماضي بعد كل هذا العناء، ولم أكن مستعدًا لأن أموت عبثًا دون أن أتمكن حتى من إيقاظ قدراتي.
ولو متُّ فور استيقاظي مباشرةً، فسيكون ذلك ظلمًا لدرجة أنني لن أستطيع حتى أن أغمض عيني بسلام.
“سيبدأ القصف قريبًا. علينا التحرك بسرعة.”
“مفهوم.”
ساندتُ دو-هيون وسرت خلف تشوي يورا.
“عزيزتي، تلك الفتاة هي نفسها، أليس كذلك؟”
“يبدو أنها هي.”
“يا إلهي… كيف يمكن لفتاة شابة وجميلة بهذا الشكل أن تكون قويةً إلى هذه الدرجة؟”
“لا بد أنها صيادة.”
سمعتُ الزوجين يتهامسان بشأن تشوي يورا.
كانت تشوي يورا من الصيادين المصنفين تقريبًا ضمن الجيل الرابع. لم تكن من فئة المتصدرين في التصنيف، لكنها كانت معروفة إلى حدٍ لا بأس به.
وفوق قوتها، كانت تتمتع بذلك السحر المميز ذي الطابع المثير، إلى جانب وشومها الفريدة التي تغطي جسدها بالكامل، واسمها الحركي الرائع [ماري الدموية]، وكل ذلك ساهم بشكلٍ كبير في شهرتها، على حد ما أتذكر.
“لقد أوشكنا على الوصول، فليصمد الجميع قليلًا بعد.”
تشاااااااااااااراك!
لوّحت تشوي يورا بالسلاسل الملفوفة حول كلتا يديها، وشقّت طريقها بلا تردد.
وحين لم يتبقَّ سوى نحو خمسين مترًا للخروج من منطقة الانتقال…
‘هذا أسرع مما ينبغي.’
“لحظة.”
أوقفتُ تشوي يورا.
“لنسترح قليلًا قبل أن نتابع.”
“لماذا؟ هل تعبت؟”
“قليلًا؟”
كنتُ أتعمد التحرك ببطء، لكن كانت خطوات تشوي يورا أسرع مما توقعت.
“تحمّل.”
قالت تشوي يورا ذلك بصوتٍ صارم.
“ألم أقل لك؟ القصف سيبدأ قريبًا.”
“أعرف، لكن…”
تشاااااااااااراك!
انطلقت سلسلة تشوي يورا، ومزقت الأرض أمام قدمي مباشرةً.
“تحرك إن كنتَ لا تريد أن تموت.”
“…”
“هيا.”
‘يا لها من سليطة اللسان.’
التحرك بسرعةٍ أكبر سيجعل الوضع أخطر بدلًا من أن يحسّنه. آه…
لكن المشكلة أنني الآن لا أملك أي وسيلة لإجبار تشوي يورا على إبطاء خطواتها.
وبالتأكيد، لم يكن ذلك ليختلف حتى قبل عودتي إلى الماضي.
كانت تشوي يورا مهاجمة، بينما لم أكن أملك أي مهارة هجومية تُذكر، بما أنني كنتُ مجرد داعم.
‘هل أرفع فوهة البندقية في وجهها على الأقل؟’
رفعتُ الفوهة ببطء ووجهتها نحو تشوي يورا، لكن انطلقت سلسلة نحوي فجأة.
‘ما… ما هذا؟’
“……!”
تشااااااااااااااااراك!
قبل أن أتمكن حتى من الاستجابة، مرت السلسلة بمحاذاة جانب رأسي.
كنتُ مصدومًا لدرجة أنني لم أستطع حتى أن أسألها كيف عرفت.
‘هل كانت تشوي يورا بهذا المستوى فعلًا؟’
كنت أنوي توجيه البندقية إليها لمجرد تهديدها، ومع ذلك استطاعت استشعار نية القتل؟
“اخرج وأنتَ ما زلتَ تملك فرصة. قبل أن أمزقك إربًا.”
“…؟”
“ليس أنت.”
أشارت تشوي يورا بذقنها، مطالبةً إياي بالتنحي جانبًا.
تراجعتُ على نحوٍ لا إرادي، وعندها رأيتُ الأعشاب تهتز في المكان الذي اتجهت إليه السلسلة، ثم بدأ أشخاص يرتدون أقنعة ضفادع بالخروج واحدًا تلو الآخر.
كانت أقنعة الضفادع التي يضعونها على وجوههم لشخصية مشهورة إلى حد ما تُدعى بيبي، أي [بيبي الضفدع].
بيبي الجوكر، وبيبي الباكي، وبيبي الغاضب، وبيبي المبتسم، وغيرها.
زحفت ضفادع بأشكال وألوان مختلفة من بين الأعشاب، وأحاطت بنا من كل جانب.
“ماذا؟ يبدو أن نهب بعض البيوت الخالية لم يعد يشبع نهمكم. أيها الأوغاد المقززون، يا لصوص السحب!”
ابتسمت تشوي يورا ابتسامةً باردة.
[لصوص السحب].
كانوا نوعًا جديدًا من المجرمين بدأ بالظهور قبل نحو ثماني أو تسع سنوات من هذه الفترة.
وكان موطنهم الرئيسي هو المدن.
عندما لا يكون لديهم ما يفعلونه، يتركون دراجاتهم النارية مركونة في مكانها، ويتنصتون على اتصالات الجيش والشرطة اللاسلكية، أو يخترقون كاميرات المراقبة، أو يطلقون طائرات مسيّرة لمراقبة ظواهر الإنتقال.
لكن ماذا يحدث عندما تقع ظاهرة انتقال؟
يتوجهون فورًا إلى المنطقة على متن دراجاتهم النارية، ثم ينهبون المنازل الخالية، ويرتكبون شتى الجرائم، من القتل والإغتصاب إلى إشعال الحرائق.
ومن أساليبهم المعتادة، على سبيل المثال، الإعتداء على الضحايا وتهديدهم ثم سلب أموالهم وممتلكاتهم، أو تحويل الأموال إلى حساباتٍ مصرفية تُستخدم كواجهة لإخفاء مصدرها.
يمكن القول أنهم أشبه بقطاع طرق من العصر الحديث، أنجبتهم هذه الحقبة. ولعل أفضل وصف لهؤلاء اللصوص هو أنهم ضباع تعيش بين غابات الأبراج الإسمنتية.
“كيكي، كيكي!”
ارتسمت على وجه الرجل الذي يرتدي قناع بيبي الجوكر ابتسامة مقيتة.
“تبا! انظروا إلى هذه المرأة. هي بالكاد من فئة الأربع نجوم، ومع ذلك تتحدث بتلك الوقاحة.”
“هذه المرأة؟”
“أجل، أنتِ أيتها المرأة.”
قهقه بيبي الجوكر بإستخفاف.
“يبدو أنكِ تظنين أننا مجرد حفنة من الحمقى الذين يمكن إخافتهم بسهولة. لكن من تظنين نفسك؟ أتعتقدين أننا سنرتعب من أمثالك؟ كيكي، كيكي، كيكي!”
“كياهاهاهاها!”
تعالت ضحكات الضفادع من حوله، وكانوا جميعًا يتصرفون بثقة مفرطة، وكأنهم قد ضمنوا النصر بالفعل.
وكانت عصابة لصوص السحب هذه تملك من القوة ما يكفي لتبرير ثقتها بنفسها.
فهؤلاء لم يكونوا مجرد مجموعة من غير المستيقظين.
فمن بين الضفادع الذين يقارب عددهم العشرة، كان سبعة أو ثمانية منهم من المستيقظين، ما جعلهم قوة لا يُستهان بها.
بهذا العدد والقوة، كان من الصعب ضمان نجاة تشوي يورا مهما كانت صيادة من فئة الأربع نجوم.
ولم يكن هذا مجرد تخمين مني، بل كان مبنيًا على تجربة عشتها بنفسي.
ففي حياتي السابقة، أُصيبت تشوي يورا فعلًا بجروح بالغة الخطورة، حتى أنها كانت تتأرجح بين الحياة والموت.
لو لم أكن قد استيقظتُ وحملتها على ظهري وركضتُ بها، لكانت تشوي يورا قد لقيت المصير نفسه؛ كانت ستتلقى القصف مع جثث عصابة لصوص السحب التي قتلتها، ثم تتحول إلى حفنة من الرماد وتتلاشى.
ارتسمت على طرف فم تشوي يورا ابتسامة مخيفة.
“ممتع.”
تقدمت تشوي يورا نحو الضفادع.
“حسنًا، يعجبني هذا. إذا كنتم تريدون ذلك إلى هذه الدرجة، فسأفعلها كما طلبتم.”
“أوه؟ ستفعلين؟ ماذا؟”
“سأقطع لكم ذلك العضو وأحشره في حلوقكم…”
بانغ!
“آآآغه!”
مع دويّ الطلقة، تلقّى أحد الضفادع الرصاصة وسقط متدحرجًا.
“أي ابن كلب فعلها؟!”
أنا. ولماذا؟
“آآه!”
“أيها الوغد المجنون!”
دْرْرْرْرْرْرْرْرْرْرْك!
جاء الرد على هيئة وابل متواصل من طلقات بندقية الكاربين، بعدما أطلقتُها بوضعية الرمي الآلي الكامل.
“اخفض رأسكَ واركض!”
صرختُ بأعلى صوتي، ثم أمسكتُ بدو-هيون وسحبته معي إلى خلف صخرة قريبة، حيث احتمينا من وابل الرصاص.
***
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡
تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1
💬 المناقشة