الفصل 30

لم أكن أعرف حتى أنا بالضبط كيف مات جونغ هو-بين.

في ذلك الوقت، كنتُ شبه فاقدٍ لصوابي بسبب موت أبي، ولم يكن لديّ متسع من الوقت لأهتم بما يجري في العالم، إذ كنتُ منشغلًا برعاية أمي وتلك الفتاة، يونها.

كل ما أعرفه هو أن ظاهرة انتقال هائلة وقعت في المنطقة المحيطة بجيبدو، حيث يقع مركز التدريب الخاص للقوات الخاصة، وأن جونغ هو-بين لقي حتفه بعدما جرفته تلك الظاهرة.

بالطبع، كنتُ أعرف بعض المعلومات المتفرقة أيضًا…

“يقولون أن المرء يلقى ما لا يتمناه في اليوم الذي لا يتمناه فيه. يا لها من مصادفة أن أكون في الدفعة نفسها مع جونغ هو-بين.”

كان وجود را شي-هيون وحده كافيًا لمفاجأتي، والآن اكتشفتُ أنني في الدفعة نفسها مع رجل سيموت قريبًا.

شعرتُ بصداع بدأ يؤلمني منذ الآن.

‘هل ينبغي لي أن أنسحب حتى…؟’

بحسب ما أعرفه، فإن ظاهرة الإنتقال الهائلة التي وقعت في جيبدو لم تكن أمرًا يمكن الإستهانة به إطلاقًا.

فمن المؤكد أن التدرب في هذه الدفعة ينطوي على خطر لا يمكن إنكاره، إذ قد ينتهي بي الأمر ميتًا إن ساءت الأمور وانجرفتُ أنا أيضًا في الظاهرة.

‘عليّ أن أفكر في الأمر قليلًا، لأقرر ما سأفعله.’

وبينما كنتُ أفكر في ذلك، فتحت را شي-هيون فمها مجددًا.

“أيها الجندي.”

“تفضلي، آنسة شي-هيون.”

“أنتَ تعرف أنني ساحرة، أليس كذلك؟”

“نعم، أعرف ذلك جيدًا.”

“أليس من الطبيعي أن تحظى الساحرة بمعاملة خاصة؟”

“معاملة خاصة… لقد وفرناها لكِ بالفعل. أما بقية الملتحقين، فنطلب منهم القدوم إلى المركز إما بالحافلة من نقطة التجمع، أو بإستخدام وسائل نقلهم الخاصة. لكننا أرسلنا لكِ مروحية، لذا لا يمكنكِ القول أننا لم نمنحك معاملةً خاصة.”

“لكن لماذا اضطررتُ إلى ركوب المروحية نفسها مع شخص من فئةٍ عادية؟ حتى أنه ليس ساحرًا!”

اشتكت را شي-هيون إلى النقيب إيم وهي تشير إليّ.

“يبدو أن هناك سوء فهم ما. هاها.”

“أي سوء فهم؟ كيف يمكن أن تكون هناك مشكلة في معاملة ساحرة مثلي بالطريقة نفسها التي يُعامل بها شخص يمتلك فئةً لا قيمة لها؟”

“همم.”

فكر النقيب إيم للحظة، ثم فتح فمه.

“أعتذر حقًا عن قول هذا، لكن الحقيقة أن المروحية لم تُجهَّز من أجلكِ يا آنسة شي-هيون.”

“ماذا تقصد؟”

“إذا تحدثنا عن الأولوية… فالآنسة شي-هيون تأتي في المرتبة الثانية، أما الأولوية فهي للسيد تشا يون-سونغ، صيادنا المرتقب الموجود هنا.”

“ماذااا؟!”

“وبعبارةٍ أدق، كانت المروحية مخصصة لنقل السيد تشا يون-سونغ، وانتهزنا الفرصة لإصطحاب الآنسة شي-هيون معه. لم تكن مروحية قد أُرسلت من البداية خصيصًا من أجلكِ.”

“إذًا… إذًا…”

ارتجف صوت را شي-هيون.

“هل تقول أن هذا الشخص أهم مني؟ أهم من ساحرة؟”

“هذا صحيح.”

“مستحيل!”

رفضت را شي-هيون الأمر بشدة.

“هناك فئة أهم من الساحر؟ ما هي بحق؟ ما فئة هذا الشخص حتى يكون أهم مني؟”

“هذا أمر لا يمكننا إخبارك به لأسباب أمنية.”

وضع النقيب إيم حدًا للحديث.

“لكن ما يمكنني تأكيده هو أنكِ شخص مهم أيضًا يا آنسة شي-هيون، إلا أن إدارة استراتيجية الدفاع تعامل السيد تشا يون-سونغ، الصياد المرتقب الموجود هنا، بإعتباره الأولوية القصوى.”

وبينما قال ذلك، غمز لي النقيب إيم.

“……”

حدقت را شي-هيون بي طويلًا، وكأنها عاجزة تمامًا عن تصديق ما تسمعه.

أما أنا فتجاهلتها ببساطة، ومضيتُ مع النقيب إيم.

“هل استمتعتَ بعطلة نهاية الأسبوع؟”

“ذهبتُ مع عائلتي إلى مكانٍ جميل وتناولنا الطعام في الخارج وما إلى ذلك.”

“ألم تواجه أي متاعب بسبب تعرف الناس إليك؟”

“حدث ذلك قليلًا، لكنهم اكتفوا بالهمس فيما بينهم، فلم يكن الأمر مزعجًا إلى هذا الحد.”

“هاها. هذا جيد إذًا.”

سمعتُ صوت طحن الأسنان خلفي، وشعرتُ بنظرات را شي-هيون الحادة تخترق ظهري، لكن ماذا يهمني؟

كيف تجرؤ ساحرة مثلكِ…

***

“هذا هو المكان الذي سيقيم فيه كلاكما من الآن فصاعدًا.”

أخذني النقيب إيم مع را سي-هيون إلى مكان يشبه عنبر المعيشة.

كان هناك ما مجموعه ستة أقفاص كبيرة، يحتوي كل واحد منها على سرير ميداني وخزانة شخصية، بينما وُضعت في المنتصف طاولة كبيرة وكراسٍ.

كان المتدربون والمدربون على حدٍ سواء يسمون هذه الأماكن “الأقفاص”، لكننا لم نكن نأكل أو ننام فيها.

فالقفص كان بمثابة غرفة معيشة مشتركة للمتدربين المرتقبين الذين ينتمون إلى الفريق نفسه.

“لقد تم تعيينكما في فريق برافو. ستتدربان خلال الأسابيع الخمسة القادمة برفقة أربعة صيادين مرتقبين آخرين.”

فريق برافو ليس سيئًا.

في مركز التدريب الخاص للقوات الخاصة، يتكون كل فريق من ستة أشخاص.

وتُسمى الفرق بالترتيب الأبجدي: ألفا، برافو، تشارلي، دلتا، إيكو، وفوكستروت.

وبحسب التقليد، كان فريق برافو في كل دفعة يضم أكثر المرشحين الواعدين الذين يُعلَّق عليهم أكبر قدر من الآمال، لذا كان تعييني أنا ورا شي-هيون في فريق برافو أمرًا طبيعيًا.

في الماضي، كنت قد عُيّنت في فريق K، أي فريق كِيلو.

“سأترككما لبعض الوقت. تحدثا وتعارفا قليلًا قبل وصول بقية الصيادين المرتقبين.”

ما إن ابتعد النقيب إيم حتى توجهت إلى القفص الموجود عند أقصى اليمين قرب النافذة، وتمددتُ على السرير الميداني.

“ها!”

أبدت را شي-هيون رد فعل يوحي بأنها لا تصدق ما فعلتُه، لكنني تجاهلتُ ذلك أيضًا بكل بساطة.

لا داعي لأن أستجيب لطفلة لمجرد أنها منزعجة.

‘صياد من فئة العشر نجوم يتلقى تدريبًا… ها.’

انطلقت مني ضحكة مكتومة من تلقاء نفسها.

قد يبدو مركز التدريب الخاص للقوات الخاصة، للوهلة الأولى، كمعسكر تدريب عسكري، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا.

فمركز التدريب الخاص للقوات الخاصة كان مكانًا يُدرَّس فيه، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز خمسة أسابيع، الحد الأدنى من المعارف والمهارات الأساسية التي يحتاج إليها المرء بصفته صيادًا، وبطريقةٍ مكثفة.

ولهذا لم تكن هناك مظاهر شكلية فارغة، ولا محاولات لا داعي لها لفرض الإنضباط العسكري، ولا تمارين عقابية أو ما شابه.

كان كل شيء تعليمًا، ثم تعليمًا، ثم المزيد من التعليم.

ومن الناحية المعيشية أيضًا، كان المكان ممتازًا إلى حدٍ كبير.

كان المتدربون يُجمعون مع أشخاص من الجنس نفسه ويُمنحون غرفًا لشخصين، كما كانت تُقدَّم ثلاث وجبات يوميًا على هيئة بوفيه من إعداد طهاة مَهرَة، وكان مسموحًا لهم بالخروج أو المبيت خارج المركز في عطلات نهاية الأسبوع.

وبإختصار، كان منهج مركز التدريب الخاص للقوات الخاصة ونظام المعيشة فيه منظمين ومصممين بعناية شديدة، ولذلك كنتُ أرى أنه دورة تدريبية أساسية لا بد لكل صياد مرتقب من إتمامها.

لكن ذلك ينطبق فقط على المبتدئين الذين لا يعرفون شيئًا، أما صياد مخضرم مثلي، فقد كان الأمر بالنسبة إليه أشبه بإضاعة للوقت.

ولعل هذا هو السبب في أن جسدي بدأ يترهل بشكلٍ غريب.

حتى أنني شعرتُ وكأنني تحولتُ إلى قطعة مارشميلو ذائبة…

‘ماذا؟ لماذا أشعر بالنعاس؟’

فجأة أصبحت جفوني ثقيلة كالرصاص، وأخذت عيناي تنغلقان من تلقاء نفسيهما.

‘أهذه متلازمة جنود الإحتياط؟’

بدأتُ أفهم قليلًا لماذا يصبح جنود الإحتياط في كوريا عاجزين عن الحركة كلما ذهبوا إلى تدريبات الإحتياط.

مع أنني في الواقع لم أملك سجلًا عسكريًا أصلًا، لأنني أصبحتُ صيادًا.

‘سأغفو حقًا إن استمررتُ هكذا…’

وبينما كنتُ مستلقيًا في حالة شبه نائمة، فُتح الباب، ودخل الصيادون المرتقبون الأربعة الآخرون إلى عنبر المعيشة.

“انتباه جميعًا.”

تحدث مدرب في منتصف العمر يرتدي قبعة حمراء.

“تشرفتُ بلقائكم. اسمي كيم سانغ-أونغ، وسأكون مدربكم المسؤول.”

ما إن سمعتُ اسمه حتى نهضتُ من مكاني.

المدرب كيم سانغ-أونغ.

كان صيادًا سابقًا في القوات الخاصة التابعة للبحرية، وأحد مرؤوسي أبي بفارق عدة دفعات.

كنتُ قد رأيته عدة مرات في طفولتي، ولذلك كنتُ أتذكره بوضوح.

“الصيادون المرتقبون الموجودون هنا جميعًا عُيّنوا في فريق برافو. وكما تعلمون، يضم فريق برافو في كل دفعة أكثر المرشحين الواعدين من حيث الإمكانات، لذا أبذلوا قصارى جهدكم لتكونوا قدوة للمتدربين في الفرق الأخرى. وأيضًا، لأغراض التدريب، قد أضطر إلى مخاطبتكم بصيغة غير رسمية أحيانًا. لذلك أرجو ألا تكرهوا المدرب كثيرًا، وأن تتعاونوا معي.”

وبينما كان المدرب كيم سانغ-أونغ يتفحصنا واحدًا تلو الآخر، التقت عيناه بعيني.

‘هاها…’

شعرتُ ببعض الحرج من فكرة أن أتلقى التدريب على يد أحد مرؤوسي أبي.

“حسنًا، سأعطيكم الآن مهمتكم الأولى. أمامكم ثلاثون دقيقة بالضبط لإختيار قائد للفريق.”

“وكيف سنفعل ذلك؟”

سأل أحد الصيادين المرتقبين الأربعة الذين دخلوا مع المدرب، وكان أضخمهم بنية.

“لا يهم. سواء بالتحدث، أو العراك بالأيدي، أو سحب القرعة… ما يهم هو أن تختاروا قائدًا للفريق خلال ثلاثين دقيقة.”

“وهل هناك شيء جيد لمن يصبح قائدًا؟”

نعم.

كانت هناك العديد من المزايا.

لكن تلك المزايا كانت تُمنح مقابل المسؤوليات الكثيرة التي تقع على عاتق قائد الفريق.

وفي النهاية، كان الأمر أشبه بخدعة مكاسب ظاهرية؛ لأن منصب قائد الفريق كان في الحقيقة أثقل بكثير من حيث مسؤولية القيادة.

فقراراته وتوجيهاته ستحدد مصير حياة أعضاء الفريق.

“مزايا، تقول؟”

ردد المدرب الكلمة وكأنه يتذوقها، ثم قال:

“ستحصل على امتيازات أكثر من أعضاء فريقك. في عطلات نهاية الأسبوع، سيُسمح لك بالمبيت خارج المركز دون قيود، كما لن تضطر إلى القيام بمختلف الأعمال الصغيرة.”

“هذا جيد، أليس كذلك؟”

“لكن لا تنسَ أن منصب قائد الفريق يحمل مسؤولية جسيمة. حسنًا، سأعود بعد ثلاثين دقيقة، لذا احرصوا على اختيار قائد قبل ذلك. انتهى.”

غادر المدرب كيم سانغ-أونغ، وساد الصمت.

كانوا جميعًا يلتقون للمرة الأولى، وفوق ذلك طُلب منهم اختيار قائد الفريق فجأة، فلم يكن أمامهم سوى مراقبة بعضهم بعضًا بحذر.

أما أنا فلم تكن لدي أدنى رغبة في أن أصبح قائدًا، لذا تراجعتُ خطوةً إلى الخلف وأخذتُ أتفحص وجوه هؤلاء المبتدئين.

صحيح أن الأمر مزعج، لكننا سنعيش معًا طوال الأسابيع الخمسة القادمة، ولذلك كنتُ فضوليًا لمعرفة نوع الأشخاص الذين سأتعامل معهم.

***

بادئ ذي بدء، كان الرجل الذي طرح السؤال على المدرب كيم سانغ-أونغ ضخم البنية، ونظراته شرسة، ويبدو من مظهره أنه معتاد على استخدام قبضتيه.

من الواضح أنه من فئة الحارس، أو فئة المحاربين.

أما الآخر، فعلى الرغم من نحول جسده، كانت ملامحه حادة ونظراته قاسية، ما جعلني أرجح أنه من فئة القتلة.

ثم جاء دور جونغ هو-بين، ويا لها من مصادفة.

‘ألم يقولوا أنه مهاجم بعيد المدى؟’

رغم كونه المغني الرئيسي لفرقة آيدول شهيرة، فقد استيقظ على فئة نادرة تحظى بمعاملة مميزة إلى حدٍ ما. يبدو أن من كُتب له النجاح سينجح مهما حدث.

أما الأخيرة فكانت فتاة جميلة المظهر، لكنها بدت خجولة بعض الشيء. لا بد أنها من فئة المساعدين، أي فئة الداعمين.

وإذا كانت داعمة عُيّنت في فريق برافو، فمن المرجح جدًا أنها استيقظت على قدرة متخصصة في حماية الحلفاء أو علاجهم.

ومع إضافة را شي-هيون، الساحرة، كان توازن فريق برافو بين مختلف الفئات ممتازًا فعلًا.

بالطبع، هذا إذا استثنينا أنا، صاحب الفئة المجهولة.

فحتى أنا كنتُ لا أزال في مرحلة اكتشاف فئتي.

“أنا أوه تاي-غون. من فئة المحاربين.”

كان الرجل الذي طرح السؤال على المدرب كيم سانغ-أونغ أول من تحدث.

ولأنني توقعتُ أنه سيتقدم ليصبح قائد الفريق، عدتُ إلى الإستلقاء على السرير الميداني.

بالنسبة إليّ، طالما لم تصبح را شي-هيون قائدة، فلم يكن يهمني من سيتولى المنصب.

لا ينبغي لشخص بالغ أن يتدخل في شجار الكتاكيت.

نعم، هذا هو الصواب.

“أنتَ هناك. أيها المستلقي.”

“……؟”

“تشا يون-سونغ، صحيح؟ تعال، لنتقاتل.”

“هل تقصدني؟”

“ومن غيركَ يوجد هنا اسمه تشا يون-سونغ؟ هل أنتَ من تيكنو مارت أم ماذا؟”

“إذا كنتَ تقصدني.”

“قلتُ تعال لنتقاتل، أيها الوغد.”

حدّق أوه تاي-غون بي بعينين جاحظتين، محاولًا استفزازي.

***

اشفيه هاد من أولها يبرز عضلاته (عالشخص الخطأ) 🙄

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡

تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1

🎉

انتهى الفصل 30

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك