الفصل 16
وإن كنت قد اخترعت قصة متقنة لأنجو من تلك الورطة، فإن قلبي في حقيقته كان يرتجف بشدة، ولم أزل تيبسة الأطراف حتى حين جلسنا. حين أمسك تانغ جانليه معصمي في الخارج أحسست ببعض الدفء الذي خفف الرعب. لكن حين جلست الآن وهدأ المكان عاد الذعر من آخره.
شربت الشاي الساخن وأحسست بتشجيعه يسري فيّ، قلبي دفئ في الداخل. هو دائمًا منتبه هكذا، لكنني لا يجب أن أنزلق في هذا.
لا يجوز أن أنسى نفسي؛ نحن أصدقاء.
بدأ الفيلم. أول ما ملأ العيون: كرة الأرض الزرقاء تغمرها فضاء لانهائي ساكن، ناعم وهائل في آنٍ واحد، جاذبيته سحبت نظري عليه. فريق العمل: شريكان، رجل وامرأة؛ ريان وماط. حين كانا يصلحان المعدات في الفضاء وصلهما إنذار: صاروخ روسي دمّر قمرًا صناعيًا قديمًا وأثار سيلًا من الشظايا بسرعة هائلة، تلاحقت الصدمات وامتلأ المدار بحطام الفضاء. ابتعدت ريان بفعل القوة، فانطلق ماط يلحق بها بحزمة الدفع على ظهره وربطها إليه بحبل. حين رأيت هذا، انفجرت دموعي، حبست بكائي خشية أن يضحك مني تانغ جانليه، لكن المناديل كانت تمتد إليّ.
لم تنعم بهما الأيام؛ بعد صعود شاق وصلا إلى محطة الفضاء، لكن قدم ريان التفت بالحبل وانزلق أوكسجينها ووقودها. لم يكن ما تبقى يكفي الاثنين. فاختار ماط من تلقاء نفسه أن يطلق الحبل ويمنحها فرصة النجاة الوحيدة. لم أفهم: لو بقي الخبير ماط، أليس احتمال النجاة أكبر؟ لكن في مواجهة الموت تبدو كل الحسابات هامشية، وكأن قلبي اتسع قليلًا.
نظر إليّ تانغ جانليه وكأنه أحسّ بشيء.
دخلت ريان المحطة فوجدت مركبة الإنقاذ مشلولة المظلة لا تستطيع العودة. يأسٌ يزحف إليها حتى فكّرت في الاستسلام، ثم في لحظة احتضار رأت خيال ماط يظهر لها يحثّها على المضي، فأشعل فيها شعلة الحياة.
تركت ريان مركبة الاتحاد السوفيتي المعطوبة وانطلقت نحو محطة تيانغونغ الفضائية الصينية القريبة، وركبت كبسولة الإعادة، ووسط أمطار الشظايا المتجددة أطلقت المركبة عن المدار، اخترقت الغلاف الجوي، هبطت في بحيرة، وبعد كفاح لا حد له خرجت من الكبسولة وسبحت وطلعت من الماء على الشاطئ. وقفت على الأرض الصلبة أخيرًا، وصل القدمان إلى الأرض، وانتهى كل شيء؛ نجاة من حضن الفجيعة وتحرر من وجع فقدان ابنتها.
انتهى الفيلم ومشاعري كالبحر في العاصفة؛ قلبي بعد الفيلم أكثر اضطرابًا مما كان قبله. صمت مفاجئ. أضيأت القاعة فجأة فوخز النور عيني. جلسنا دقيقتين بلا كلام، ثم نهض ومشى مع الجمهور الخارج، وظل تانغ جانليه يسير خلفي بهدوء ويحجبني أحيانًا عن ازدحام الناس.
وصلنا إلى الميدان المكشوف وأحسست بالشمس على جلدي وفي قلبي معًا. راقب تانغ جانليه وجهي بحذر وسألني بصوت ناعم: هل تريدين أن نجلس في مقهى؟ هذا ما أحبه في ابن الجنوب؛ الصوت دائمًا هادئ!
“نعود إلى الجامعة، أحسست أنني خرجت منذ زمن طويل.”
“تمام، يلّا، الحافلة كالمعتاد؟”
“نعم.” وما إن قلنا “الحافلة” حتى ابتسم كلانا. في تلك القصة الأخرى كنا نذهب نبحث عن مطعم في الشارع القديم؛ كنا ضائعَين أمام لوحة الحافلات حين دخلت حافلة المحطة وانتبهت إليها فاندفع الناس حولي وجرفوني معهم داخلها.
صرخت: “تانغ جانليه! تانغ جانليه! أنقذني!” صوتي في ذلك الشارع الصاخب كصرخة بعوضة. انتبه متأخرًا والحافلة المحملة تنطلق مسرعة. بعد ركوبي فتحت السائق فمه يصرخ: “لا تتزاحموا، لن يضيع أحد!” وأنا في نفسي: صحيح، لن يضيع أحد، بل ركبت زيادة عليهم…
التفتُّ بصعوبة شديدة نحو النافذة فرأيت تانغ جانليه يركض خلف الحافلة؛ تلك اللحظة لو لم يكن كل منا في ضائقة لكانت لوحة رومانسية من أجمل المسلسلات.
💬 المناقشة