الفصل 8
بعد انفصال تانغ جانليه انكسر قليلًا، ثم عاد إلى ما يشبه الحياة الاعتيادية: محاضرات، وكرة، وبحث عن المطاعم. ما إن يتصل بي حتى أنطلق معه، أسترزق من وجباته في الغالب، فهي أجرتي على المرافقة.
الزمن يمر مسرعًا؛ “مثل البرق” و”كلمح البصر” عبارات حفظتها في الثانوية باتت اليوم لها معنى ملموس.
شيء آخر يلفت نظري: كلما ذهبت إلى المكتبة ليلًا وعدت منها داهمتني كوابيس، صغيرة وكبيرة. تعودت عليها وأرجعت ذلك إلى التوهم النفسي من المرور بجانب بستان الأشجار في طريق العودة.
في تلك الليلة كالعادة أنهيت “يوليوس قيصر” وحزمت حقيبتي عائدة إلى السكن. توضأت وصعدت إلى سريرها العلوي أمسك الهاتف، ولا أدري متى غلبني النوم.
لا أعرف من كان، لكن يدين كانتا تعصران رقبتي، وجسدًا كله يرتمي فوقي، والهواء يشح في صدري. وفي الوقت ذاته سمعت زميلتي في السرير الأسفل تتحدث مع الزميلة في السرير الأعلى المقابل، ولا أعرف كيف انخرطت في حديثهما أنا. كل ما تفوهت به زاد الضغط على صدري وضاق النفس. بدأت أتضرع وأستغيث بالسماء والأرض وأصرخ طالبةً النجدة من زميلتي. وكلما استغثت خفّ الثقل واتسعت نافذة للتنفس، وما إن أصمت حتى يهوي الضغط ثانيةً. وهكذا دواليك حتى أنهكني التضرع وجف الصوت في الحلق، وفي اللحظة التي خيّل فيها أنني أختنق إلى الأبد انتفضت صاحية. كابوس من طراز شلل النوم؛ كنت أسمع عنه فقط، واليوم عشته لأول مرة.
أمسكت هاتفي وطلبت رقمًا. لا أعرف كيف، لكن الأمر جاء تلقائيًا وكأنني لم أختر، ورقم تانغ جانليه كان أول ما خرج.
“خيّل إليك في النوم؟”
“نعم…”
“لا تخافي.”
“أخاف…”
“لا تخافي، كله وهم!”
“حسنًا، أغلق الخط.”
على شاشة الهاتف رأيت: 02:20.
دينغ…
رسالة: سأحكي لك نكتة.
رسالة: كيف عرفت أنني لم أنم بعد؟
رسالة: أنا أعرف!
…
كانت الخشية كبيرة، لكن الإحساس بالحماية كان يلفها من كل جانب. وهكذا تبادلنا الكلام نثرًا وإشاراتٍ عشوائية حتى بدأ الفجر ينبثق. ودّعنا بعضنا وغلبنا النوم بعدها.
“أتريدين أن تعرفي كم نام أبو جانليه أمس؟” انقضّ الوجه الضاحك حين رأيني مندفعًا صوبي بعينين تلمعان فضولًا. كدت أصفعه، وماذا يهمني كم ينام؟
شرعت في تقليب عيني استنكارًا ثم انتبهت إلى ذاتي فجأة وأحسست بالتذنب.
“كم ساعة؟”
اثنتان؟
حين رأيت الوجه الضاحك يرفع أصابعه بشكل مريب ازداد شعور التذنب في نفسي.
“أمس لاعبنا حتى الواحدة والنصف، ثم في الثانية جاء اتصال وظل كذلك حتى السادسة صباحًا، ثم نام قليلًا وفي الثامنة استيقظ للمحاضرة.”
“هل أكل شيئًا على الإفطار؟ سأذهب أشتري له…”
“أنا أيضًا لا أزال جائعًا بعد هذا الكلام كله…”
“مقبول مقبول، ما الذي تريد؟ سأشتري كميات وفيرة.”
“الكعك بالشعير من المطعم الصغير في الطابق الثاني، وعصيدة اللحم والبيض من الطابق الأول… أو كما تريدين.”
“حاضر!”
يحق القول: الوجه الضاحك أحيانًا يفهم ما لا تقوله الكلمات.
منذ تلك المكالمة أدركت أنني لا أستطيع الاستمرار هكذا؛ الانزلاق تدريجيًا نحو الحب شيء لم يحدث في حياتي قط. ارتباك، قلق، أكره أن تقودني المشاعر كالبهيمة. ما العمل؟
💬 المناقشة