الفصل 3
يقال إن سبعة أشخاص يفصلونك عن أي إنسان على وجه الأرض. لم أكن يومًا أصدق أن العالم بهذا الضيق. غير أنني اختبرت صحة هذه النظرية داخل الحرم الجامعي الذي لا هو بالكبير ولا هو بالصغير، فإذا هي حقيقة لا جدال فيها.
ذلك اليأس الرتيب الذي يشبه الماء الراكد لم يسكن إلا السنة الأولى؛ من جهة لأن معظمنا حين التحق بالجامعة لا يزال يحمل عادات الثانوية في روحه، ومن جهة أخرى لأننا لم نكن نعرف بعد كيف ينبغي أن تبدو الحياة الجامعية. طوال محاضرات السنة الأولى تآلفنا نحن طلاب الفصول الثلاثة الأولى بعضنا ببعض؛ أحيانًا إذا كان أحدنا كسولًا أو مشغولًا ينادي الآخر ليجيب عنه في كشف الحضور. ومن أطرف ما حدث أن الأساتذة كانوا يكتفون أحيانًا باستدعاء أسماء فصل واحد فقط، مما أتاح للفصلين الآخرين فرصة التملص، وعمّق الألفة بين الفصول الثلاثة. وفي هذه الظروف تعرفت على ابنة بلدتي الأخرى: يان ونيا. يبدو الاسم على صورة فتاة ناصعة البياض متأنقة، لكن آيا الحقيقية كانت على النقيض تمامًا؛ بشرة داكنة وتهاون في المظهر، فوجدت فيها روحًا مثل روحي، وأحسسنا أننا قُدّرنا لبعض.
آيا في الفصل الثالث، وأنا في الفصل الثاني. غرفتها في الطابق السادس وغرفتي في الخامس، فكنت كثيرًا ما أتسلل إلى غرفتها للسهرة. لا أعرف كيف تبدو غرف الذكور، لكن غرف البنات فيها دفء وألفة؛ حين لا تكون هناك محاضرات تجد الجميع في بجاماتهن، وبعد أن توطدت صلتي بغرفة آيا باتت السهرات أكثر صخبًا ومرحًا. في غرفة آيا فتاة جميلة من سيتشوان، وكلما ذهبت إلى هناك وجدتها في مكالمة فيديو مع خطيبها. ذات يوم شدتني آيا بابتسامة خبيثة إلى السرير الأسفل المقابل لسرير الفتاة الجميلة، “شيانغ شياوبي جاءت!” قالت الفتاة وهي تطل من سريرها العلوي بابتسامة متشاكسة، ثم أمالت رأسها نحو الشاشة: “تانغ جانليه، اخرج! شريكتك جاءت، هاهاها!” لم أستوعب الأمر فورًا، رفعت قدميَّ على رؤوس أصابعي لألقي نظرة على الشاشة، فسمعت صوتًا من الجهة الأخرى: “الشريكة؟ ماذا تفعلين هناك؟” قالت الفتاة: “يا لها من صدفة رائعة! صديقي وشريكتك في السكن نفسه. مرة جلسنا جميعًا نتناول الطعام، وذُكرت أنتِ، وهكذا صرنا جميعًا نعرف بعضنا!” استمعت إلى حديثها وأنا أتعجب من غرابة الصدف، وفي الوقت نفسه أنّبت نفسي: “يا لها من مصيبة! لا أعرف ما الحماقات التي قيلت عني، هذه الجماعة كلها غير موثوقة، يا لي من تعيسة!” من تلك اللحظة فصاعدًا، كلما ذهبت إلى غرفة آيا سمعت الفتاة الجميلة تنادي تانغ جانليه ليطل على الشاشة. ظننت دائمًا أن بينهما تدبيرًا خفيًا يستخدمانني فيه ورقة ضغط، لكن لم يكن لديّ أي دليل.
جاءت السنة الثانية بما يرافقها من دوري رياضي سنوي في الخريف. بوصفنا أصحاب الملعب كان لا بد أن يكون لقسمنا الرياضي دور كبير في التنظيم؛ وإن كنت لا أعرف بالضبط ما سأقدمه، فعلى الأقل سأكون ضمن المتطوعين. المشي في الصفوف، تنظيم النظام، توزيع بطاقات الأرقام، ترتيب أرقام الرياضيين على ظهورهم، نفخ صافرة الانطلاق، قياس الوقت؛ تلك المهام الصغيرة التي لا تعدّ. تحررنا أخيرًا من صفة الطلاب الجدد، لكن أعضاء القسم حين يقفزون في حفرة الرمال لا يختلفون كثيرًا عن الأطفال. في أوقات الفراغ لعبنا كرة السلة وضحك بعضنا على بعض؛ بعد طول الصحبة أصبح بيننا توافق بالنظرة، كل واحد يعرف ما ينوي الآخر فعله قبل أن يفعله. من تانغ جانليه بعقده الملونة حول رقبته، إلى سقوطي في حفرة الرمال، إلى بقية الأعضاء المنهمكين في الاستعداد، التقطت العدسة لقطات مفردة لكل منا ثم جمعنا جميعًا في صورة واحدة لقسم الرياضة.
في الوقت ذاته كانت زميلتي جاو جينغ تجلس في الغرفة الزجاجية لاتحاد الإذاعة الجامعية على المدرجات، تذيع كلمات التشجيع الحماسية ونعوت الإشادة بصوت يملأ الملعب. المئة متر، والمئتان، والأربعمائة، والثمانمئة؛ الحلبة تجلجل بأصوات الجري والتشجيع، والعرق يتصبب من الجباه، ويشتد الإصرار عند خط النهاية. ثم الحبل الجماعي، وسباق التتابع، يكتمل الاحتفال ويبلغ ذروته، ويتجلى روح التضامن في كل مشهد. أما أبهج اللحظات فكانت مباراة كرة السلة؛ ولأن كل فصل لديه عدد قليل من الطلاب الذكور، قُرر أن تتنافس مجموعات الفصول الكبيرة. نزل تانغ جانليه إلى الملعب ولم يبق لي إلا الهتاف، له ولفريقنا الكبير. فريقانا الكبيران كانا أخوين متوازيين، وكانت المباراة الأخيرة بينهما نِدًّا لنِدّ. كنت أمسك بزجاجتين من الماء وأهتف حتى بحّ صوتي ثم أشرب لأستعيد رطوبة الحلق، وكلما التقت عيني بعيون لاعبي فريقنا أو بعيني تانغ جانليه أحسست بشيء يشبه الخجل؛ كأن المجتهد فعلًا هو أنا لا هم.
خسرنا في النهاية أمام الفريق الكبير الآخر، لكن المبدأ “الصداقة أولًا والمنافسة ثانيًا” أذاب أي مرارة؛ تصافحنا جميعًا في نهاية المطاف، فكلنا أخوة. بعد ثلاثة أيام من الضجيج والهتافات والزفرات أسدل الستار على الدوري وعاد كل منا إلى سكنه يتمدد لا يكاد يتحرك. مضى الاحتفال وخلفه الإرهاق. لي فونغ ذهبت تعمل في مطعم الجامعة، وجاو جينغ عادت تعانق كتبها على سريرها، وجانغ نان تجلس كل يوم أمام حاسوبها تبكي على مسلسلات كورية، وأنا أطلب المكتبة مأوى.
وين شياوي بات لا يُرى إلا حين يدعوني للغداء أو حين نتسلل كل منا إلى محاضرات الآخر. سبب تلازمنا في الحقيقة أننا وصلنا معًا في أول يوم وفي لحظات الحنين يكفي أن يراني أحدنا الآخر. ومن خلال التسلل المتبادل تعرفت على زميل وين شياوي: جو شين، ذلك الشاب اللطيف الوجه الذي يبدو وكأن وجهه وجه طفل، وبما أنه أصغر سنًا أصلًا فيبدو من وجهه أصغر مما هو عليه، فناديته “دون السن”. وجهه الطفولي لطيف، وتسريحة شعره المجعّد كتسريحة الفتيان تزيده ظرافة، وكثيرًا ما تحجبه حارسة السكن الكبيرة في المدخل تظنه فتاة وتسأله عن هويته! سمعت هذه النوادر فزاد إعجابي به، فتملّكتني عاطفة الأخت الكبيرة تجاه هذا الشقي الصغير، يذكرني بابن خالتي الذي كان يتبعني كظلي في الصغر. وبما أن جو شين من منطقة شينجيانغ البعيدة فقد ازداد في نفسي شعور بالحماية تجاهه. فصرت كلما مللت المكتبة اتصلت به ودعوته للمجيء: يحمل حقيبتي وأنا أشعر بالأمان في طريق العودة ليلًا، كلانا يستفيد.
برد جو أكتوبر وبدأنا نعدّ للرحلة الجماعية للفصل، وهي نشاط على مستوى الفصل الصغير. ذهبنا هذه المرة إلى وادي لونغتان القريب من الجامعة، فيه مقطع طويل من الرفتينج وزوارق بامبو على الماء وأنشطة مائية تبدو صاخبة للغاية. نظرت إلى أعضاء غرفتي الثلاث اللواتي لا يستطعن حمل أنفسهن فضلًا عن المجداف، فأدركت أنني أحتاج إلى ذراع قوية بجانبي. سألت تانغ جانليه فتبين أن نشاط فصله في نفس المكان، فدعوت وين يي وجو شين ليرافقانا؛ وين يي لا يأبه إلا بألعاب الفيديو فوفدّ لنا جو شين حارسًا بدلًا منه.
ما إن وطئنا أرض الوادي حتى انطلق الجميع كالخيل من العقال؛ تسلقنا أولًا منحدرًا وعرًا، وأخذنا صورنا عند الشلال. ثم ارتدينا أسترة النجاة معتقدين كل منا أنه سباح مقتدر، واندفعنا نحو زوارق البامبو. ارتقيت أنا وجو شين على زورق بامبو طويل مع أعضاء غرفتي الثلاث؛ لا نجيد الحركة الصحيحة، لكن حركتنا غير الصحيحة كانت الأمتع؛ تارة يميل الزورق وتارة يستقيم، وفي آخر الأمر أمسك بنا العمال من الشاطئ وسحبونا إلى البر. أما المقطع المائي الأخير، فقد أمسك كل منا وكل مني بمضخة مائية، وكان وظيفتي حماية زميلة واحدة بينما يحمي جو شين زميلة أخرى، والزميلتان الأخريان معًا. لا أعرف من قلب قارب من، ولا من وقع في مياه الأنهار المتدفقة، لكن الماء كان يسيل من الوجوه والملابس والقوارب، قطرات متلاحقة في مشهد ضاج بالحياة. حين صعد جو شين إلى الشاطئ أول ما أخرجه من جيبه لم يكن ملابسه المبللة بل ورقة مئة يوان ليضعها على صخرة صغيرة تحت الشمس تجف؛ تلك الصورة كانت غاية في الطرافة.
كل صورنا جمعتها في ألبوم على فضاء QQ، كل مناسبة بعنوانها الخاص. في الصور الجامعة بيني وبين جو شين ابتسامتي عريضة مشرقة؛ لحظة أمسكتها العدسة وأنا أستفزه، فجعلتها غلافًا للألبوم.
💬 المناقشة