الفصل 3

“هذا المجنون! أوغ!”
بصق الحارس الشتائم وهو يكافح للنهوض.
“كفّ عن التذمر.”
شخرتُ.
لم تكن سوى ثلاث طلقات مطاطية غير فتاكة. وفوق ذلك، أصابته في حاملة الصفائح الواقية، لذا لم يُصب بأذى.
رنين، رنين، رنين!
دوّى رنين الهاتف.
“أجب.”
وضعتُ فوهة البندقية على رأسه.
“ماذا تنتظر؟”
“…”
“ارفع السماعة. ولتعلم فقط، هذه المرة ليست طلقات تدريبية. تجاهلني، وستحصل على ثقبٍ جديد في جمجمتك.”
رفع الحارس سماعة الهاتف بيدين مرتجفتين.
“نعم، معكَ مكتب الأمن في مجمّع هيونسـان السكني الثاني. نعم، نعم، هذا صحيح. إذًا، في الوقت الحالي……”
“تم رصد ظاهرة بوابة. نصف القطر ثلاثة كيلومترات.”
همستُ في أذنه.
“نعم، تم رصد ظاهرة بوابة. نقدّر أن نصف قطرها يبلغ نحو ثلاثة كيلومترات……”
“اطلب الدعم العسكري والشرطي. أرسلوا الصيادين فورًا.”
“يرجى إرسال دعم من الجيش والشرطة. نعم، نعم. سنكون ممتنين إذا أمكنكم إرسال الصيادين في أسرع وقتٍ ممكن.”
وضع سماعة الهاتف جانبًا.
“أحسنت.”
وأنا لا أزال أصوّب المسدس نحوه، أمسكتُ بالميكروفون.
– انتباه، أيها السكان. أخلوا المكان إلى أبعد مسافة ممكنة. نوصي بشدة بالإبتعاد إلى ما بعد نطاق ثلاثة كيلومترات. أكرر: أخلوا المكان إلى أبعد مسافة ممكنة……
بعد أن كررت الرسالة عدة مرات، تركتُ الميكروفون.
“يداك.”
“…”
“الآن.”
قيّدتُ معصمي الحارس برباط بلاستيكي، وأجلسته على الكرسي.
“إياك أن تفعل أي شيء غبي، وإلا أطلقتُ النار عليكَ فعلًا. لذا التزم الهدوء.”
“ما الذي تظن نفسك تفعله بحق؟ هل أنت نوع من الإرهابيين؟”
“هل أبدو لك كذلك؟”
“…”
“فقط التزم الصمت. يمكنكَ أن تشكرني لاحقًا على إبقائكَ حيًا.”
تركته هناك، وقضيتُ الدقائق التالية أراقب بث الطائرة المسيّرة على هاتفي.
جيد — الجميع يركضون.
اهتزت الشاشة.
المتصل: أبي.
وبصفته قائد قوات الدفاع الإقليمية، لا بد أنه سمع الإنذار فور صدوره. من المحتمل أنه أصدر أمرًا بالعودة الفورية إلى القاعدة، لكن بحلول الوقت الذي يصل فيه من يونغوول، ستكون الأمور قد انتهت بالفعل.
“هاها.”
انفلتت مني ضحكة.
أنا القديم لم يكن ليتصرف بهذه الجرأة أبدًا. لم أكن لأقتحم مكتب الإدارة؛ كنتُ سأطرق الباب. وكنتُ سأهدر دقائق ثمينة في محاولة إقناع الحارس.
لكن ذلك كان قبل ثلاث سنوات — قبل أن أقسم على الإنتقام من أولئكَ الأوغاد عديمي الإنسانية.
ومنذ ذلك الحين، أصبحتُ شخصًا مستعدًا لإستخدام أي وسيلة ضرورية لتحقيق غايتي.
“ما بكَ تنظر إليّ هكذا؟ أتظن أنني مجنون؟”
“ل-لا، سيدي.”
كاذب. كان ذلك واضحًا تمامًا على وجهه.
“العالم مجنون على أي حال. وإذا كنت تريد البقاء حيًا فيه، فعليكَ أن تكون مجنونًا قليلًا أنتَ أيضًا. ألا تظن ذلك؟”
“…”
“من الآن فصاعدًا، قد يكون فقدان عقلك مفيدًا فعلًا لصحتكَ النفسية. الجحيم الحقيقي يبدأ اليوم.”
عدتُ إلى النظر في الهاتف. كان الناس لا يزالون يفرّون.
ثم ظهر في البث عدد كبير من سيارات الشرطة المسلحة والمركبات العسكرية المدرعة وهي تقتحم المجمع.
“تبقت خمس دقائق.”
تحدث الحارس.
“من الأفضل أن تسلّم نفسك.”
“وماذا بعد ذلك؟ السجن مدى الحياة حتى أتعفن فيه؟ أم مستشفى للأمراض النفسية؟”
“هذا ليس…”
“ألم أقل لك أن تشكرني على إنقاذ حياتك؟ كان من المفترض أن تموت اليوم.”
أطلق الحارس ضحكة خاوية، وقد بدا مقتنعًا تمامًا بأنني مجرد مجنون يهذي. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا.
فالرجل الذي كان يضحك بتوتر أمامي كان مقدّرًا له أن يموت اليوم — تمزقه الوحوش وتفرغ أحشاءه. وما زلتُ أتذكر مشهد جثته.
ألقيتُ نظرة على الوقت.
09:59.
تبقت دقيقة واحدة.
ارتشفتُ من قهوة الحارس الفاترة، وانتظرتُ حلول الساعة العاشرة.
طَق-طَق!
في اللحظة التي دقّت فيها الساعة العاشرة، بدأت جميع الأجهزة الإلكترونية في المكتب تتعطل وتومض.
“انظر بنفسك.”
أريته شاشة الهاتف.
تكوّرت كرة سوداء في ملعب الأطفال الواقع بين المباني. تشوّه الفضاء، وبدأت التضاريس المحيطة تلتوي وتتبدل ملامحها.
“حسنًا؟”
“ه-هذه بوابة…”
“ما زلتَ تظن أنني مجنون؟”
أطبق الحارس فمه ولم ينبس ببنت شفة.
***
قطعتُ الرباط البلاستيكي عن معصميه.
تأوه وهو يفرك العلامات الحمراء التي تركها الرباط على جلده.
“توقف عن التصرف كالأطفال. تسلّح.”
“ن-نعم، سيدي.”
فتح مستودع الأسلحة وأخرج بندقية صيد.
مستودع أسلحة داخل مكتب إدارة مجمّع سكني — قبل خمسة عشر عامًا، كان هذا أمرًا لا يمكن تصوره.
لكن في عصر يمكن أن تظهر فيه البوابات في أي مكان، أصبح وجود حراس أمن مسلحين حتى في مجمّع سكني واحد أمرًا طبيعيًا.
وكانت بعض الشقق الفاخرة في غانغنام تضم أحيانًا ميليشيات خاصة بها.
فالأغنياء ظلوا يعيشون حياة أكثر أمانًا من الجميع.
على الأقل، حتى “ذلك الحادث”.
“هل لديكَ أي خبرة قتالية فعلية؟”
“بضع مرات.”
“متى؟”
“أثناء خدمتي العسكرية. ماذا عنك؟”
“بضع مرات أيضًا.”
بل في الواقع، بضعة آلاف من المرات.
“لقد خدمتَ في الجيش؟”
“لم ألتحق به قط.”
رمقني الحارس بنظرةٍ حادة.
“هيا بنا.”
“إلى أين؟”
“إلى الخارج. سنموت إذا بقينا هنا.”
“ألن يكون الإختباء أكثر أمانًا؟”
“ستبدأ الغارات الجوية بالقصف. انظر.”
أشرتُ إلى الشاشة.
كانت الوحوش تتدفق من الملعب في جميع الإتجاهات.
“سحقًا…”
ارتجف جسد الحارس كله.
“إذًا تحرك.”
“ح-حسنًا.”
أعدتُ توجيه الطائرة المسيّرة وخرجتُ إلى الخارج. تبعني الحارس، وبندقية الصيد في يده.
“ك-كيف عرفت؟”
“عرفت ماذا؟”
“أن البوابة ستظهر. كنتَ تعرف مسبقًا، أليس كذلك؟”
“متى قلتُ ذلك؟”
“هاه؟”
“رأيتُ البوابة فحسب، فضغطتُ على جهاز الإنذار. ثم اتصلتُ بقوات الدفاع. هذا كل شيء.”
“لكن هذا ليس ما حدث…”
“لا بد أن التوتر قد أثر عليك. تختلط الذكريات عندما تشعر بالخوف.”
أمسك الحارس بشعره، مطلقًا أنينًا.
كانت أصوات إطلاق النار والإنفجارات تتردد بين النباتات الكثيفة التي نمت في كل مكان.
كان الجيش والشرطة قد اشتبكا بالفعل.
“من هنا.”
تحركنا في الإتجاه الذي تظهر فيه أقل بصمات حرارية على التصوير الحراري للطائرة المسيّرة.
“سحقًا. وكأنني لم أكن محظوظًا بما يكفي لأنني أداوم في عطلة نهاية الأسبوع، والآن سأموتُ أيضًا…”
“اصمت واتبعني. لا تشتكِ.”
“نعم، سيدي.”
قطعنا نحو مئة متر عندما دوّت صرخات من مكان قريب.
“كياااه!”
“آآغه!”
كان هناك مدنيان محاصران من قِبل الغوبلن.
وأكدتُ البصمات الحرارية ذلك.
تنهدتُ.
كان أمر الإخلاء قد صدر قبل دقائق.
“ماذا نفعل؟”
سألني الحارس.
“علينا مساعدتهم.”
بدا مترددًا، ولم ألمه على ذلك. فحتى مع وجود بندقية صيد، كانت مواجهة الوحوش بالنسبة إلى مدني غير مستيقظ تتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة.
“إذا كنتَ خائفًا، ابقَ في الخلف.”
“هل هذا مقبول؟”
“ولمَ لا؟ أنت لستَ تحت إمرتي.”
“…معك حق.”
تركته وانطلقتُ راكضًا نحو مصدر الصرخات.
كان رجل في منتصف العمر يفرغ طلقات مسدسه على العفريت، لكن لم تصب أيٌّ منها هدفها.
رفعتُ بندقيتي الكاربين — بندقية تشيكية من طراز “برِن 2” عيار 7.62 ملم.
كان عيار 5.56 ضعيفًا جدًا أمام الوحوش؛ لذلك أصبح عيار 7.62 هو المعيار المتبع منذ سنوات.
زأرت البندقية، فسقط الغوبلن واحدًا تلو الآخر.
وعندما لم يتبقَّ سوى اثنين، علّقتُ الكاربين على كتفي وسحبتُ فأس اليد.
“أوقف إطلاق النار! أوقف إطلاق النار!”
مرت رصاصة بمحاذاة أذني.
“ابن الساقطة—”
“قلتُ أوقف إطلاق النار! أبعد إصبعكَ عن الزناد!”
ظل الرجل يطلق النار بعشوائية، وقد استولى عليه الذعر تمامًا.
انخفضتُ خلف سيارة متوقفة، وانتظرتُ حتى فرغ مخزن ذخيرته، ثم اندفعتُ إلى الأمام وأنهيتُ أمر الغوبلن المتبقيين بالفأس.
تناثرت أدمغة شاحبة ودماء زاهية على الرصيف.
“أ-أعد التلقيم، أعد التلقيم……”
كانت يداه ترتجفان بشدة لدرجة أنه لم يستطع حتى تثبيت مخزن ذخيرة جديد.
“أيها الرجل.”
“أعد التلقيم، أعد التلقيم…”
“سيدي.”
“أعد التلقيم…”
صفعة!
صفعته على وجهه، فطرف بعينيه وقد عاد إلى وعيه أخيرًا.
“ش-شكرًا لك.”
“ألم تسمع نداء الإخلاء؟ ماذا كنتَ تفعل حتى الآن؟”
“أنا آسف. زوجتي… ليست بخير…”
كانت امرأة في منتصف العمر تجلس خلفه على كرسي متحرك، وهي ترتجف من الخوف.
***
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡
تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1
💬 المناقشة