الفصل 19
الزعيمة تريد أن تموت
الفصل التاسع عشر
الزعيمة تريد أن تموت
“…….”
‘إذاً هذا هو السبب الذي جعل ميخائيل واثقاً بأن أكت سيكبّلني.’
ميخائيل يقتل إلهة الشر العاجزة المقيّدة.
على الأقل في تلك الحالة، سيتمكن أكت من رؤيتي أموت.
لهذا أصرّ ميخائيل على أنه سيكبّلني.
‘يا له من منطق غريب.’
لماذا يبذل أكت كل هذا الجهد ليبقى إلى جانبي؟
ما إن أنهى ميخائيل كلامه حتى أصدى صوت خطوات تصعد السلم من الخارج.
كان أكت الذي غادر النزل للتو عائداً إلى الغرفة.
‘لماذا عاد بهذه السرعة؟’
كان أكت متجهاً نحو غرفته، لكنه غيّر وجهته صوب غرفتي.
“أكت هيفجينيا قادم.”
“إنه كذلك.”
“ماذا ستفعلين؟ هل نمضي قُدُماً؟”
“لو لم يكبّلني أكت بالقيد، ستتعقد الأمور.”
“هوس أكت يفوق ما تتخيلين. قلق لا طائل منه.”
كان ميخائيل ممتلئاً ثقة.
وثقته كانت كافية لكبح قلقي تماماً، فقررت أن أعلّق آمالي على كلامه.
توقف أكت خارج بابي مباشرة.
“إذاً اقتلني في اللحظة التي يستخدم فيها أكت القيد.”
صريييير.
دار مقبض الباب.
“لو كان ما قلته صحيحاً، فأكت سيختار تكبيلي ومشاهدتي أموت.”
وانفتح الباب.
خيّم على الغرفة توتر خانق لا يُحتمل.
دخل أكت إلى الغرفة باسترخاء، إلا أنه ما إن رأى ميخائيل وأنا حتى تجمّد في مكانه.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
أدام أكت النظر في وجه ميخائيل طويلاً.
“…….”
ثم نظر إليّ.
فجأة مال أكت برأسه جانباً.
تجعّد جبينه كمن يتساءل إن كان يهذي.
بعد أن حدّق فيّ برهة، رفع يده وصنع حركة كمن يمسك شيئاً.
رنّت رنّة معدنية ناعمة في الهواء.
تجلّت السلسلة الفضية الخفية باللمعان المقدّس محبوسةً في قبضة أكت.
حدّق في القيد طويلاً قبل أن يتمتم:
“……إنها ليست حلماً.”
كان الردّ مختلفاً بطريقة ما عمّا توقعته.
كان ردّ فعل أكت بالغ البرود من ناحية ما.
كمن مرّ بهذا مئات المرات.
‘ألم يقل ميخائيل إنه سيقيّدني في الحال؟’
أدركت أن الأمور تسوء، فرميت ميخائيل بنظرة حادة.
بدا هو أيضاً في حيرة بالغة.
‘ماذا أفعل الآن؟’
في اللحظة التي شرعت فيها بالندم على سذاجتي، انجذبت نحو أكت بشدّة القيد.
طرت نحوه كمن يحمله الريح.
هبطت خفيفة كريشة وقفت منتصبة أمامه، ووجهه يُطلّ عليّ بحدّة من مسافة شبر.
رغم أنه لم ينبس ببنت شفة، يبدو أنه استوعب الوضع بأكمله.
كل آخر تفصيل من نيّتي في استدراج ميخائيل ذي المستوى الرفيع والموت على يده.
كيف عرف؟
ليس في وسعه قراءة الأفكار.
كبتّ الأسئلة المتصاعدة وركّزت على اللحظة الراهنة.
رأيت فرصة.
لو استفززت أكت هذه المرة، شعرت أنني قد أُشعل غضبه فعلاً.
‘صحيح. لم أفشل بعد. الخطة لا تزال تسير.’
أستطيع أن أموت.
أستطيع أن أعود إلى حياتي.
شددت أطراف فمي إلى الأعلى قسراً وبدأت أؤدي دور إلهة الشر.
كان دوراً أؤديه منذ ست سنوات.
دور توغّل فيّ حتى لم أعد أميّز إن كان الشخصية الحقيقية أم لا.
“تعبيرٌ لطيف.”
قلت وأنا أتظاهر بالتلذذ بموجة الغضب المتصاعدة منه.
“أفضل بكثير من وجهك الفاتر المعتاد.”
أمسكته من طوق رقبته وجذبته نحوي.
لم يقاوم أكت؛ كان في غاية الاستسلام.
كما كان دائماً.
“أتشعر بالوخز لأنك طُعنت في الظهر؟”
“…….”
“لم أكن أخطط للانكشاف هكذا، فصارت الأمور مملة بعض الشيء. أردت أن أؤلمك أكثر بكثير.”
كيف أُغضب أكت؟
ما الكلمات التي ينبغي أن أقولها……؟
‘لا تكوني مهزوزة.’
رجفة خفيفة اخترقت عمودي الفقري، ملطّخة بعرق بارد.
‘أدّي الدور بإتقان. لقد أحسنت حتى الآن. تكلمي بشرارة الشر.’
أرجو ألا تكوني غبية.
لا تكوني متذبذبة.
اعتبري لي رووون ميتة.
هذا ما أُتقنه أكثر من أي شيء.
شددت يديّ المبلّلتين بالعرق وحدّقت بوقاحة أشدّ.
لو مت فحسب.
لو تمكنت من تسجيل الخروج!
“ألم تكن تتوقع أن تعاملني هكذا وكل شيء يبقى هادئاً؟”
“…….”
“لم أكترث لسعادتك من البداية. كنت أنوي أن أموت أمام عينيك لتراني. ذاك سيكون الخسارة الحقيقية بالنسبة لك، أليس كذلك؟”
ضممت شفتيّ قرب أذنه ونفثت سمّاً خالصاً.
قيل إن سيف الشيطان ينحشر في قلب الإنسان ويحطم روحه؟
كنت أعرف جيداً كيف يعمل ذلك.
لأنني إلهة الشر.
مهما تخيّل المرء، الأصل دائماً أشد فتكاً من مجرد شظية.
“تظاهرت بالتجاوب فقط لأني أردت أن أرى وجهك البائس ينهار حين تُخان ثقته.”
“أنت لا تكترثين… لسعادتي.”
تمتم أكت بصوت خافت.
ابتسمت ابتسامة متعالية.
“صحيح. هل تعرف كم لاعباً في هذا العالم؟ حتى لو رميت شخصاً مثلك جانباً، عندي ما يفيض من أوراق جديدة للعب.”
“أرى.”
خرجت منه ضحكة ناعمة، صوتها خافت حتى كاد لا يُسمع.
“أنت لا تكترثين لسعادتي، يا رووون. هكذا كان الأمر دائماً.”
التقت نظرتانا عند مسافة يتشابك فيها النفَسان.
عينا أكت السوداوتان، اللتان كانتا فارغتين كهوّة مظلمة، كانتا الآن تتلاطمان ممتلئتين بعاطفة مجهولة الاسم.
كدوّامة في ماء بحر اسودّ من غوره الشديد، كانت عينا أكت تتحوّل بلا عقل.
كانت عيناه السوداوتان تتلألآن رطبتين بحزن جارف، لكن ما طفا على وجهه كان غضباً حياً متوحشاً.
أن يمتلك مثل هذا التعبير.
فوجئت لأن أكت كان لا نهاية له في لطفه.
غضب مُصهَر من جراح متراكمة انبثق من كل تجعّد محروق حول عينيه.
كان أكت يكرهني.
بعمق يجعلني أتساءل كيف أخفى هذه المشاعر كل هذا الوقت.
‘لكن الأمر غريب. لو كان يكرهني بهذا الشكل، لماذا كان يتعامل معي بكل هذا اللطف؟’
علاوة على ذلك، لماذا يكرهني إلى هذا الحد؟
لقد تجاهلت عقدنا فحسب.
أن يقول إنه تألم لأنه وثق بي، أما كانت علاقتنا أضحل من ذلك بكثير؟
“بما أنك كشفت مشاعرك الحقيقية، أظن يجدر بي أن أكشف مشاعري أنا أيضاً. همم؟ يا رووون.”
تكلم أكت بلطف في نبرة خفيضة مزمجرة.
“الحقيقة هي……”
أطلّ أكت عليّ من الأعلى بحنان وعيناه تلمعان بدموع لم تسكبهما بعد.
“أنا أكرهك يا رووون. أكرهك جداً جداً…….”
ذاب صوته ثقيلاً كثيفاً يداعب أذني.
كان يشبه الشوكولاتة الداكنة الفاخرة.
حلاوة حارقة تُوجع الأذن.
حين انقبضت كتفيّ دفعاً للقشعريرة الزاحفة، أمسكت يد أكت الكبيرة بخدّي.
إلى جانب جلدي المثلج من فرط التوتر، تدفّق حرّ أكت اللاهب كالكيّ.
“لدرجة أنني أريد أن ألتهم شفتيك وعيناك وكل شيء فيك. هذا مقدار ما أكرهك.”
لماذا؟
لماذا تكرهني بهذا الشكل؟ ما نحن لبعضنا؟
وبينما وجهي مليء بالتساؤل الصرف، تمرّر إبهامه الغليظ عليه بحنان.
“لدرجة أنني أريد أن أُبقيك مكبّلة بيديّ… لا تستطيعين الحراك بوصة واحدة، وأنت لا تفعلين إلا المحاولة للموت.”
كان يُغنّي الكراهية، غير أن صوته كان حنوناً ولمسته رقيقة، فتركاني في ضياع تام.
هل أواجه غضبه بصراحة وأحدق فيه تحدياً؟
أم أهرب بعيداً بسرعة من اليد التي تداعب وجهي بتلكؤ؟
وبينما كنت أتردد بين الاثنتين، انزلقت أصابعه المتّقدة إلى أذني.
اليد التي دأبت على المشي على قشر البيض احتراماً للحدود باتت تتحرك دون تردد.
كان يعرف جسدي بالكامل من الداخل إلى الخارج.
كأنه يقرأ خارطة.
أين أكون بالغة الحساسية، ما البقاع التي أكره مسّها، كانت أصابعه جريئة كأن لها عيوناً.
نقر شفتيّ المرتجفتين بطرف ظفره وابتسم بمتعة ماكرة.
ذلك الذي تظاهر بالنظافة والتقوى يخفي وراء أزرار محكمة حتى حلقة رقبته طابعاً فجاً، وقد ألقى حتى ذلك التظاهر الآن.
ومع إلقائه إياه، فاح منه جوّ خانق مثير يسحق الأنفاس.
‘ما هذا؟ كأنه شخص مختلف تماماً.’
وأنا غير معتادة على دفء الإنسان، عضضت شفتي السفلى.
بصراحة، لمسته الزاحفة وهي تتبختر بالحنان بفجور لم تكن غير مريحة.
كان بالغ المهارة.
يلتزم بحدّ ما يشعر بالراحة بشكل مربك.
وما إن تسرّب نشوة غير مألوفة في نفَس حار، حتى سألني:
“ماذا أفعل؟ يبدو أن عقدنا قد فقد جدواه كلياً.”
“…….”
“أنت تكرهينني وأنا أكرهك، إذاً فالنهاية محددة سلفاً؟”
إذاً هل نموت؟
همم؟
هل نموت؟
مال أكت برأسه فوق وجهي.
تساقط شعره الأبيض يُلقي ظلالاً على المحيط.
‘هل أتحاشاه؟’
شفتاه المتشقّقتان تقتربان أكثر فأكثر.
كان قلبي يدقّ بشدة في عقلي حتى لم أستطع التفكير بوضوح.
عينا أكت السوداوتان تمسكانني بإحكام كحبل مشنقة.
‘ميخائيل يراقب، لكنني لا أستطيع الحراك…….’
مال برأسه وشفتاه تقتربان من شفتيّ الحمراوتين.
من شفتيه المتشقّقتين تسرّبت رائحة خفيفة من الدم والويسكي.
رائحة خاصة به وحده.
“اقتلنا معاً.”
عند مسافة كادت شفتانا تلتقيان فيها، أصدر أكت أمره فجأة.
عادت حواسي في الحال.
“ماذا؟”
متجاهلاً سؤالي، نظر أكت إلى ميخائيل الواقف خلفنا.
ارتبكت من هذا المنعطف غير المتوقع وحاولت دفعه، لكن لم أستطع تحريك أنملة بسبب القيد.
أمسك أكت كتفيّ وأدارني.
وقفنا أنا وأكت نواجه ميخائيل، وكان الجو قد اشحذ كشفرة مسنونة.
“ستموتين معي يا رووون.”
“أيها المجنون…….”
طحنت أسناني وشددت القيد.
“ألا تُضيّع العناصر الأسطورية التي جمعتها؟ ستموت معي هكذا؟”
“لا تقلقي. الآن، حتى في الموت، لن تكوني وحيدة.”
💬 المناقشة