الفصل 43

غو يوجن قالت إنها ستفعل ففعلت، إذ اتصلت مباشرة بمؤجِّرة شقة شِن يي الحالية، وعرضت شراء الشقة التي تسكنها شِن يي بعشرة أضعاف سعر السوق.

ربما كان هذا المبلغ ضخمًا إلى حد لا يُصدَّق بالنسبة لشخص عادي، لكنه بالنسبة لغو يوجن لم يكن أكثر من مصروف جيبها فحسب.

لقد كانت مستعدة لأن تُهدر هذه الأموال كلها سدى، بشرط أن تُسقط شِن يي في الهاوية الآن.

عاد الهدوء إلى غرفة المعيشة، وجلست شِن يي على الأرض منهوكة القوى، ولم تلتقط أنفاسها إلا بشقّ الأنفس.

لم تكن تعلم إن كان كلام غو يوجن قبل قليل صادقًا أم كاذبًا، لكنه في هذه اللحظة لم يعد يعني لها شيئًا.

فحياتها كانت بائسة بما يكفي، ولم تعد تخشى أن تزداد بؤسًا.

«هل أنتِ بخير؟»

بقي لو مينغهه إلى جوارها، ينظر إليها بوجه يملؤه القلق، ويعتصر قلبه ألمًا عليها.

غير أنه ما إن همَّ بمدّ ذراعيه ليعانقها حتى دفعته عنها بعنف.

«آسفة، لستُ في حالة جيدة الآن، أتسمح لي بالبقاء وحدي قليلًا؟»

كان ذلك طلبًا مغلَّفًا بالمغادرة.

تجمد لو مينغهه للحظة، ثم أومأ برأسه وقال بصوت خافت: «حسنًا.»

لطالما احترم قرارات شِن يي، والآن هو مستعد أيضًا أن يترك لها مساحة للتفكير.

«إن حدث أي شيء، لا تترددي في الاتصال بي، سأكون متاحًا في أي وقت.»

كانت ستائر النافذة نصف مسدلة، ومع أن المطر توقف في الخارج، إلا أن السماء ظلت قاتمة، فرفعت شِن يي رأسها تتأمل ملامح لو مينغهه التي لا تكاد تتضح وسط العتمة والضوء الخافت.

وبعد برهة طويلة، أجابت بصوت خافت: «حسنًا.»

ذلك الشعور بأن يكون المرء في صدارة اهتمامات أحدهم، وأن يحظى بمن يرعاه في كل لحظة، كان شيئًا طالما تاقت إليه، لكنها ما إن صار أمامها حتى عجزت عن التصديق أنها تستحقه أصلًا.

بعد أن غادر لو مينغهه، ضمّت شِن يي ركبتيها بذراعيها وأسندت خدّها إليهما، غارقة في صمت داخلي ثقيل.

وفي اللحظة التالية، رنّ هاتفها في أرجاء الغرفة، فارتجفت جسديًا من وقع ذلك الصوت الحاد المفاجئ.

وحين رأت أن المتصلة هي المؤجِّرة، ظنت أن الأمر يتعلق بفواتير الماء والكهرباء الأخيرة.

لكن ما إن ردّت حتى سمعت صوت المؤجِّرة اللطيف المليء بالتملّق:

«شياو يي، آسفة حقًا، لقد بِيعت هذه الشقة للتو، فلو أمكنكِ أن ترحلي في أقرب وقت ممكن، أكون شاكرة لك.»

«ماذا؟ أرحل؟ لكنكِ وقّعتِ معي عقدًا لعام كامل الأسبوع الماضي فقط.»

«آه، لقد جاءني مشترٍ أعجبني فجأة، فما رأيك أن أدفع لكِ الشرط الجزائي المنصوص عليه في العقد، ثم أُعفيكِ من إيجار شهر كامل؟ أليس في ذلك ما يكفي من حسن النية؟»

كان كلام المؤجِّرة بصيغة التشاور ظاهريًا، لكن نبرته كانت قاطعة لا تقبل الجدال.

كل جملة كانت تدفع شِن يي نحو الخروج من الشقة بلا هوادة.

ولم تكن شِن يي حمقاء؛ فالمنطقة التي تقع فيها الشقة ليست جيدة أصلًا، بل تكاد تكون نائية، ولم تكن لتختار هذا الموقع لولا قربه من المعهد.

أما الآن، فبمجرد أن باعت المؤجِّرة الشقة بهذه السرعة، لم تحتج شِن يي إلى التفكير كثيرًا لتعرف أن غو يوجن هي من تحرّك الخيوط. كانت سريعة حقًا.

لم تعد شِن يي تناقش أو تدافع عن حقها، فالنتيجة واحدة في النهاية.

وفي الوقت نفسه، أنهت غو يوجن للتو مكالمتها مع المؤجِّرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة.

«شِن يي، امرأة مثلكِ ينبغي أن تجد من يضعها عند حدّها، فلتتذوقي قسوة هذا المجتمع كما تشائين!»

وفي تلك اللحظة، طرق أحدهم نافذة السيارة المجاورة.

التفتت غو يوجن فرأت غو جينغمو واقفًا في الخارج، ففتحت الباب ونزلت.

«أهناك أمر ما؟»

«ماذا تفعلين؟»

لم يكن قد رأى ما كانت تفعله غو يوجن قبل قليل، لكنه بحكم معرفته بها، كان متيقنًا أنها بدأت تتحرك بالفعل.

وأما هدفها، فلم يكن أحد سوى شِن يي بلا شك.

هزّت غو يوجن كتفيها ببرود قائلة: «لا شيء، لقد عُدتُ للتو وفكرت في الاتصال ببعض أصدقائي القدامى لأخبرهم أنني رجعت.»

كان رأس السنة على الأبواب.

لكن هذا العام، لم يكن رأس السنة بالنسبة لعائلة غو مناسبة احتفالية تستحق البهجة——

بسبب وفاة الجدة.

وفوق ذلك، كان ما يشغل الجميع هو توزيع ثروة عائلة غو.

فالأقارب الذين ظهروا في المستشفى من قبل أرادوا جميعًا نيل نصيبهم من الغنيمة، وكلٌّ منهم يعدد ما قدّمه للجدة في حياتها.

وخلاصة كل ذلك الكلام لم تكن سوى رغبتهم في الحصول على مزيد من المال لا غير.

أما غو جينغمو فظل جالسًا على الأريكة صامتًا دون أن ينبس بكلمة.

فقد سلّمته الجدة قبل احتضارها ذلك السوار الذي يمثل سلطة عائلة غو، ومع أنها لم تنطق بأي كلمة أخيرة، إلا أن ذلك كان كافيًا ليقول كل شيء.

غو جينغمو هو الوريث الوحيد لعائلة غو.

غير أن هذه الثروة الهائلة لا يمكن أن يبتلعها غو جينغمو وحده.

«كفى! أما لديكم ذرة ضمير؟ الجدة لم تكن مقصّرة معكم في حياتها، فهل منكم من يذكرها حقًا الآن؟ ما إن وُوريت الثرى حتى بدأتم تتسابقون على تقسيم أموالها؟»

فإذا كنتم هكذا الآن، فماذا بعد فترة؟ ألن يبدأ كل واحد فيكم بالتفكير في إزاحة غو جينغمو عن موقعه؟

كان غو جينغمو محرجًا بحكم مكانته من الدخول في جدال مع هؤلاء الأقارب الأوغاد، لكن غو يوجن لم تكن تخشى شيئًا؛ فهي صريحة اللسان ولا تبالي بمن تغضب.

وحين سمع الأقارب ذلك، ازدادت وجوههم امتعاضًا.

«يوجن، لقد اختفيتِ كل هذه السنوات، حتى ظننتُ أنكِ لم تعودي تعتبرين نفسك من عائلة غو، والآن ما إن دُفنت الجدة حتى عدتِ بهذا التوقيت المصادف، أتظنين أننا لا نعرف ما يدور في رأسك؟»

اتسعت عينا غو يوجن دهشةً، فما بال هؤلاء يعضّون كل من يقترب منهم؟

فعودتها كانت مصادفة فعلًا.

وكانت غو يوجن حادة الطبع، فما إن سمعت كلام عمّها الصغير الذي لا تكاد تربطها به صلة قرابة حقيقية حتى أرادت مجادلته، لكن الرجل لم يتوقف عند هذا الحد، بل تمادى أكثر:

«إن لم تخني الذاكرة، فإن آخر شخص رأته العجوز قبل أن تُسلِم الروح هو غو جينغمو وحده. لقد كانت العجوز حصيفة الرأي، وظلت طوال الفترة الأخيرة تعاني صحتها المتردية، ومرّت بباب الموت مرات عدة، فكيف يُعقل ألا تكون تركت وصية؟ أليس كذلك يا جينغمو؟»

«ماذا تقصد؟»

أغمض غو جينغمو عينيه قليلًا ثم رفع رأسه، فارتسمت في عينيه لمعة خطرة.

لقد وُلد بهيبة الحاكم، وزاد من هيبته في تلك اللحظة ما يُرعب القلوب، لكن الأقارب من أجل المال كانوا مستعدين للمجازفة، فأخذوا يرددون كلام العم الصغير.

«أجل يا جينغمو، ماذا قالت الجدة قبل موتها؟ وهل هذا السوار تركته لك حقًا، أم أنك انتزعته منها؟»

«كلنا عائلة واحدة، فهل أنت مستعد فعلًا لقلب ظهر المجنّ لنا جميعًا من أجل المصلحة؟»

وخلاصة القول إن الأمر كله يتلخص في كلمة واحدة.

المال.

شدد غو جينغمو شفتيه بابتسامة باردة.

«وما الذي ستفعلونه إن كان الأمر كذلك؟»

لم يكن يخشى هؤلاء الأقارب أصلًا؛ فحين كانت الجدة على قيد الحياة، كانوا يتحركون في الخفاء، أما الآن وقد رحلت، فقد كشفوا عن وجوههم الحقيقية.

ولكن ماذا عساهم يفعلون؟ إنهم في نهاية المطاف أشياء لا وزن لها، مهما تخبطوا وتقاتلوا فلن يُحدثوا أمواجًا تستحق الذكر.

🎉

انتهى الفصل 43

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك