الفصل 6
انتزعت شِن يي ذراعها بهدوء من يده.
— شكرًا.
قالت بصوت خافت وخفضت عيونها تُخفي ما يتزاحم فيها.
لم يكن بوسعها سوى العودة.
صعد غو جينغمو إلى السيارة. وقبل أن تفتح فمها، قال بصوت بارد: — سأوصلك.
كان دائم الانشغال، وتلك كانت أول مرة يعرض فيها بنفسه إيصالها. حدّقت فيه شِن يي مستغربة.
لا يزال المطر ينهمر ويتلاشى في زجاج السيارة، والريح البارد يتسلل من بين الفتحات. ارتجفت شِن يي لا إراديًا.
ثم رأت غو جينغمو يمد يده ويرفع درجة حرارة التكييف.
أبصرت ذلك بنظرة ضبابية… أهو يهتم بها؟
لكنها سرعان ما طردت الفكرة. لم تنسَ أنه كان قبل قليل في المستشفى يعانق تشين شوجو ويهدّئها ويعدها بأنه سيُعلن عنها بعد انتهاء زواجه.
أطلقت شِن يي على نفسها ابتسامة ساخرة والتفتت نحو النافذة.
الضباب الأبيض في المطر يُعتم الطريق، وكأنها لم يبقَ لها وطن.
توقفت السيارة أمام بوابة بيت عائلة شِن.
ما إن نزلت حتى رنّ هاتف غو جينغمو.
من الطرف الآخر، صوت المرأة ناعم كأنه يمنح من يسمعه الرحمة.
— لماذا أصابتني الحمى فجأة؟
كان صوت تشين شوجو يرتجف طوال الوقت من البرد وكانت وجهها شاحبًا كالشمع.
— ربما أصابني البرد. لا تقلق، ابقَ مع شِن يي.
ثم ألقت كأس الزجاج عمدًا فتحطم وصرخت في الهاتف:
— آه!
— شوجو؟
عقد غو جينغمو حاجبيه لكن المكالمة انتهت.
أطبق الرجل شفتيه وقد غلب عليه القلق. أنهى المكالمة وهمّ بركوب السيارة ثم كأنه تذكّر شيئًا والتفت إلى شِن يي وقال بلهجة مبهمة: — لديّ أمر. سأذهب للحظة.
أومأت شِن يي وتراجعت خطوة.
لم تنطق بكلمة. كانت تعرف في أعماقها أن حبيبته الغالية هي الأهم دائمًا.
دخلت شِن يي الفيلا وسمعت أزيز السيارة يتلاشى في البعد واتجه قلبها نحو القاع.
نظر غو جينغمو في المرآة الخلفية إلى تلك الظلة المنتصبة الوحيدة تحت المظلة في المطر. بقي يعقد حاجبيه طويلًا.
ظلّ ينتظر طول الوقت.
ينتظر أن تطلب منه شِن يي البقاء.
لكنها لم تفعل. حتى كلمة واحدة لم تقلها، وكأنها تتمنى رحيله.
في البيت الخاوي، كانت الهدأة تسمع لها أثرًا.
دارت عيون شِن يي حول الغرفة، ثم سمعت حركةً في الطابق العلوي. أخذت نفسًا عميقًا وخطت على الدرج بهدوء.
من خلف باب غرفة النوم الرئيسية الموارَب، تلوّح أصوات جاو شيانغ المتحشرجة.
— هذا كله بسببك، ما كان ينبغي أن تُكبّرها. هي من قتلت ابنتي. مسكينتي تشي يوه، كانت شابة صغيرة…
— سنذهب إلى الشرطة لتُلقي القبض عليها! أريد الثأر لتشي يوه! شِن يي لن تفلت!
كانت جاو شيانغ لا تزال تبكي وتصرخ بأعلى صوتها وهي تسبّ شِن يي وتلعنها. كانت تكره نفسها على أنها اعتبرتها ابنة حقيقية لها.
أما شِن يوه آن فكان وجهه مكفهرًا وهو يربت على ظهر جاو شيانغ بيد ثقيلة. أطلق زفرة طويلة مليئة بخيبة الأمل.
— كيف تكون شياو يي هكذا…
اهتزّت شِن يي وشحب وجهها واتكأت على الدرابزين في إعياء.
حتى أبوها صدّق؟
لم يكن الألم بسبب الاتهام الباطل بقدر ما هو لأن من اعتبرتهم أعزّ الناس لا يريدون سماع كلمة منها الآن.
كيف لها أن تصمد بعد هذا؟
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة وظهر شِن يوه آن. حين رأى شِن يي وقف مذهولًا: — متى أتيتِ؟
هذا بيتها هي أيضًا.
لكن حتى عودتها إليه باتت تستدعي الاستجواب.
فتحت شِن يي فمها ولم يخرج منه شيء.
رأتها جاو شيانغ من الغرفة فاندفعت نحوها مترنحة وقبضت على عنقها.
— يا قاتلة، سأقتلك!
كانت المرأة مشعّثة الشعر بعينين تكادان تنكسران، ولا يزال الدمع في آثار على خديها. منظرها كان مرعبًا.
تراجعت شِن يي عدة خطوات وكادت تسقط من الدرج.
عيون جاو شيانغ كانت تنضح بالسُّمّ.
— أبي، أمي، حقًا لا تصدّقانني؟
أحسّت شِن يي كأن سكينًا غُرزت في قلبها.
احتضن شِن يوه آن جاو شيانغ ونظر إلى شِن يي بعيون متضاربة: — اذهبي. لا تعودي.
كانت هذه الجملة إجابةً ضمنية.
لا يصدّقان.
في أذهانهما، هي قاتلة.
في لحظة واحدة، انهار السور الداخلي الذي شيّدته بجهد شاق.
— أنا ابنتكم التي ربيتموها، تعرفون طبيعتي جيدًا. أتتردّدان في سماع كلمة واحدة مني؟
في هذه الأيام احتملت شِن يي ضغطًا فوق طاقة البشر. والآن ثقل يملأ صدرها، كقطعة إسفنج تشرب الماء وتتضخم وتُعسّر التنفس.
— شياو يي، أنا…
قال شِن يوه آن بلهجة متلكأة. كان في الحقيقة قد ربّاها كابنته منذ طفولتها.
لكن ما الذي يستطيع فعله الآن والأدلة واضحة أمامه؟
لا يمكنه أن يتجاهل حقيقة موت ابنته الحقيقية من أجل شِن يي.
زاد تعقّد شِن يوه آن الداخلي. وفي تلك اللحظة انتزعت جاو شيانغ نفسها من بين ذراعيه وركضت حافيةً نحو سطح الطابق العلوي.
— شياو يي!
لحق الاثنان.
حين وصلت شِن يي، رأت جاو شيانغ قد تجاوزت حاجز السطح. كانت تنورتها ترقص مع الريح وجسمها يتمايل وكأنها ستسقط في أي لحظة.
الطابق الرابع. من هذا الارتفاع الموت أو الإصابة البالغة.
— أمي!
— شياو يي!
ارتجف قلبا شِن يي وشِن يوه آن، لكن خشيا إثارة جاو شيانغ فوقفا بعيدًا ولم يتقدّما.
كان المطر يُبلّل الجميع والريح البارد يُرجف الأجساد.
قالت شِن يي بصعوبة وعيناها لا تحتملان الإغلاق: — أمي، اهدئي. دعينا نتحدث بهدوء.
لم تُجبها جاو شيانغ ونظرت إلى شِن يوه آن.
— تزوّجنا سنوات وما كان لنا إلا تشي يوه. إن لم تثأر لابنتنا اليوم، فأنا لا أريد البقاء في هذا العالم!
— مسكينتي تستوحش وحيدةً تحت الأرض. لا يهمني شيء بعد اليوم. سأنزل لأرافقها!
أرعش قلب شِن يوه آن وأراد أن يمنعها وهو يرفع يديه المرتجفتين: — ما هذا الكلام؟ شياو يي، أنا هنا معك للأبد. انزلي بسرعة!
وقفت شِن يي تُعاني بصمت وهي تُشاهد المشهد.
لكن من الذي أوصلنا إلى هذا؟
شدّت أصابعها بعضها وحفرت أظافرها في راحتَي يديها.
— أمي!
نادتها فجأة بصوت عالٍ ثم وقعت على ركبتيها.
💬 المناقشة