الفصل 46

«لا أريد أن أُتعبك، سأضع حقائبي هنا مؤقتًا فحسب، وسأفكر في حلٍّ لاحقًا».

«وأي حلٍّ يمكن أن تفكري فيه؟ رأس السنة على الأبواب، ومن سيساعدك في البحث عن منزل الآن؟».

قطّب لو مينغهه حاجبيه وهو ينظر إلى شِن يي، وكان يزمّ شفتيه بإحكام، غير مصدّقٍ كلامَها.

لو تركها وشأنها حقًا، لخشي أن تمضي شِن يي رأس السنة كاملة في هذا المكان.

«على أية حال، إن لم تأتِ معي اليوم، فلن أذهب أنا أيضًا، وسأبقى هنا».

سحب كرسيًّا وجلس، بهيئة من يريد أن يصمد أمامها حتى النهاية.

بدت الحيرة على وجه شِن يي وهي تنظر إليه، ولم تعد تعرف ماذا تقول، فلم يسعها إلا أن تومئ برأسها على مضض.

«حسنًا، قبلتُ».

منذ أن تعارفا، كان لو مينغهه لطيفًا معها على الدوام، يمدّ لها يد العون بشتى الطرق.

وقد حفظت شِن يي هذا الجميل في قلبها، وكانت تحدّث نفسها بأن تردّه متى سنحت لها الفرصة.

لكن بكل شيء، عدا أن تكون مع لو مينغهه.

تبعت شِن يي لو مينغهه حتى بلغت فيلاًّ ما.

وقفت عند البوابة ولم تدخل، بينما أنزل لو مينغهه الحقائب من السيارة، وبعد أن مشى خطوات لاحظ أنها لم تلحق به.

«ما بكِ؟».

قالت شِن يي بشيء من التردد:

«يكفي أن أسكن في شقة صغيرة، لم يكن عليك أن تحضرني إلى هنا».

ألقى لو مينغهه نظرة خلفه، ثم التفت إليها وقال: «لا بأس، المكان فارغ على أية حال».

«هذا هو المكان الذي كان يسكنه والداي بالتبني، لكنهما هاجرا إلى الخارج ولن يعودا، والمنزل بقي فارغًا طويلًا حتى فقد رونقه».

نظرت شِن يي حولها، كانت ورود الحديقة في أوج تفتحها، ولم تكن على الأرض ورقة واحدة متساقطة، ويبدو أن ثمة من يأتي لينظف المكان كل يوم.

«اعتبري أنك تسدين لي معروفًا، بأن تعيدي إلى هذه الفيلا بعض دفء الحياة». تقدم لو مينغهه حتى صار أمامها.

بدا على وجهه أملٌ كبير، حتى لكأنه هو من يرجوها أن تسكن عنده.

أدركت شِن يي أن لو مينغهه إنما يبحث عن حجة بطريقة ملتوية لمساعدتها فحسب.

لكنها لم تكشف أمره، بل أومأت برأسها ووافقت.

بعد أن دخلت معه، اكتشفت أن طراز الديكور الداخلي يختلف تمامًا عن الخارج.

فمن الخارج يبدو المنزل أشبه بعمارة أوروبية صغيرة، لكنها ما إن دخلت حتى فوجئت بعالم آخر تمامًا.

فقد استقبلتها أجواء صينية تقليدية دافئة تبعث على الحنين.

تأملت ديكور الفيلا، وتوقفت خطواتها أمام لوحة زيتية معلقة على الجدار.

«أمي بالتبني كانت تحب جمع اللوحات والخطوط، وعندما سافرا قالا إنهما قد يعودان ليقضيا فترة هنا إذا سنحت لهما الفرصة، لذلك بقيت كل الأشياء في أماكنها تقريبًا من دون أن تُمس».

«والداك بالتبني؟».

كانت شِن يي مستغربة منذ أن ذكر لو مينغهه ذلك.

فكل ما كانت تعرفه عنه أنهما التقيا أول مرة عندما كان ذاهبًا لزيارة قبر أمه، أما ما عدا ذلك فلم تكن تعرف عنه شيئًا البتة.

لم يبدُ على لو مينغهه أنه يخفي شيئًا.

«يبدو أنني لم أخبرك عن عائلتي من قبل؟».

أدار عينيه نحوها، ثم قال:

«في الحقيقة، توفيت أمي وأنا صغير جدًا، وربّاني والداي بالتبني، وهما بالنسبة لي بمثابة والديّ الحقيقيين».

أومأت شِن يي برأسها: «إذن لماذا لم تهاجر معهما إلى الخارج؟».

«أبي بالتبني من أصول كندية مختلطة، لكنني أشعر دائمًا أن عليّ البقاء في الأرض التي ولدت وترعرعت فيها، ثم إنني أعيش وحدي بشكل جيد الآن».

لم تُعلّق شِن يي، وخيّم الصمت على الفيلا الواسعة، بينما حمل لو مينغهه حقائبها إلى الطابق العلوي.

«كان هنا مدبّر منزل، لكنه استأذن وعاد إلى بلدته منذ يومين، وقد يحتاج بضعة أيام حتى يعود».

«لا داعي للتكلف».

لم تكن شِن يي ترى نفسها مدللة إلى حد تحتاج معه إلى من يخدمها.

كان الحصول على مكان تقيم فيه الآن في حد ذاته أمرًا طيبًا.

غير أن هذا ليس حلًّا دائمًا، فلا بد أن تجد مسكنًا خاصًا بها.

كان لو مينغهه يود أن يبقى معها في الفيلا لبعض الوقت، لكن أمرًا طرأ في الشركة اضطره إلى الانصراف.

قالت له: «لا بأس، اذهب وتولّ شؤونك أولًا».

بعد أن غادر لو مينغهه، استحمّت شِن يي بماء ساخن.

رفعت درجة حرارة الماء كثيرًا، حتى بدأ جلدها الأبيض يحمرّ.

ملأ البخار أرجاء الحمام.

كأنما انفجرت مشاعرها المكبوتة في تلك اللحظة، فأطبقت على أسنانها بقوة، وانهمرت دموعها صامتة على وجنتيها.

حياتها قاسية جدًّا، لكن عليها أن تواصل الصمود.

بعد يومين، جاءت ليلة رأس السنة.

اتصل الأستاذ وو بشِن يي بالفيديو للتهنئة بالعيد، فلما رأى ديكور غرفة النوم خلفها، اطمأن قلبه أخيرًا.

«صحيح، لقد تواصلت معي الشرطة قبل قليل وأخبروني أن الجثة وصلت، فطلبت من الحارس أن يضعها في غرفة التبريد مؤقتًا، وعندما تنتهي العطلة يمكنك الذهاب، كما كلمت مدير المخفر، فلا داعي للعجلة في هذا الأمر».

فلو كُلف أحدهم بالعمل في العطلة، لكان ذلك منافاةً للعدالة حقًّا.

لكن الأستاذ وو، لأنه يعرف طبع شِن يي، وجّه إليها هذا التنبيه خصيصًا.

ابتسمت شِن يي وقالت: «أعلم».

أفراد الشرطة أيضًا لا يرغبون في العمل خلال العيد، ومن هنا جاء هذا التنبيه على ما يبدو.

تبادلت مع الأستاذ وو بعض الأحاديث، ثم أنهت المكالمة.

مشت إلى النافذة، ونظرت إلى الثلوج البيضاء في الخارج، فغمر قلبها سكون عميق.

ليت حياتها تبقى هكذا هادئة إلى الأبد.

لكن شِن يي تدرك جيدًا أن هذا مستحيل.

فما ينتظرها في الأمام كثير.

مقتل شِن تشي يوه، وعودة غو يوجن…

وفضل لو مينغهه الذي في عنقها.

عند الظهيرة، اتصل لو مينغهه بشِن يي ودعاها إلى العشاء في المساء.

فقد فكّر أنه ما دامت شِن يي وحيدة الآن، وفي مثل هذا اليوم تحديدًا، فإن وجود شخص إلى جانبها قد يُدخل السرور إلى قلبها.

«أنا أيضًا وحدي في البلاد، وفي ليلة رأس السنة سأكون وحدي، فما رأيك أن نكون رفيقين متواضعين؟».

كان لو مينغهه يملك موهبة صياغة الكلام بأسلوب لطيف، بحيث يصعب على شِن يي أن ترفض.

فوافقت.

في فترة ما بعد الظهر، كانت شِن يي تجلس على كرسي الاسترخاء في الشرفة، وقد كاد النعاس يغلبها، حين سمعت فجأة حركة في الطابق السفلي.

ظنت أن لو مينغهه قد عاد، فنزلت مرتدية خفّيها.

لكنها ما إن رأت الرجل والمرأة اللذين دخلا، حتى تجمدت في مكانها تمامًا.

«من أنتما…؟».

فوجئ الزوجان بدورهما حين رأيا المرأة الواقفة على الدرج، ولولا أنهما تحققا من طراز المنزل وتأكدا أنه منزلهما، لظنّا أنهما دخلا بيتًا خاطئًا.

«ومن أنتِ؟».

كان رد فعل شِن يي سريعًا، فلمّت أطراف ثوب نومها وتقدمت قائلة:

«هل أنتما والدا لو مينغهه بالتبني؟».

رأت أن الرجل في منتصف العمر فارع القامة، تبدو عليه بوضوح ملامح مختلطة الأعراق، بينما بدت المرأة جميلة التقاسيم، لطيفة المعشر.

ومن يستطيع دخول هذه الفيلا مباشرة، فلن يكونا على الأرجح سوى من سمّاهم لو مينغهه بوالديه بالتبني.

🎉

انتهى الفصل 46

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك