الفصل 49
تحركت عينا تشو هويا بين غو جينغمو الذي يخلو وجهه من أي تعبير، ثم التفتت إلى شِن يي.
وفجأة، تذكرت ما قالته شِن يي قبل قليل في الفيلا.
لقد قالت إنها انفصلت لتوها عن زوجها، وإنها لا تفكر في أي أمر عاطفي في الوقت الحالي.
ومع أن تشو هويا كانت تلتقي بغو جينغمو لأول مرة اليوم، إلا أن غو يوجن كانت قد حدثتها عنه من قبل.
وها هي تراه اليوم، فإذا به مطابقٌ تمامًا لما سمعته عنه. مجرد تلك الهيبة التي تنبعث من كل ذرة فيه، كفيلة بأن تزرع الرهبة في قلب من يقابله.
لا عجب إذن ألا تفكر في العلاقات العاطفية.
فمن ذاق أطيب الثمار، كيف يطمع بعدها في أشياء عادية؟
غير أن ابنها ليس شخصًا عاديًا هي الأخرى.
كانت تشو هويا ما تزال تنظر بعين الرضا إلى لو مينغهه.
ظلت أجواء هذه الوجبة مشحونة بالحرج طوال الوقت، وبالكاد استطاعت شِن يي أن تصمد حتى انتهت، حتى إنها بدأت تفكر في المغادرة.
لكن في تلك اللحظة، نادى غو جينغمو اسمها فجأة.
التفتت شِن يي نحوه باستغراب.
هل لدى غو جينغمو أمر يخصها؟
لم تستطع شِن يي أن تتخيل أن ثمة ما يمكن أن يقال بينهما بعد الآن.
«اذهبي معي إلى المكتب، هناك أمر مهم للغاية.»
وبمجرد أن أنهى كلامه، نهض الرجل وغادر دون أن يلتفت.
ولم يكن أمام شِن يي إلا أن تتبعه.
لم تكن المسافة بين غرفة الطعام والمكتب طويلة، لكن قلب شِن يي ظل يخفق بقلق.
فهي لا تعرف إطلاقًا ماذا يريد غو جينغمو أن يقول لها.
وما إن دخلا المكتب، حتى دفع الرجل بملف أمامها.
«ما هذا؟»
نظرت شِن يي إلى غو جينغمو بدهشة لا تخلو من حيرة، ثم تناولت الملف.
كانت وثيقة إثبات ملكية أسهم.
كُتب فيها أن الجدة غو تنازلت طوعًا عن خمسة بالمئة من أسهمها لصالح شِن يي.
ألقت عليها نظرة واحدة فقط، ثم أعادت الملف إلى الطاولة: «لا أريدها.»
ما تزال شِن يي تشعر بالذنب حتى الآن.
مهما يكن سبب رحيل الجدة، وسواء أكانت كلماتها هي التي أثارت ذلك أم لا، فقد كان على شِن يي أن تستمع إلى غو جينغمو من البداية.
كان عليها أن تستمر في إخفاء الحقيقة عن الجدة، حتى لا ترحل عن الدنيا وفي قلبها غصة.
لكن الآن، لا شيء يمكن أن يعيد ما فات.
لهذا، لن تقبل شِن يي أسهم الجدة الآن.
فبينها وبين آل غو، منذ أن استخرجت عقد الطلاق مع غو جينغمو، لم يعد هناك أي صلة.
فكيف تطمع في شيء كهذا؟
أطلق غو جينغمو شهقة استنكار: «أنت تعرفين أن هذه وصية الجدة الأخيرة، وما دامت هي من قررت ذلك، فلا أحد يستطيع تغييره. وإذا كنتِ لا تريدينها حقًا، فاذهبي وقولي لها ذلك بنفسك.»
شِن يي: …
كيف لها أن تذهب وتقول ذلك بنفسها؟
«صحيح، فأنتِ بعد أن تسلقتِ إلى عائلة لو، كيف لعينيك أن تطيقا أسهمًا زهيدة كهذه من عائلتنا؟ والأهم من ذلك، لو قبلتِ هذا المال، أترتاحين له في ضميرك؟»
نظرت شِن يي إليه بصدمة بالغة: «ماذا تقول؟»
هل يدرك ما الذي يخرج من فمه الآن؟
كانت ملامح غو جينغمو مشوبة بضيق واضح، وما إن تذكر مشهد لو مينغهه وهو يلتقط الطعام لشِن يي في صحنها، حتى انقبض صدره كأن شيئًا ثقيلًا يعتصره.
كم من الوقت مضى منذ آخر لقاء بينهما؟ يبدو أن علاقتهما تطورت بسرعة الصاروخ.
أخذ غو جينغمو نفسًا عميقًا، ثم استدار نحو النافذة محاولًا تهدئة نفسه.
بعد دقيقتين تقريبًا، التفت نحو شِن يي من جديد: «ما يزال في عائلة غو من يتربصون بالأسهم التي في يدك، وقد يفكرون في أي حيلة يسلبونك إياها.»
«وما دام لو مينغهه يهتم بك إلى هذا الحد، فدعيه يحميك جيدًا. لا أريد أن تسقط هذه الأسهم في أيدي أولئك الطامعين.»
حدقت شِن يي في عينيه الغامضتين، فتسرب اليأس إلى قلبها بعد أن كان بصيص من أمل قد لمع في داخلها.
إذن هذا هو السبب.
إذن، غو جينغمو ليس قلقًا عليها هي، بل يخشى فقط أن تقع أسهم الجدة الخمسة بالمئة في أيدي من يتربصون بسلطة عائلة غو.
ابتسمت شِن يي ابتسامة باهتة وهي تسحب شفتيها: «فهمت.»
وبعدها، خيم الصمت بينهما.
بدأت شِن يي تسأل نفسها بمرارة: متى وصلنا أنا وغو جينغمو إلى هذا الحد؟
كنا يومًا لا نخفي عن بعضنا شيئًا، كنا نسير يدًا بيد في حرم الجامعة بحب وألفة.
والآن… تغير كل شيء.
في تلك الأثناء، في الطابق السفلي من الفيلا.
خرجت غو يوجن من المطبخ حاملة طبقًا من الكرز، فلمحت لو مينغهه جالسًا على الأريكة.
وجهه الجانبي منحها شعورًا غريبًا بالألفة.
وكأن ذكريات كانت مدفونة في أعماق قلبها، انفجرت فجأة مثل موج جارف.
عقدت غو يوجن حاجبيها بشدة، ووقفت في مكانها بلا حراك.
وكانت تشو هويا أول من لاحظها.
«يوجن، ما بك واقفة هكذا؟ إلى ماذا تنظرين؟»
تتبعت نظرتها، فوجدتها موجهة نحو ابنها. لكن بفضل خبرتها الطويلة، أحست أن نظرة غو يوجن لابنها تحمل شيئًا أعمق من مجرد الفضول.
ألا يعني ذلك أننا أمام مثلث حب مأساوي؟
هنا، تملك القلق تشو هويا تمامًا.
أما غو يوجن فاستعادت رشدها، ومسحت طرف عينيها بهدوء: «لا شيء، تفضلي وتذوقي هذا الكرز الذي غسلته لتو، إنه حلو المذاق.»
تلقت تشو هويا الطبق، وأرادت أن تغتنم الفرصة لتسألها عن شيء، لكن غو يوجن غيرت الموضوع بسرعة.
«لدي بعض الأشياء، سأصعد إلى الأعلى أولًا.»
وهي تراقب ظهرها الذي بدا وحيدًا، شعرت تشو هويا بغصة في قلبها.
لقد عثرت على غو يوجن ذات يوم في شوارع كندا، وكانت ثمِلة حتى فقدت وعيها تمامًا. ربما كان ذلك هو القدر حقًا.
أشفقت تشو هويا عليها وأخذتها إلى منزلها لتعتني بها.
حتى زوجها داي ون حين رأى غو يوجن في البيت، طلب منها أن تأخذها إلى مركز الشرطة.
فقد كان من الشائع أن يجد المرء أشخاصًا تحت تأثير المخدرات ملقين في الطرقات.
كان داي ون يقلق على زوجته فحسب.
لكن تشو هويا رأت وجه غو يوجن الشاحب، وسمعتها تردد اسم شخص ما بين هذيانها، فلم يقو قلبها على تركها.
وبعد أن تعافت غو يوجن، بقيت في كندا.
وبمساعدة تشو هويا وزوجها، نضجت كثيرًا وتعلمت أشياء جديدة، حتى استطاعت أخيرًا أن تتعافى من ألم انفصالها عن لين موتشيان.
لكن حتى اليوم، ما يزال اسم لين موتشيان جرحًا لا يُذكر في قلب غو يوجن.
وصلت غو يوجن إلى باب المكتب، وهمّت بدفعه للدخول، حين سمعت فجأة صوت غو جينغمو من الداخل.
«ألا تشعرين بأي وخز ضمير الآن حين ترين غو يوجن؟»
كان يعرف أنه ما كان ينبغي أن يسأل هكذا.
فهذا الكلام جارح للغاية، كأنه سكين حاد يشق صدرَيهما بلا رحمة.
ولم يترك خلفه إلا دماءً نازفة أمام عيونهما.
ابتلعت شِن يي ريقها بصعوبة، وظهرت في عينيها ملامح الألم.
«ولمَ أشعر بالذنب؟ الحب أصلاً يحتاج إلى طرفين راغبين.»
لم تعد هناك حاجة لأن تشرح شِن يي أي شيء لغو جينغمو بعد الذي صار.
وحتى لو تكلمت، فمن غير المرجح أن يصدقها.
فالأفضل أن يبقى الأمر هكذا.
وما إن انتهت كلماتها، حتى انفتح باب المكتب فجأة بقوة.
—
💬 المناقشة