الفصل 21

فكّرت شِن يي قليلًا، وأدركت أن مثل هذا الأمر لا يصلح أن يُترَك في رسالة، فاكتفت بأن أرسلت إلى لو مينغهه رسالة نصية تطلب منه أن يعاود الاتصال بها متى سنحت له الفرصة.

ولأنها كانت تضع في حسبانها خصوصية الأمرين معًا، لم تتعجل شِن يي في استخراج الرقاقة الإلكترونية من كاحل الرجل.

وكلما مضى الوقت، أخذت السماء تُظلم شيئًا فشيئًا، غير أن لو مينغهه لم يتصل بها بعد، فغيّرت شِن يي ملابسها وغادرت معهد الترميم.

كانت قد حدّدت موعدًا مع وسيط عقاري للقاء، فالبحث عن سكنٍ جديد الآن هو أهم ما يشغلها.

فهي في النهاية ستنتقل من منزلها عاجلًا أم آجلًا، فلتُبادر إلى البحث من الآن.

لكنها حين قابلت الوسيط في المكان المتفق عليه، فوجئت بأن الشخص قد تبدّل فجأة.

فطوال الفترة السابقة، كان وسيط يدعى لي هو من يتواصل معها، أما الآن فقد حلّ مكانه رجل يدعى تشو.

قال الرجل: «أنا ولي وين زميلان، وقد طرأ له ظرف عائلي طارئ، فطلب مني أن أنوب عنه في اصطحابك. الوقت ليس مبكرًا الآن، فلننطلق لمعاينة المسكن، فلي وين قد سلّمني المفاتيح كلها.»

صحيح أن شِن يي تتفهّم أن لكل إنسان ظروفه الطارئة، لكن كان حريًا بلي وين أن يخبرها على الأقل.

لم تُبدِ شِن يي اعتراضًا في ظاهرها، غير أنها أرسلت رسالة إلى لي وين تستفسر منه عمّا حدث.

لكن الطرف الآخر لم يردّ إطلاقًا.

ما الذي يجري اليوم؟ لماذا يبدو الجميع مشغولين إلى هذا الحد؟

عند مرورها أمام متجر للحلويات، تذكّرت شِن يي فجأة الجدة التي ما تزال في المستشفى، وبما أن الجدة قد استيقظت الآن، فقد قررت أن تشتري لها بعض الحلويات التي تحبها بعد الانتهاء من معاينة المسكن، ثم تزورها في المستشفى.

اتصلت شِن يي بالجدة خصيصًا لتسألها عن النكهات المفضلة لديها، وحين أنهت المكالمة، لاحظت أن السيارة صارت تسير في طريق نائية.

ألقت نظرة غريبة من النافذة وقالت: «إلى أين نحن ذاهبان؟»

كانت شِن يي قد وضعت ميزانيتها المحدودة في الحسبان منذ البداية، لكنها لم تختر أبدًا موقعًا ريفيًا منعزلًا كهذا.

ابتسم الوسيط وشرح لشِن يي بصبر: «هذا الموقع أيضًا أوصى به لي وين من قبل، وطلب مني أن أصطحبك أولًا لمعاينة المسكن هناك. لا تنخدعي بالموقع النائي، فحركة المرور نهارًا جيدة، كما أن المساكن هناك ممتازة مقابل أسعارها، وسواء من حيث التشطيب أو السعر فستنال رضاكِ بالتأكيد.»

لكن شِن يي ظلت عابسة.

كان حدسها يخبرها أن في الأمر شيئًا مريبًا.

قالت: «لا داعي، اصطحبني أولًا لمعاينة المساكن في وسط المدينة. وأما المسكن الذي تصفه بالجودة والسعر المناسب، فسأتصل بكم لاحقًا لمعاينته حين يتسنى لي الوقت.»

ولأنها تعاملت في الأصل مع وكالة مرخّصة، إضافة إلى ترشيح تانغ تانغ لها، لم يخطر ببال شِن يي أنهم قد يكونون محل شك.

لكن الرجل ضغط على دواسة الوقود بدلًا من أن يستجيب.

قال: «آنسة شِن، أعمل في مجال العقارات منذ سنوات طويلة، ثقي بي، سيعجبكِ ذلك المسكن حتمًا فور أن تريه.»

أحكمت شِن يي قبضتها على حزام الأمان، بينما استعدّت يدها الأخرى للضغط على زر الاتصال السريع للطوارئ.

قالت: «قلت لا داعي، أعد السيارة الآن إلى وسط المدينة.»

لم يجب الرجل، بل ظل محدقًا في الطريق أمامه.

تأكدت شِن يي حينها أن هذا الرجل مريب بلا أدنى شك.

زمّت شفتيها وقالت: «من أنت حقًا؟ ولماذا تفعل هذا؟»

لم تستطع أن تفهم: من ذا الذي قد يضمر لها الأذى؟

ابتسم الرجل ببرود قائلًا: «لا تكثري من الأسئلة، ستعرفين بنفسك حين نصل بعد قليل.»

إذن، فالأمر حقيقي.

ألقت شِن يي بنفسها إلى الأمام دون اكتراث بأي شيء، ومدّت يدها لانتزاع المقود من يد الرجل.

وكأن الرجل لم يتوقع أن تُقدِم على تصرف جنوني كهذا، فصار المقود يتأرجح بين يديه يمينًا ويسارًا.

تمايلت السيارة السوداء على الطريق الواسع يمنة ويسرة، ولحسن الحظ أن المنطقة المحيطة كانت نائية قليلة الحركة، فلم تكن هناك سيارات أخرى.

وفي اللحظة التي كادت فيها السيارة ترتطم بشجرة على جانب الطريق، اتسعت عينا الرجل وداس على المكابح بقوة.

صرخ: «أنتِ مجنونة!»

كان ما يزال مذهولًا، ويداه اللتان تقبضان على المقود ترتجفان بلا توقف.

أما شِن يي فلم تتردد لحظة، بل فكّت حزام الأمان بسرعة وخرجت من السيارة.

لم تعد تفكر في شيء سوى الهرب، فقد كان الهرب هو الفكرة الوحيدة التي تسيطر على عقلها.

لكن في تلك اللحظة، ظهرت فجأة سيارتان قادمتان من الأمام والخلف، وأضواء مصابيحهما الساطعة جعلت عينيها لا تكادان تبصران.

تسارعت دقات قلب شِن يي، وتسلل إليها إحساس سيئ.

وفي اللحظة التالية، رأت امرأة ترتدي فستانًا أحمر طويلًا تنزل من إحدى السيارتين.

كانت المرأة تمسك سيجارة بين أصابعها، وكانت جذوتها الحمراء المتوهجة تلمع في الظلام بشكل لافت للنظر.

أهي تشين شوجو؟

فكّرت شِن يي تلقائيًا، إذ إنها لا تجد امرأة أخرى تحمل لها عداءً سوى تشين شوجو.

«أختي جيا، ماذا نفعل الآن؟»

المرأة التي نوديت باسم «جيا» ألقت السيجارة التي احترق نصفها على الأرض، وأخمدتها بطرف حذائها، ثم اتجهت نحو شِن يي بخطوات وئيدة.

كان صوت كعبها العالي يرتطم بالأرض محدثًا طرقات واضحة، حتى لكأن كل خطوة تقع مباشرة على نبضات قلب شِن يي، بإيقاع متطابق.

قالت المرأة: «سلّمي الشيء، وسأترككِ ترحلين الآن.»

ظهر وجه المرأة بالكامل تحت ضوء مصابيح الشارع: شفتان حمراوان براقتان، وعينان سوداوان لامعتان، تحملان شيئًا من التحدي اللامبالي.

لكن شِن يي بدت حائرة.

أي شيء تقصد؟

لم تكن تريد سوى معاينة مسكن، لكن هؤلاء الأشخاص جاؤوا إليها فجأة، ودون أن ينبسوا بكلمة واحدة، اقتادوها إلى هذا المكان القفر.

قالت شِن يي وهي تحدق في عيني المرأة بهدوء: «لا أفهم عمّا تتحدثين.»

ضحكت المرأة ضحكة خافتة، وأخرجت من جيبها ولّاعة، وأخذت تعبث بغطائها بأصابعها.

قالت: «شِن يي، مرمّمة جثث، صحيح؟ معلوماتكِ كلها بين يديّ. إن كنتِ لا تريدين أن يطول أذاك من حولكِ، فسلّمي الشيء بسرعة. ليس لديّ صبر لأضيعه معكِ.»

رغم ما قالته، ظلت شِن يي في حيرة تامة.

قالت: «صدقًا لا أعرف ما الشيء الذي تريدينه.»

«الرقاقة.»

نطقت تانغ جيا بالكلمة ببطء، وعيناها مثبتتان على شِن يي، فقد فتشت كل مكان يمكن أن يخبأ فيه الشيء، لكنها لم تعثر على أي أثر.

حتى الناس المحيطون بلو مينغهه نقلوا لها أن الشيء ليس في حوزته.

إذن، فلا بد أن الشيء ما يزال في الجثة.

وبما أن شِن يي عملت على الترميم طوال هذه الأيام، فلا بد أنها اكتشفته أيضًا.

عند سماع ذلك، ارتجف قلب شِن يي بقوة.

إذن، كان كلام لو مينغهه السابق صحيحًا.

فبسبب الطبيعة الخاصة لهوية ذلك الشخص، كان من المحتمل جدًا أن يطولها الخطر هي أيضًا، وها هي الرقاقة التي اكتشفتها بعد ظهر اليوم، قد جاء من يبحث عنها في المساء نفسه.

حافظت شِن يي على ملامح هادئة، وأمالت رأسها نحو المرأة التي نفد صبرها وقالت: «رقاقة؟ ما تلك؟»

«سيدتي، يبدو أنكم أخطأتم الشخص، فأنا حقًا لا أحمل ما تبحثون عنه.»

«أوقفي هذا الهراء، إن لم تسلّميها، فلا تحلمي بمغادرة هذا المكان حيّة اليوم!»

ومع نهاية كلامها، أطبقت الولّاعة بعنف، محدثة صوتًا معدنيًا حادًا واضحًا.

كان صبرها محدودًا، ولولا أنها ليست في أرضها، وأن إحداث جلبة كبرى سيصعّب عليها التنظيف بعد ذلك، لما كانت تانغ جيا تحتاج إلى كل هذا العناء أصلًا.

لكن شِن يي لم تنبس بكلمة.

«رفضتِ الخير وأبيتِ إلا الشر.»

أشارت تانغ جيا بنظرة إلى حارسها الشخصي، لكن في تلك اللحظة، انطلقت سيارة رياضية سوداء من بعيد مسرعة في اتجاههم.

🎉

انتهى الفصل 21

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك