الفصل 29

الآن، لم تعد تانغ جيا تكلف نفسها عناء التظاهر بشيء، ونظرت إلى شين يي بنظرة حاقدة قاسية.

“بطبيعة سونغ تسي، يستحيل أن يخفي شيئًا بهذه الأهمية في مكان آخر، إذن لا بد أنه أخرجه معه.”

“والشخص الوحيد الذي يمكنه الاقتراب من جثمان سونغ تسي… هو أنتِ!”

ابتسمت شين يي ببرود، فقد كشفت تانغ جيا أخيرًا عن وجهها الحقيقي.

لكن لا بأس، فهي أصلًا لم تعد ترغب في قول المزيد لتانغ جيا.

“شين يي، لقد منحتُكِ من الاعتبار ما يكفي، هدفي بسيط جدًا، أريد فقط استعادة ما يخصني. أمنحكِ الآن فرصة أخيرة، إن سلّمتِ الرقاقة طواعيةً، سأتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، وإلا فلا تلوميني إن أسأتُ إليكِ.”

صحيح أن هذا المكان ليس أرضها، ولم تكن تريد في البداية أن تلفت الأنظار هنا، لكن إذا ما ضُيّق عليها الخناق حقًا…

فلن تخشى شيئًا.

بقي وجه شين يي ثابتًا كالسابق.

“إذن سأقول للمرة الأخيرة، أنا حقًا لا أعرف أين يوجد الشيء الذي تبحثين عنه.”

“أنتِ تطلبين الموت!”

أغمضت تانغ جيا عينيها قليلًا، لكن في تلك اللحظة، انطلقت صافرات سيارات الشرطة من مكان قريب.

فقد كانت شين يي قد حاولت الاتصال بالشرطة عبر مفتاح الطوارئ، لكنها ضغطت بالخطأ على رقم لو مينغهه، فما إن سمع صوت تانغ جيا عبر الهاتف حتى أسرع بالحضور.

“تانغ جيا، الشيء في حوزتي أنا.”

وقف لو مينغهه على بُعد أمتار قليلة، “شين يي لا علاقة لها بهذا الأمر إطلاقًا، إنها حتى لا تعرف ما الذي حدث، لا فائدة من مطاردتها.”

سمعت تانغ جيا ذلك فازدادت ابتسامتها برودة.

“أتظن أنني سأصدق كلامك؟ كل ما تريده هو مساعدة سونغ تسي على تحقيق أمنيته، وإزهاق روحي.”

“وما دمت قد اقتربت من الموت أصلًا، فلم يعد لديّ ما أخشاه، فلأجرّ معي شخصًا إلى الهاوية!”

وبعد أن أتمت كلامها، أخرجت تانغ جيا خنجرًا من جيبها بحركة سريعة جدًا، ووضعته عند حنجرة شين يي.

“تانغ جيا!”

ذُعر لو مينغهه، وتقدم خطوة إلى الأمام، خائفًا من أن تندفع تانغ جيا في حركة طائشة فتؤذي شين يي.

“اهدئي أولًا، يمكننا أن نتحاور بهدوء، لكن لا تقدمي على أي تصرف أحمق، أنتِ الآن محاصرة بالشرطة.”

صحيح أن تانغ جيا ارتكبت قبل ذلك أفعالًا شنيعة كثيرة، لكن كما قال لو مينغهه تمامًا…

تلك الجرائم لم تترك خلفها أي دليل، وحتى لو أمسكت بها الشرطة فلن تستطيع فعل شيء.

أما الآن فالأمر مختلف.

إن آذت شين يي حقًا، فستتغير طبيعة كل شيء.

“لو مينغهه، ولماذا أصدق كلامك أنت؟ أنا في نهاية الطريق على أي حال، عشتُ حتى اليوم حياةً بائسة، الشخص الذي أحببته كان همه الوحيد جمع الأدلة ضدي ليقضي عليّ، ومن يحبونني يتذرعون بحبهم لي وهم لا يريدون سوى أن أكون أداةً لخدمتهم… أتظن أن شيئًا يخيفني بعد الآن؟”

رسم الخنجر الحاد خطًا أحمر على رقبة شين يي البيضاء الناصعة.

عبست شين يي قليلًا، لكن كلمات تانغ جيا السابقة ترددت في أذنيها، وفجأة شعرت…

أن تانغ جيا ربما ما تزال تحمل مشاعر حقيقية تجاه سونغ تسي.

وأن ما تحقده ليس سوى أنه اختار غيرها في النهاية.

“ماذا لو قلتُ لكِ إن سونغ تسي فكّر يومًا في التخلي عن كل شيء من أجلكِ؟”

قال لو مينغهه ببطء: “في الأصل، لم يكن من المفترض أن أخبركِ بهذا، لكنه اتصل بي فعلًا قبل ذلك، وطلب مني أن أجهز له هوية مزيفة لامرأة داخل البلاد، وأظنها كانت مُعدّة لكِ.”

“لم يكن قادرًا على خيانة مهمته، لكنه ظل يأمل أن تنالي أنتِ حياةً جديدة تخصك.”

حين جاء سونغ تسي إليه في ذلك الوقت، ظن لو مينغهه أنه فقد عقله تمامًا.

أن يفعل شيئًا كهذا من أجل امرأة آثمة إلى هذا الحد؟

لكن كلمات سونغ تسي جعلته يغرق في تفكير عميق.

“مأساة طفولتها أشد ألمًا مما كنت أتخيل بكثير، حتى إن كل المقربين منها كانوا في الحقيقة يستغلونها فحسب، ولا أحد يتمنى لها الخير بصدق. لذلك فكرت… ربما لو استطاعت أن تشعر ببعض الدفء في هذه الدنيا قبل أن يُقبض عليها، فقد تختار تسليم نفسها بنفسها. أردت أن أحاول، وإن لم ينجح الأمر، فلن أتردد في تسليم الأدلة إلى الشرطة الدولية.”

“كيف يكون هذا ممكنًا؟”

ضحكت تانغ جيا بمرارة، لم تصدق أن لسونغ تسي مكانًا حقيقيًا لها في قلبه.

“لا مصلحة لي في خداعكِ، وما زالت لديّ بعض المعلومات التي أرسلها سونغ تسي حينها، إن أردتِ الاطلاع عليها، أستطيع أن أريكِ كل شيء، وهناك أيضًا الكثير من الأمور التي لا تعرفينها عنه، وبإمكاني إخباركِ بها.”

تصبب العرق البارد على جبهة شين يي، وشحب وجهها.

“تانغ جيا، أنا أصدق أن كل ما قلتِه لي عند ضفة النهر كان حقيقيًا، لكن اسألي نفسكِ بصدق… هل كانت تلك الكلمات حقًا أم باطلًا؟”

تجمدت تانغ جيا للحظة.

كلامها، بالطبع، كان حقيقيًا.

ومشاعرها تجاه سونغ تسي، كانت حقيقية أيضًا.

لكنها لا تستطيع أن تتحمل الخيانة طوال حياتها.

فمنذ البداية، اقترب منها سونغ تسي وهو يحمل غاية خفية، ولم يعترف يومًا، ولم يتوقف أبدًا.

وبينما كانت تانغ جيا شارد الذهن، انقضّ عليها رجال الشرطة الذين التفوا خلفها.

“آه! أفلتوني!”

طُرحت تانغ جيا أرضًا، بينما تراجعت شين يي خطوات سريعة إلى الوراء، وفي اللحظة التالية سقطت في حضن لو مينغهه.

“هل أنتِ بخير؟”

احتضنها لو مينغهه بذراعيه، وعندما رأى الخط الأحمر تحت رقبتها، قطّب حاجبيه بقوة.

لم يكن من المفترض أن تُزج شين يي في هذه القضية أصلًا، وها هي الآن قد أُصيبت بسببها.

لو كان يعلم أن الأمر سيصل إلى هذا، لما سمح لو مينغهه لشين يي بالدخول في هذه القضية أبدًا.

كانت شين يي ما تزال مذعورة، وجهها شاحب كالورق، بقيت مبهوتة للحظات قبل أن تهز رأسها، ثم أدارت عينيها نحو تانغ جيا التي أسقطها رجال الشرطة أرضًا وقيّدوها.

لكن تانغ جيا بدت هادئة الملامح بشكل غريب، وكأنها كانت مستعدة للاعتقال منذ زمن.

فمن مات قلبه لا يعود يرجو من المستقبل شيئًا، ولا يهمه بعد ذلك أي مصير ينتظره.

خلع لو مينغهه معطفه ووضعه على كتفي شين يي.

“هيا، سأوصلك إلى المنزل أولًا.”

لم ترفض شين يي، استدارت خافضة رأسها، لكنها ما إن خطت خطوة واحدة حتى خارت قدماها وكادت تسقط، لولا أن لو مينغهه مدّ يده في الوقت المناسب وأمسكها.

“هل أنتِ بخير؟”

تشبثت شين يي لا شعوريًا بذراع الرجل، وابتلعت ريقها، ثم أومأت.

“شكرًا، أنا بخير.”

أرادت أن تثبت وقفتها، لكنها حين رفعت رأسها، أبصرت أمامها قامة رجل ظهرت فجأة.

كان غو جينغمو قد خرج من المستشفى يلاحقها، فرأى شين يي وهي تستقل سيارة رياضية، وحين وصل إلى هنا لم يتوقع أن يرى هذا المشهد.

ورغم أنهما انفصلا منذ زمن، فإن قلبه تلقى ضربة موجعة حين رأى شين يي منكمشة في حضن رجل آخر.

🎉

انتهى الفصل 29

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك