الفصل 39

في يوم دفن الجدة، هطلت الأمطار.

كانت قطرات المطر باردة منعشة، ما إن تلامس جسد المرء حتى تُرسل فيه رعشة لا إرادية.

كانت شِن يي ترتدي ملابس خفيفة، لكنها لم تشعر بأي برد إطلاقًا، بل شعرت أن الريح الباردة التي تمرّ عبر شعرها ليست سوى عناق من جدتها.

لم تتقدم إلى الأمام، بل وقفت تحت شجرة على مقربة، تراقب غو جينغمو بصمت وهو يقف في قلب الجموع.

كان الرجل طويل القامة منتصب القوام، ومجرد النظر إليه يبعث على الطمأنينة.

لكن شِن يي قالت في نفسها إن غو جينغمو لم يعد سندها منذ زمن بعيد، فابتسمت ابتسامة مريرة.

فهي في النهاية، من تخلّت عنه أولًا.

قبضت على مقبض المظلة بكلتا يديها بقوة، وعندما هبّت الريح الباردة كانت دموعها قد غمرت وجهها، وعادت كلمات الجدة التي قالتها لها في ذلك الوقت تتردد في ذهنها من جديد.

كانت الجدة تتمنى لشِن يي أن تكون بخير في كل شيء.

لكن ماذا عن الآن؟

شعرت شِن يي أنها حوّلت حياتها إلى فوضى عارمة.

من يهمها أمرهم يرحلون عنها واحدًا تلو الآخر، فكيف لها أن تنهض من جديد وتعيش؟

أخذت شِن يي نفسًا عميقًا، يملؤها الحزن والأسى.

وفي تلك اللحظة، رصدها أحدهم.

“كيف تجرؤين على المجيء إلى هنا؟ يا نذيرة الشؤم!” كانت القادمة إحدى قريبات عائلة غو من بعيد، ويبدو أنها لمّا رأت موقف غو جينغمو، صارت تتحدث مع شِن يي بلا أي تحفظ.

لم تكن شِن يي تتوقع أن يكتشف أحد وجودها، فأخفضت عينيها بفتور، واستعدت للمغادرة فورًا.

لكن المرأة لم تكن لتتركها وشأنها، بل تقدمت مباشرة واعترضت طريقها.

“أذكر جيدًا أن صحة السيدة العجوز كانت تتحسن هذه الأيام، حتى الطبيب قال إنها قد تخرج من المستشفى بعد فترة قصيرة، لكنكِ ما إن ذهبتِ إلى المستشفى حتى ساءت حالتها في الليلة نفسها ودخلت في خطر، وأنا على يقين أنكِ ألقيتِ عليها لعنة ما!”

“فما الذي جاء بكِ الآن لإثارة الفوضى؟ ماذا تريدين أن تفعلي أيضًا؟”

صاحت المرأة بأعلى صوتها، وفي أثناء المشادة أوقعت المظلة من يد شِن يي، وصوتها العالي لفت انتباه كثير من الحاضرين.

كان الحاضرون في جنازة الجدة جميعهم من المقربين من عائلة غو، وبطبيعة الحال يعرفون شِن يي.

لكنهم كانوا غير مبالين، وأقصى ما فعلوه أن ألقوا نظرة خاطفة نحو غو جينغمو ليروا ملامح وجهه، فمن منا لا يعرف أن شِن يي امرأة تخص غو جينغمو؟

أما ما الذي حدث داخل عائلة غو بالضبط، فذلك لا يعنيهم في شيء.

شعر غو جينغمو بالضيق عندما سمع الضجة، فقطب حاجبيه.

كان يريد اليوم أن يودّع جدته بسلام، ولم يكن يريد الالتفات إلى أي شيء آخر، لكن أي شخص يثير الفوضى هنا ويعكّر صفو الجنازة، فلن يسامحه الرجل أبدًا.

ومع ذلك، عندما أدار غو جينغمو رأسه ورأى تلك الهيئة المألوفة على مقربة، تجمّد في مكانه.

شِن يي.

كيف تجرؤ على الظهور هنا؟

أغمض الرجل عينيه قليلًا، وكان من حوله من المتفرسين على تعابير الوجه، ففي الماضي، وبسبب مكانة غو جينغمو، لم يكن ينقص من يتودد إلى شِن يي، أما الآن فهل يبدو أن العلاقة بينهما تشوبها مشكلة؟

أخذ الجميع يتساءلون بفضول، وظنوا أن غو جينغمو سيتقدم، لكن الرجل اكتفى بإشارة بعينه إلى حراسه.

فهم الحراس المقصود فورًا، فأسرعوا وفصلوا بين المرأتين بالقوة.

ولكن أيدي الحراس لم تكن رفيقة، فهم ينفذون أوامر غو جينغمو مباشرة، فلم يترددوا أبدًا.

دفعوا كتفَي المرأتين بعنف، تمهيدًا لإخراج شِن يي وقريبة غو من المكان.

“غادري فورًا!”

“ولكن، من يجب أن تُخرجوه هي وليس أنا! أنا قريبة غو جينغمو، لا تدفعوني…”

صرخت المرأة، وحاولت الدفاع عن نفسها بيدها، لكنها لم تستطع مجابهة قوتهم، ورغم تكرارها أنها قريبة غو جينغمو، لم يتقدم أحد لإنقاذها.

كان جو الحزن المهيب في الجنازة قد تبدد بفعل هذه المرأة، ولم يكن غو جينغمو ليتخذ إجراءً عنيفًا إلا إذا اضطر.

كانت شِن يي ضعيفة البنية أصلًا، ولم تتعافَ تمامًا، وعندما دفعها الحراس بتلك القوة كادت تسقط أرضًا.

تراجعت خطوات إلى الوراء، ثم سقطت في حضن رجل.

كان لو مينغهه يحمل مظلة سوداء، نظر إلى شِن يي بعينين حانيتين، وقال بصوت يبعث على الطمأنينة والثبات: “هل أنتِ بخير؟”

التقت عينا شِن يي بعيني الرجل، فتجمدت لحظة، وكأن ذاك الشعور بالأمان الذي فقدته قد عاد إليها من جديد.

لكنها لم تسمح لنفسها بالتشبث بهذا الدفء العابر، لأنها تدرك في أعماقها أن هذا الدفء لا يخصها.

“لا بأس، شكرًا لك.”

قالت بصوت خافت، وكان وجهها شاحبًا بشكل مخيف، فنظر إليها لو مينغهه بشفقة بالغة.

ثم وضع المظلة في يد شِن يي فجأة، والتفت إلى الحراس الواقفين جانبًا: “أهذه جنازة عائلة غو؟ مهما قيل، فالميت أولى بالاحترام، لكنكم ها أنتم في الجنازة، تعاملون بهذه الطريقة امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، ألا تخافون أن ينتشر الخبر فيكون موضع سخرية أمام الناس؟”

لم يكن لو مينغهه يتوقع أن يكون غو جينغمو بهذه القسوة حقًا.

لكن غو جينغمو من البداية إلى النهاية، لم يزد على أن رمقه بنظرة باردة.

وبحسب طبيعة غو جينغمو، فإن عدم قيامه بأي شيء متهور ضد شِن يي بعد وفاة جدته، كان نوعًا من الرحمة.

أما لو كان الأمر مع أي شخص آخر، لدفع حياته ثمنًا.

“شِن يي، أراكِ حقًا بلا خجل، حتى أنكِ أحضرتِ عشيقكِ معكِ إلى الجنازة؟”

“أمي، إن كنتِ لم ترحلي بعد، انظري، هذه هي كنتك التي طالما ذكرتِها، ها هي تحضر عشيقها إلى جنازتك، إنها لا تهتم لأمركِ أبدًا، وكل حبكِ الصادق لها ذهب هباءً…”

جثت والدة غو على ركبتيها وهي تنتحب بحرقة، في مشهد بالغ الإيلام.

عندها، فهم الحاضرون ما يجري تمامًا.

تبادلوا النظرات، وتحول انتباههم من الجنازة إلى شِن يي، وشرعوا في الثرثرة.

لم يكن أحد يتخيل أن شِن يي تحضر معها رجلًا آخر، أليس هذا إهانة صريحة لغو جينغمو؟

شحب وجه شِن يي أكثر، وأرادت أن تشرح، لكن الظلام كاد يعمي بصرها، وكادت تُغمى عليها.

“جدتي!”

في تلك اللحظة، اقتحمت المشهد امرأة ترتدي معطفًا أسود طويلًا.

اندفعت المرأة بسرعة نحو شاهد القبر، وجثت على ركبتيها دون اكتراث بالوحل: “جدتي، جئت متأخرة، أنا آسفة…”

نظر الحاضرون بفضول إلى هذه المرأة التي ظهرت فجأة، لا يفهمون ماذا يحدث أيضًا.

أما والدة غو فتقدمت خطوة، وعندما تفحصت ملامح وجه المرأة تحت شعرها المبتل، جمدت في مكانها مذعورة، واتسعت عيناها وكأنها رأت شبحًا.

“أنتِ، أنتِ…”

🎉

انتهى الفصل 39

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك