الفصل 31

قبض غو جينغمو قبضتَيه بشدة، وفي قلبه ضحكة باردة.

يا لها من مشهدٍ بطوليٍّ لإنقاذ الجميلة! لعلّ شين يي الآن صارت غارقةً في حبّ لو مينغهه إلى حدٍّ لا تستطيع معه الخلاص.

«جينغمو».

لانت نفسُ شين يي، فالخوفُ والانهيارُ المكبوتان في صدرها انهارا كليًّا في اللحظة التي رأت فيها غو جينغمو.

تماسكت، ولم تُلقِ بنفسها في حضن الرجل فورًا.

ففي مثل هذه اللحظة، حين يتسرّب البردُ والرعبُ إلى أعماق النفس، كان ظهورُ غو جينغمو أشبهَ بشعاع شمسٍ قادرٍ على أن يمنحها الدفءَ والحنان.

غير أنّ غو جينغمو تقدّم نحوها واضعًا إحدى يديه في جيبه، بوجهٍ خالٍ من أي تعبير.

كانت عينا الرجل مثبّتتين على يد شين يي الصغيرة التي ما تزال تمسك بذراع لو مينغهه، وهو الآن يجاهد لكي لا يندفع نحوهما ويفصل بينهما.

رفع شفتيه بابتسامة باردة.

«شين يي، ما أسرعكِ في الانتقال من رجلٍ إلى آخر!»

هذه الجملةُ وحدها ألقت بشين يي في هاويةٍ لا قرارَ لها.

ففي عينَي غو جينغمو، كم تحبّ شين يي لين موتشيان، حتى إنها قد تلجأ إلى البحث عن بديلٍ يشبهه لتكون معه مهما كلّف الأمر؟

الأملُ الذي بالكاد اشتعل في قلب شين يي انطفأ فجأةً كما لو أنّ ماءً باردًا أُفرغ فوقه.

أطرقت عينيها من جديد، وعضّت شفتها السفلى بأسنانها.

وفي تلك اللحظة، كان رجال الشرطة قد أمسكوا تانغ جيا وأركبوها السيارة، وما إن مرّت من جانب الأشخاص الثلاثة حتى قالت بصوتٍ عالٍ كمن لا يهمّه أن تزيد الأمور اشتعالًا:

«شين يي، لم أكن أعرف حقًّا أنّكِ وغو جينغمو حبيبان، إذن لماذا تتدلّلين على لو مينغهه؟»

عقدت شين يي حاجبيها، ونظرت إلى تانغ جيا بعينين لا تصدّقان ما سمعتاه.

لكنّ المرأة اكتفت بابتسامةِ ظفرٍ على شفتيها، ثم أدارت رأسها وصعدت إلى السيارة.

لم يتوقّع لو مينغهه أنّ تانغ جيا التي وصلت إلى هذا الحال ما تزال قادرةً على بثّ الفتنة بين الناس.

فقال مباشرةً:

«تانغ جيا، ماذا تقولين؟»

«تقول هراءً؟»

تعلّقت عينا غو جينغمو الحالكتان بوجه شين يي الشاحب كورقة، وبدا صوته أشدّ برودةً من أي وقتٍ مضى:

«ربما تكون قد أصابت كبد الحقيقة، ولذلك يشعر بعضهم بالذنب».

كان صدرُ غو جينغمو ممتلئًا بغصّة، فلم يدّخر جهدًا في السخرية من شين يي.

في الحقيقة، كان ينتظر فقط أن تفتح شين يي فمها وتشرح، حتى لو بكلمةٍ واحدة.

لكنّ شين يي التزمت الصمت.

وقف لو مينغهه بينهما، وعلى الرغم من أنه لا يكنّ أيّ مودّة لغو جينغمو، فإنّ حدسَه قال له:

إنّ العلاقة بين شين يي وغو جينغمو معقّدة.

وبوصفه غريبًا، فلا ينبغي له أن يتدخّل في علاقة هذين الشخصين.

«وأنت؟ لماذا لست في المستشفى برفقة تشين شوجو؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟»

رفعت شين يي رأسها من جديد ونظرت إلى الرجل الذي أمامها.

هي أيضًا كانت تنتظر.

تنتظر أن يبادر غو جينغمو بالكلام، ويخبرها عن سبب مجيئه إلى هنا، وحتى لو قال كلمةً واحدةً تعبّر عن قلقه عليها، لسعدت بذلك أيّما سعادة.

لكنها كانت تتخيّل أكثر مما ينبغي.

فغو جينغمو لم يعترف بقلقه عليها فحسب، بل زادت نبرتُه فتورًا وبرودًا:

«جئتُ إلى هنا لأحذّركِ، لا تنسي من أنتِ الآن، فصحّة جدتي لم تتعافَ تمامًا بعد. لا يهمّني مع أيّ رجلٍ تختلطين في الخارج، ولكن إذا وصل هذا الخبر إلى أذني جدتي، فلن أتركك أبدًا».

وما إن أنهى كلامه حتى استدار وغادر بخطًى حاسمة، وكأنه لم يعد يحتمل أن يلقي بنظرةٍ واحدةٍ إضافية على شين يي.

أمّا شين يي فقد زاد شحوبُ وجهها.

غاب الدمُ عن شفتيها في الحال، وشعرت أنّ ريح النهر الباردة كسكّينٍ حادّةٍ تجرح وجنتيها بلا رحمة.

وماذا يعني الجرحُ الذي في رقبتها ولم يُعالَج بعد؟

إنّ ألمَه لا يُقارن أبدًا بما تشعر به في أعماقها.

إذن، كان كلُّ ما يهمّ غو جينغمو حقًّا هو جدّته فقط.

«شين يي، شين يي!»

رأى لو مينغهه المرأةَ الواقفة بجواره شاردةَ النظرات، فناداها مرارًا:

«الريح هنا قوية جدًّا، لنعد أولًا».

ورغم أنه لا يعرف ما الذي جرى بينهما بالضبط، فإنّ ما فعله غو جينغمو قبل قليل بدا له قاسيًا حقًّا.

ألم يكن بمقدوره أن يقول تلك الكلمات في وقتٍ آخر؟ لماذا اختار هذه اللحظة بالذات؟

وكأنّ شين يي عادت إلى وعيها، لكنها ما كادت تخطو خطوةً واحدة حتى اسودّت الدنيا أمام عينيها، ثم سقطت مغشيًّا عليها.

«شين يي!»

قبل أن يصعد غو جينغمو إلى السيارة، سمع فجأةً صراخ لو مينغهه، فتجمدت خطواتُ الرجل لحظة، وحين التفتَ رأى شين يي قد أُغمي عليها.

قطّب حاجبيه بشدّة، لكنه بقي مكانه بلا حراك، يراقب لو مينغهه وهو يحملها إلى السيارة.

قال في نفسه: ربما كانت شين يي تفضّل أن يكون لو مينغهه بجانبها الآن.

صعد غو جينغمو إلى السيارة، وضغط على ما بين حاجبيه بتعب، بينما نظر السائق إلى الرجل من المرآة الخلفية، ولم يجرؤ حتى على التنفّس بصوتٍ مسموع.

بعد برهة، حين هدأ مزاجُ غو جينغمو قليلًا، قال:

«إلى المستشفى».

وفي تلك اللحظة، ظهرت على هاتفه فجأةً رسالةُ تنبيه.

كانت خبرًا يتعلّق بعالم الفن.

«استوديو تشين شوجو يصدر إشعارًا بتعليق نشاطها الفني مؤقتًا».

لم يكن ذلك مفاجئًا لغو جينغمو، فتشين شوجو تحتاج الآن إلى الراحة والعلاج، ومن المنطقي أن تعلّق عملها الفني.

لكنّ الغريب أنّ الرجل، وهو يحدّق في هذه الرسالة على شاشة الهاتف، كان وجهُ شين يي الشاحبُ يتراءى أمام عينيه باستمرار.

قال في نفسه: إنّ شين يي تستحقّ ما جرى لها!

لقد سبق أن قال لها غو جينغمو منذ البداية: لا يمكنها أن تستمر في عملها في ترميم الجثث، وإن ظلّت تغوص في هذا المستنقع فسيقع لها أمرٌ جلل عاجلًا أو آجلًا، لكنّها لم تسمع.

وما وصلت إليه الآن إنما هو نتيجةُ عنادها.

حين وصل الرجل إلى المستشفى، عانى في داخله صراعًا طويلًا، ثم اختار أن يطمئنّ على تشين شوجو أولًا.

فشين يي لم تُصب إلّا ببعض الخوف وجرحٍ صغير في رقبتها، أمّا تشين شوجو فحياتها كانت مهدَّدةً فعلًا.

لكنّ غو جينغمو ما إن دخل غرفة المرضى حتى وجدها قد فُرغت ونُظّفت بالكامل.

فوجئ الرجل قليلًا، ونظر إلى رقم الغرفة بصورة لا إرادية، وتأكّد أنه لم يخطئ، فازداد عبوسًا.

خرج بخطًى واسعة من الغرفة، وسأل في محطة الممرّضات، فعرف أنّ تشين شوجو قد أنجزت إجراءات الخروج من المستشفى.

أمّا السببُ الدقيقُ لذلك فلم تعرفه الممرّضات.

وقف غو جينغمو في الممرّ بوجهٍ عابس، واتصل بتشين شوجو.

كيف لها أن تغادر المستشفى وحالتها الصحية هكذا؟

ماذا لو حدث لها شيءٌ آخر؟

لكنّ هاتف تشين شوجو ظلّ مغلقًا طوال الوقت.

أحسّ غو جينغمو أنّ الأمر يزداد ريبةً، فخرج من المستشفى بسرعةٍ كبيرة، وتوجّه مباشرةً إلى منزل تشين شوجو.

كان لا بدّ أن يعرف: ماذا حدث خلال هذه الساعات القليلة؟

في الطريق، وجد رقمَ وكيل أعمال تشين شوجو، لكنّ الوكيل قال هو الآخر إنه لا يعرف شيئًا.

«قالت شوجو إنها مرهقة في الفترة الأخيرة، وتريد أن تستريح وحدها، وأنا أيضًا لا أستطيع التواصل معها الآن».

🎉

انتهى الفصل 31

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك