الفصل 16
ظهورُه أصاب كليهما بالذهول، وقد كانا واقفين في مواجهةٍ متوترة لا يبدو أنها ستنفرج.
كان الوقت لا يزال مبكرًا، ومن المفترض ألا يكون موعدُ الدوام في المعهد قد حان بعد، فما الذي جاء بـ«لو مينغهه» إلى هنا؟
لكن قبل أن تُفيق شِن يي من دهشتها، كان «غو جينغمو» إلى جوارها قد ترجّل من السيارة أولًا.
وإذ رأتهما يقفان وجهًا لوجه، بهيئة من يوشك أن يشتبكا في عراكٍ في اللحظة التالية، شعرت شِن يي بأن الموقف ينذر بالسوء، فأسرعت بالنزول من السيارة.
غير أن «لو مينغهه» لم يُعر «غو جينغمو» أيّ اهتمام، بل اتجه مباشرة نحو شِن يي.
«هل يمكننا الدخول للحديث؟»
أن يتجاهله أحدٌ بهذا الشكل، فهذا أمرٌ لم يسبق أن حدث مع «غو جينغمو» قط.
وما زاد الطين بلة أن «لو مينغهه» كان يستميل زوجتَه السابقة أمام عينيه علنًا.
عبس الرجل قليلًا، ومدّ ذراعه مباشرة ليحجز بينهما.
«منذ متى أصبح معهد الترميم مكانًا يَدخله أيّ كان؟»
أليس مجرد بديلٍ عنه؟ فلماذا توليه شِن يي كل هذا الاهتمام؟ لعلها بعد فترة وجيزة سترسل إليه بدعوة حضور حفل زفافها!
«آلُ شِن لم ينتهوا من مراسم العزاء بعد، أتريدين الزواج بهذه السرعة؟»
كان «غو جينغمو» مطرقَ الرأس، وقد انقبضت يده اليسرى داخل جيبه ببطء حتى صارت قبضةً محكمة، وهو يحدّق في وجه شِن يي بلا انقطاع.
أما هي فبدت على وجهها ملامحُ اللامبالاة والهدوء.
«فلا داعي لأن يُشغلك أمري.»
أنهت كلامها، والتفّت حول «غو جينغمو» متجنّبةً إياه، وقادت «لو مينغهه» معها إلى داخل المعهد.
وفي لحظة المرور بقربه، رمقه «لو مينغهه» بنظرةٍ عميقة، لكنه لم ينبس بكلمة.
لم يكن مجيئه إلى هنا لانتظار شِن يي من أجل أمور عاطفية كما ظنّ غريمه، بل كان لأجل العمل فعلًا.
كان قد توسّط لدى شِن يي سابقًا، وها هي الجثة قد وصلت الآن، ولم يكن «لو مينغهه» يريد إهدار الوقت، فأراد منها أن تشرع في الترميم بأسرع ما يمكن.
بعد دخولهما إلى المكتب، قدّمت له شِن يي كوب ماء، ثم أخرجت استمارةً وأخذت تملأ البيانات فيها بنفسها.
صحيح أن الأستاذ وو هو من توسّط إليها سرًا لإجراء هذا الترميم، لكن ما دام الأمر يُعدّ عملًا رسميًا، فمن الواجب توثيقه بدقة كاملة، حتى لا يجرّا على نفسيهما متاعب لا داعي لها لاحقًا.
«سمعتُ أنكما انفصلتما، لكن يبدو أنه لا يزال يتجاوز حدوده معك.»
انقبضت أصابع شِن يي حول القلم الجاف قليلًا، لكنها لم تُظهر على وجهها أيّ انفعال.
«آسف، يبدو أنني تدخلت فيما لا يعنيني.»
طوال الوقت، كان «لو مينغهه» يراقب ملامحها، آمِلًا أن يلمح في وجه شِن يي مشاعرَ أخرى.
لكنه لم يجد شيئًا.
«لا بأس.»
كانت البيانات الأساسية قد اكتملت، فوضعت شِن يي القلم جانبًا، ورفعت نظرها إلى «لو مينغهه».
«أمسِ قلتَ إن لديك ما تريد قوله، وها نحن هنا الآن وليس معنا أحد.»
عاد الحديث إلى مساره الصحيح.
زمّ «لو مينغهه» شفتيه قليلًا ثم قال: «كما أخبرتك من قبل، إنه أعزّ أصدقائي، ولم يعد له في هذا العالم أقاربُ آخرون. لكن بسبب طبيعة هويته الخاصة، قد يسعى بعضهم إلى الانتقام، وأخشى أن يصلوا إليكِ بسببه.»
أوضح «لو مينغهه» أن الجثة التي تحتاج إلى ترميم تعود لرجلٍ مات في بلاد الغربة، وكان يعمل في أعمالٍ سرية، أما تفاصيل ذلك فلا يمكن البوح بها.
غير أن «لو مينغهه» بذل جهدًا مضنيًا حتى تمكّن من نقل الجثمان عبر الحدود الدولية عائدًا به إلى البلاد، بينما ما يزال هناك من يبحث عن أثره في الخارج.
والآن، لا يمكن لأحدٍ منهما أن يجزم ما إذا كان أولئك سيهتدون إلى شِن يي أم لا.
«بصفتي الصديق الوحيد الذي ما زال يذكره، آمل أن يرحل بسلام، وأن يُدفن كاملًا.»
كان «لو مينغهه» يدير ظهره لشِن يي، واقفًا عند النافذة وقد غرس إحدى يديه في جيبه، وبصره معلّقٌ بالبراعم الجديدة النابتة على أغصان الشجرة، وكأن أفكاره قد جُذبت إلى زمنٍ بعيد.
«بالطبع، أنا لا أريد إجبارك على شيء، وموقفي ما زال كما كان: إذا شعرتِ أن الأمر بالغ الخطورة ولا تريدين المجازفة، فيمكنك رفض المساعدة في أي وقت.»
سواء كانت المساعدة من شِن يي أو من غيرها، كان «لو مينغهه» سيُوضّح كل شيء، ويترك حرية الاختيار للطرف الآخر.
أما الآن، وبعد أن عرف أن المرمّمة هي شِن يي بالذات، فقد ازداد قلقه في أعماقه.
خوفًا من أي احتمالٍ مفاجئ.
صمتت شِن يي لحظة، ثم وقّعت اسمها في نهاية الاستمارة بعزيمةٍ ثابتة.
كان خطّ قلمها قويًا، وضربتها حاسمة، كتبت توقيعها دفعةً واحدة دون تردد.
«هذه مهنتي.»
لم تمضِ على ممارستها لهذه المهنة سنواتٌ طويلة، ومع أن أكثر أوقاتها يقضيها مع جثثٍ باردة، إلا أن شِن يي وجدت فيه معناها الخاص.
منذ البداية، أدركت أن هذه الوظيفة مختلفة عن غيرها، وما دامت قد اختارتها، فعليها أن تتحمل ما يترتب عليها من عواقب.
سواء أكانت خطرًا أم حظًا.
تسلل ضوء الصباح من النافذة ليسقط على وجه شِن يي الناصع البياض، وكانت ابتسامةٌ خفيفة ترتسم على شفتيها، فوجد «لو مينغهه» نفسه مشدوهًا للحظة.
«ما الأمر؟»
«لم تتناولي الفطور بعد، أليس كذلك؟ ما رأيك أن نذهب معًا؟»
همّت شِن يي بالرفض، لكن بطنها قرقر في توقيتٍ غير مناسب.
تبادلا ابتسامةً عابرة، وتناول «لو مينغهه» معطفها بيده بكل تلقائية، وكان قد وصل إلى الباب في تلك اللحظة.
«هيا بنا.»
أما في الجهة الأخرى، فما إن عاد «غو جينغمو» إلى طريقه نحو المستشفى حتى التقط هاتفه واتصل بمساعده.
«ابحث عن هوية هذا الرجل الشبيه بـ«لين موتشيان» الذي يرافق شِن يي، من يكون بالضبط؟»
لم يكن ليصدّق أن في الدنيا مصادفةً بهذا الشكل.
فربما كان حتى وجهه مزيفًا.
اختارت شِن يي مطعمًا قريبًا بدا نظيفًا من الخارج، وطلبت وعاءً من حساء المعكرونة باللحم البقري.
لكنها لاحظت أن «لو مينغهه» يجلس بتوترٍ واضح، وكأنه لم يأكل في مكانٍ كهذا طوال حياته.
«آسفة، لا توجد مطاعم راقية في هذه الناحية.»
منذ أن تعارفا، لم يسبق لهما أن تبادلا الحديث عن أوضاع أسرتيهما، لكن يبدو الآن واضحًا.
أن «لو مينغهه» من أسرةٍ غنية مرموقة لا محالة.
في الحقيقة، حتى لو أرادت شِن يي أن تجعله بديلًا عن «لين موتشيان»، فإن تفاصيل التعامل اليومي بينهما كانت تذكّرها باستمرار.
بأنه ليس «لين موتشيان».
سحب «لو مينغهه» بعض المناديل الورقية، وأخذ يمسح سطح الطاولة أمامه بقوة.
«أحرجتِني، فأنا فعلًا لم آكل في مكانٍ كهذا من قبل، لكن لا بأس، سأجرب.»
سرعان ما قدم صاحبُ المطعم وعاءين من المعكرونة.
تناولت شِن يي عيدان الطعام وناولته زوجًا منها، وحين همّت بالبدء، سمعت صوتًا نسائيًا من خلفها فجأة.
«أوه، أليست هذه شِن يي؟»
كانت إحدى زميلاتها في معهد الترميم، ممن يقضين وقتهن في النميمة خلف ظهر شِن يي ونشر الشائعات عنها.
وها هي اليوم تصادفها هنا، فمن يدري ما الذي ستختلقه بعد قليل.
وإذ رأت أن شِن يي تجاهلتها، دخلت «غو ياشي» وهي تحمل حقيبتها ذات الماركة الشهيرة التي اشترتها للتو.
«شِن يي، ألا تسمعينني أنادي عليك؟»
رفعت شِن يي نظرها بفتورٍ وقالت: «سمعتك، أتريدين شيئًا؟»
أمام شخصٍ كـ«غو ياشي»، كلما زاد تحدّيك لها زادت غرورًا ونشوة، وأفضل طريقة للتعامل معها هي التجاهل.
«لا أعرف بمَ تتفاخرين أصلًا! تغيّبتِ عن العمل أيامًا متتالية، هل تظنين أن معهد الترميم ملكٌ لأسرتك؟»
وبينما كانت تتكلم، لمحت «غو ياشي» الرجل الجالس مقابل شِن يي.
بدلةٌ سوداء راقية مفصلة يدويًا، ومن طرف كُمّها يظهر نصفُ ساعة معصمٍ، إن لم تكن مخطئة فهي الإصدار المحدود الذي شاهدته في إحدى المجلات الشهر الماضي.
ثمنها يكفي لشراء معهد الترميم بأكمله.
كان زملاء المكتب قد تداولوا سابقًا أنهم رأوا شِن يي تصعد إلى سيارةٍ فاخرة، وها هي الآن تتناول الطعام مع رجلٍ ثري.
فخطرت لـ«غو ياشي» فكرة.
«هل هذا السيد من أصدقاء شِن يي أيضًا؟ أنا زميلتها في العمل، هل يمكننا التعارف؟»
—
💬 المناقشة