الفصل 8

المستشفى.

لم يعرف لو مينغهه جوابًا على أي سؤال من أسئلة الطبيب.

طأطأ بعيونه وحدّق في المرأة الغائبة عن وعيها.

الوجه الأبيض الصغير فقد لونه وعيناها مطبقتان وحاجباها مزموّمان وكأنها في كابوس.

أخرج من جيبها هاتفًا نفد شحنه وما إن أشعله حتى وجد رقمًا مُحددًا كجهة اتصال طوارئ. كان اسمًا رجوليًا.

توجّه لو مينغهه إلى النافذة وطلب الرقم، لكن الطرف الآخر لم يُجِب بعد محاولات عدة.

في نفس الوقت، في جناح آخر بالمستشفى.

كان غو جينغمو جالسًا إلى جانب سرير تشين شوجو يُراقب قارورة المحلول تقترب من نهايتها. ثم دخل الطبيب وعلى وجهه ثقل.

— هل أنت من ذوي المريضة؟ أرجو أن تخرج معي. لديّ ما يجب أن نتحدث عنه.

ما إن قام غو جينغمو حتى أمسكت تشين شوجو بيده.

— دكتور، قل هنا. لا بأس.

كانت تظن أقصاه ضعف بنية وحاجة إلى الراحة. وقد أحسّت أن هذه فرصة لتُلزمه بموقف ويمنحها حقًا رسميًا.

لكن الطبيب كان صارمًا: — بناءً على التقارير والفحوصات، التشخيص المبدئي هو سرطان الثدي. لكننا نحتاج فحوصات إضافية للتأكد وتحديد بروتوكول العلاج. أنصح بالتنويم فورًا.

— ماذا؟

ذُهلت تشين شوجو.

مجرد حمام بارد فأصيبت بسرطان؟

لم يتوقع غو جينغمو هو الآخر أن يبلغ الأمر هذه الحدة.

أطبق شفتيه وعيناه تُحدّقان في تشين شوجو بشيء غامض.

في تلك اللحظة رنّ هاتفه في جيبه.

رأى اسم شِن يي. أنهى المكالمة فورًا دون تفكير، ثم التف حول السرير.

— نُسوّي إجراءات التنويم الآن. أرجو ترتيب الفحوصات اللاحقة.

بعد أن خرج الطبيب، التفت غو جينغمو فرأى تشين شوجو تُغطي وجهها بيدَيها وهي جالسة وحيدة على السرير، منظرٌ يُفطر القلب.

تقدم نحوها بهدوء وضع يده على كتفها ونقرها برفق وقال بصوت ليّن: — ستتعافين. سأكون معك دائمًا.

احتضنته تشين شوجو في الحال وأسندت خدّها إلى صدره تسمع دقات قلبه.

— جينغمو، أنا بخير. لا تقلق.

جعله صمودها المتصنّع يزيد من اهتمامه بها فعانقها: — لن أتركك تتألمين.

— يكفيني أنك بجانبي وأنا سعيدة.

قالتها بصوت خافت كأنها ستنهار في أي لحظة.

بقي غو جينغمو صامتًا، عيونه مثبّتة على البرعم الأخضر الذي يبزغ في غصن الشجرة خارج النافذة، وأفكاره تتسرب إلى بعيد.

كلما اشتدّت طواعية تشين شوجو ازداد قلبه عليها.

الآن طُمست في ذاكرته تمامًا مكالمة شِن يي.

لا شيء أهم من الأرواح البشرية.

حين خرج غو جينغمو ليُسوّي الأوراق، انطفأ وجه تشين شوجو وألقت الوسادة بعيدًا في نوبة غضب تكاد تُجنّ.

سرطان؟ لماذا السرطان؟

حين كانت قاب قوسين أو أدنى من الانتصار على شِن يي، حين كادت حلمها يتحقق وتصبح امرأة غو جينغمو، يأتيها القضاء هكذا؟

في مكتب التمريض كانت الممرضات يتهامسن.

— غرفة سبعمئة وثلاثة، هذه تشين شوجو، شاهدت أفلامها! جميلة جدًا حتى بدون مكياج. والرجل الذي يرعاها وسيم جدًا. لعله صديقها؟

— أظن أنه أخوها. لم نسمع عنها علاقة بأحد. لكن تلك الطول وذلك القوام، هو الجمال بعينه!

كانت الممرضات يُعبّرن عن إعجابهن حين وقف أمامهن رجل طويل وسيم.

لم يهتم لو مينغهه لموضوعهن: — أين أقرب مكان لشراء طعام؟

قال الطبيب إن المريضة تعاني سوء تغذية حادًا وجفافًا، وحين تُفيق تحتاج إلى طعام جيد. ما دام هنا فلا يهم إن بقي قليلًا.

لم يعرف لو مينغهه لماذا فعل هذا. قبلًا ما كان يتدخل في شؤون أحد.

أشارت له الممرضة الخجولة المُحمرّة الخدين باتجاه عام.

— شكرًا.

أومأ برأسه وتوجه للخروج، فسمع من ورائه الممرضات يُطلقن تعليقات خافتة.

اتبع نظره اتجاه عيونهن فرأى رجلًا بملابس سوداء يخرج من مكتب الطبيب.

وجهٌ في نصف ضوء كالنحت في اكتمال الجمال.

ثبتت قدما لو مينغهه قليلًا ورأى في الرجل شيئًا مألوفًا، وكاد يتقدم نحوه لكن غو جينغمو دار عند المنعطف واختفى.

اشترى طعامًا خفيفًا من الخارج وعاد إلى الغرفة. همّ بإرسال رسالة لجهة اتصال الطوارئ عند شِن يي، حين سمع من ورائه أنين المرأة على السرير.

كانت شِن يي تتقلّب برأسها يمينًا وشمالًا وجبهتها مغطاة بقطرات عرق صغيرة.

أعاد لو مينغهه هاتفه وخطا نحو السرير ومال قليلًا ليمسح العرق من جبهتها.

في تلك الأعماق السوداء الكثيفة، كانت شِن يي تسمع صوتًا ينادي اسمها. لا تعرف من هو ولا تستطيع رؤيته.

ثم وَمَضَ نور أبيض وفتحت عينيها ببطء.

في ضبابية الرؤية، رأت أمامها لين موتشيان.

— موتشيان…

كان صوتها خشنًا وحركت أصابعها لكن جسدها لا طاقة له على رفع يد.

— موتشيان، أنت هنا؟

لا تعرف هل هذا حلم أم حقيقة. عيونها الكبيرة مثبّتة على الرجل وتتساقط دموع غزيرة من زوايا عينيها.

وقف لو مينغهه متعجبًا.

موتشيان؟ من هو؟

أراد أن يُوضّح لها، لكن حين نظر إلى عيونها المحتقنتين والوجه الذي يبعث على الحنان، شعر كأن شيئًا ضرب قلبه بقوة ولان في لحظة.

تجمّدت الكلمات في حلقه وبقيت قدماه في مكانهما.

في تلك اللحظة أراد أن يعرف قصة هذه المرأة.

مدّت شِن يي يدها وعقدت خنصرها بخنصره: — أنا في حلم، موتشيان…

لم تتجرأ على الطرف، خوفًا أن يختفي الرجل أمامها لو أغمضت عيونها.

لكن الضبابية تبددت وحين رأت وجه الرجل بوضوح أدركت أنه ليس لين موتشيان.

كان الشبه كبيرًا في الملامح، لكنه لم يكن هو.

— أنت، أنت…

🎉

انتهى الفصل 8

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك