الفصل 3
بادرت تشين شوجو باحتضان أم غو وقالت بلهجة ناعمة: — عمّتي، لا بد أن لدى شياو يي ظروفها. لا تلوميها.
نظر بقية أفراد عائلة غو بنظرة استياء، فعدا الجدة، لم يكن أحدٌ في العائلة يُحبّ شِن يي. وكانوا منذ البداية يعتقدون أن تشين شوجو هي وحدها من تليق بغو جينغمو.
حتى إن زوجة عمه لم تتمالك نفسها وتهكّمت: — منذ أن سافرت وتزوجت لين موتشيان في الخارج، اختفت يوجن ولم يُعلَم لها أثر. ومات زوجها فتزوجتك فورًا! هذه المرأة التي لا قلب لها، ما الذي تجده فيها…
توقفت لين وين يين في منتصف كلامها تحت وطأة نظرته الجليدية.
اكتسى وجه غو جينغمو بغيمة داكنة وخيّم البرد على الجو.
في تلك اللحظة أفاقت الجدة في سريرها وقالت بصوت واهن لكنه يحمل السلطة: — لم أمت بعد. لماذا كل هذا الصخب؟
أسرع الجميع نحو السرير.
— أماه، كيف حالك؟ هل نستدعي الطبيب؟
سألها الأب في الحال، لكنها لم تأبه وأطالت نظرها مباشرةً نحو شِن يي.
تضوّع الابتسام على وجهها المتجعّد وهي تمد يدها بجهد: — آيي، تعالِ إلى جدتك.
حتى تشين شوجو المحاطة عادةً بكل الاهتمام لم تنلْ من الجدة أدنى نظرة.
خلف النظارة الشمسية تغيّر تعبير تشين شوجو ولم تُخفِ استياءها.
مشت شِن يي نحوها فأمسكت الجدة بيدها فورًا وأشارت إلى غو جينغمو أن يقترب.
جمعت أيدي الاثنين بين راحتيها وعيناها تفيضان بالمحبة.
— صحة جدتك تتراجع يومًا بعد يوم. كثيرًا ما مددتُ يدي لملاك الموت، لكن حين أفكر أنني لم أعانق بعدُ طفل ابني، أتشبّث بالحياة من جديد.
— عليكما أن تجتهدا وتهبا جدتكما حفيدًا، هل اتفقنا؟
أطرقت شِن يي برأسها وهي تستمع؛ لم تدرِ كيف تخبر الجدة بحقيقة الطلاق. هذا الحلم لن يتحقق. فاكتفت بالصمت.
— أماه، هي لا تستحق أن تنجب أحفادًا من عائلة غو!
رفعت أم غو يدها تريد الاندفاع نحو شِن يي لكن الأب أمسكها خفيةً وهزّ رأسه إيذانًا بأن التوقيت غير مناسب.
ثم فاجأت الجدة الجميع بما لم يتوقعه أحد.
أخرجت من تحت الوسادة علبة مخملية أنيقة وفتحتها بيد ترتجف؛ فيها سوار من اليشم الأخضر العميق صافي البريق، ناعم الملمس.
كان ذلك السوار إرثًا متوارثًا في عائلة غو تتجاوز قيمته مئة مليون بكثير.
— هذه من جدتك. كنّة عائلة غو، لا أعترف بأحد غيرك.
بدا وكأن هذا القول مُوجَّه أصلًا لتشين شوجو.
كانت الوجوه مختلفة التعابير.
أكثرها انكشافًا وجه أم غو؛ خدمت الجدة سنواتٍ طويلة ولم تنل هذا الإرث يومًا، وها هي شِن يي في ثلاث سنوات تأسر قلب الجدة فتهبها رمز السلطة العليا في العائلة.
حدّقت أم غو في شِن يي بعيون خدّاعة. يا لها من ماكرة!
عضّت تشين شوجو على شفتيها الحمراوتين ورأت غو جينغمو لا يتحرك. أحسّت بالخطر يزحف إليها فضاق صدرها ولم تعد قادرة على الصبر.
— جدتي، عمتي، لديّ أمر. سأعتذر.
ما إن رآها تتحرك حتى سحب غو جينغمو يده وخطا ليلحق بها دون تردد.
ذاب الدفء الذي لمسته شِن يي فجأة واتجه قلبها نحو البرودة مجددًا.
أحزان تشين شوجو يراها غو جينغمو. أما أحزانها هي فتبتلعها وحدها مرةً بعد مرة.
— جينغمو!
صاحت الجدة حين رأته يلحق بها فاشتد سعالها.
بادر الجميع إلى تلطيف الجو.
— أماه، هل تعرفين طبيعتها؟ كيف تسلمين الإرث لهذه المرأة الساقطة؟ هل هي تستحق سوار عائلة غو!
— أجل، ستخرج وتفضح علينا. قلبك كبير جدًا يا أمي، خدعتكِ هذا المخلوق.
أسكتتهم الجدة بنظرة واحدة: — هذا قراري، ومن لم يرضَ فليكظم.
تجرّأت شِن يي على الكلام بهدوء: — جدتي، هذا ثمين جدًا ولا أستطيع قبوله. خذيه.
— هراء! مهما كان ثمينه، تستحقه جدتك أن تعطيكِ إياه.
رفضت الجدة الاعتراضات جميعًا وأدخلت السوار في معصم شِن يي بنفسها.
لم تتح لها فرصة الرفض. انزلق السوار وأضاءت خضرته المعصم الأبيض البديع.
مسرحيةٌ من دورٍ واحد… كيف تستمر في أداء هذا الدور؟
…
عند ثنية الممر، شبحان يتعانقان.
أبطأت شِن يي خطواتها دون أن تشعر، فلم تتقدم أكثر.
ارتجف ظهر تشين شوجو وانهمرت دموعها بهدوء، وانفتحت صمّامات أحزانها.
— أعطتكِ الجدة الإرث، فأين مكاني أنا؟ هل أنا مجرد دخيلة بينك وبين شِن يي؟
— إن اخترت شِن يي، سأعيدك إليها…
ذكاء البارعة يظهر في التراجع لكي تتقدم.
أمسك غو جينغمو بشعرها برفق وتعمّقت عيناه لحظة ثم انطفأ ما فيهما.
قال بهدوء: — انتهى زواجي بشِن يي. بعد أن تمرّ هذه الأزمة مع الجدة سأُعلن علاقتنا.
تنفست تشين شوجو الصعداء حين سمعت ذلك.
إذن قلبه لها وحدها دائمًا.
عانقته بفرح واتّكأت ذقنها على كتفه وأرسلت نظرتها نحو شِن يي الواقفة على مبعدة غير بعيدة، فترسّمت على شفتيها ابتسامة خفية.
مشت شِن يي مبتعدةً بوجه لا تعبير فيه، لكن كل خطوة كانت كأنها تطأ نصلًا، والألم يُصعّب عليها التنفس.
هذه المرة، هي التي تُطلِّق غو جينغمو وليس العكس.
حين وصلت إلى الطابق السفلي رنّ هاتفها ورقمٌ مألوف ظهر على الشاشة.
أمسكت بالهاتف طويلًا ثم أجابت.
لم تنطق وانتظرت الطرف الآخر.
— حضوري جنازة تشي يوه، عودي مع جينغمو.
في ذلك الصوت ثقلٌ ومرارة وشيء من الاستعطاف يُعصر القلب.
كانت شِن يي في الأصل لا ترغب في الحضور لكنها ترددت من جديد.
حين لم يسمع صوتها أطلق شِن يوه آن زفرة ثم أضاف: — أعلم أنك سمعت بمقتل تشي يوه. ضربة قاسية على أمك. الآن لم يبقَ لها سواك. عودي لرؤيتها.
تجمّعت كلمات العزاء على طرف لسانها ثم تكلّست. فخرج منها فحسب: — تقبّل الله.
— الجنازة بعد غد، التاسعة صباحًا. سأرسل العنوان على هاتفك.
— حسنًا.
رقّ قلبها في النهاية وقبلت، لكن حين أنهت المكالمة وجدت نفسها أمام مشكلة: كيف ستحضر الجنازة برفقة غو جينغمو؟
أطلقت زفرة طويلة وتوجهت نحو منزله.
ظنّت أنه سيكون مع تشين شوجو على عشاء رومانسي. لن يُحضر حبيبته لتتألم. فستأخذ وثيقة الطلاق وتغادر.
هكذا فكّرت وفتحت الباب.
حين دخلت، وقفت مشدوهة.
أضواء الصالون مضاءة بإضاءة خافتة مثيرة.
شعرت بشيء وأرادت الفرار، لكن صوتًا خرج من الجانب.
— شياو يي.
ناداها فاضطرت للاستدارة.
💬 المناقشة