الفصل 2
توقفت قدماها، وضمّت أصابعها بعضها إلى بعض، وبذلت كل ما لديها لتُبقي جسدها ثابتًا؛ حتى أنفاسها اضطربت. ومع ذلك أجبرت نفسها على الهدوء.
ثم سمعته يسأل من جديد: — حين خطفتُكِ من جانب لين موتشيان، هل ظللتِ تكرهيني طوال الوقت؟
في شبه الظلام، كانت عيناه الجامدتان لا تغادران قدمها المتحولة إلى ظهر.
أخفقت في إخفاء مشاعرها؛ حين سمعت اسم لين موتشيان ارتجف جسدها ارتجاجًا واضحًا.
همّ غو جينغمو ببسمة باردة. مجرد اسم يُحدث فيها كل هذا الأثر؟
لم تجرؤ شِن يي على الالتفات، خشية أن يرى وجهها غارقًا بالدموع.
— نعم، لا أزال أكرهك.
حين عادت إلى غرفتها، تكوّمت داخل لحافها وضمّت جسدها المرتجف بقوة.
لمست العقد في رقبتها فازداد ارتجافها.
وعاد صوت لين موتشيان يرن في أذنيها.
— شياو يي، بعد موتي… اصنعي من رمادي قلادة، وسلّميها لـ يوجن حين تجدين الفرصة.
احترق أنفها بالحرقة، وأصابعها الرقيقة لم تكفّ عن مسح الدموع، وهمست بصوت خافت: — موتشيان، حين أجد أخت جينغمو، سأسلّمها القلادة. ثق بي.
…
لم تتردد شِن يي لحظة؛ في اليوم التالي استأذنت من العمل وانتظرت حتى ذهب غو جينغمو إلى شركته، ثم جمعت أغراضها جميعًا وتركت اتفاقية الطلاق الموقّعة وغادرت.
خافت أن تطول المكوث فتزيد انهيارها.
سحبت شِن يي حقيبتها الصغيرة وعادت إلى الشقة التي تركها لها لين موتشيان، والتي ظلت خاليةً منذ أن انتقلت للعيش مع غو جينغمو. لم تتوقع أنها ستعود إليها يومًا. ارتدت مريلتها وأحضرت الدلو وأخذت تُنظف المكان بعناية.
بعد ظهر ذلك اليوم، ما كادت ترتاح حتى رنّ هاتفها.
المتصلة هي جدة غو جينغمو. ترددت لحظة ثم أجابت وقد رقّ صوتها: — جدتي، ماذا تريدين؟
— آيي، صحة جدتك ليست على ما يرام، أشعر أن أيامي قليلة. لديّ أمر أريد الإعلان عنه، تعالِ أنتِ وجينغمو معًا الآن.
عقدت شِن يي حاجبيها؛ لقد طُلِّقت من غو جينغمو، فهل عليها أن تظهر أمام جدته رفقته؟
— آيي؟
من الطرف الآخر، سعلت الجدة سُعلةً شديدة.
ضاق صدر شِن يي من القلق وقبلت دون تفكير.
ما إن أنهت المكالمة حتى وصلتها رسالة من غو جينغمو:
【انزلي.】
كلمتان مقتضبتان باردتان كصاحبهما.
تعجّبت شِن يي وتوجهت إلى شرفة النافذة فرأت سيارةً سوداء واقفة على الرصيف.
كيف عرف أنها هنا؟
هل تجسّس عليها سرًا؟
عبست قليلًا وارتدت سترتها الجينز وأرسلت شعرها الذي كان ملفوفًا ليغطي بعض الآثار الظاهرة على صدرها.
نزلت ووقفت أمام السيارة وطرقت الزجاج برفق.
انزلق الزجاج ونظر إليها غو جينغمو.
كانت تلك اليوم ترتدي فستانًا قصير الأكمام بألوان زهرية خفيفة يصل إلى الركبة، قماشه ناعم. نسب جسدها رائعة ولا يخفي الفستان البسيط طول ساقيها المستقيمتين. غير أن بشرتها كانت شاحبة، وبدت هشّة تستدعي الحماية.
— اركبي.
فتح باب المقعد الأمامي بتأدب.
— شكرًا.
تصرّفا كغريبين تمامًا رغم ما جمعهما أمس من حميمية.
حين انحنت لتركب وأدارت رأسها ظهرت قوس عنقها الجميل وآثار تلك الليلة على كتفها.
شدّ غو جينغمو قبضته قليلًا؛ كانت صور الليلة الماضية تطغى على ذهنه، إقبالها عليه وجنونه في امتلاكها، فاستشعر دفئًا غريبًا في جسده. أخمد تلك الجذوة وأبعد نظره.
في السيارة، حلّ صمت تام.
— صحة جدتي ليست على ما يرام. لا تُخبريها بالطلاق في المستشفى. إن لزم الأمر فعليكِ مجاراتي في التمثيل.
— وثيقة الطلاق وقّعتُها. خذها حين تتاح لك الفرصة.
— حسنًا.
بعد ذلك غرقا في صمت من جديد.
رنّ هاتفه فنظر إلى الشاشة وضغط على الاستجابة.
من الجانب الآخر انطلق صوت امرأة ناعم عذب:
— جينغمو، سنلتقي الليلة؟ اشتقت إليك كثيرًا.
— الليلة عليّ الذهاب إلى المستشفى لرؤية الجدة، ربما لن يتسنى لي ذلك.
كان صوته المعتاد البارد يحمل الآن دفئًا خفيًا.
لا تدري لماذا، لكن ابتسامة تسلّلت إلى شفتَي شِن يي.
إذن غو جينغمو ليس بعيدًا عن العطف والدفء، لكنه وهب كل ذلك لتشين شوجو ولم يبقَ لغيرها شيء.
أدارت رأسها نحو النافذة وأبصرت وجهها وحمرة بسيطة تُطوّق عينيها، فضلًا عن وجهه الصارم الجانبي.
أطرفت برفق لتبتلع الدموع المتراكمة على رموشها، وابتلعت كل الغصة.
— بعد زيارة الجدة سأذهب لأصطحبك.
قال غو جينغمو وأنهى المكالمة.
اتكأت شِن يي على يدها مُتظاهرةً بالتناعس، وعاصفة تهبّ في صدرها، لكنها لا تملك إلا الصمت والتقبّل.
في اللحظة التالية، استقر شيء على كتفيها.
فتحت عينيها لتجد معطفه الواسع مُلقًى فوقها، فنظرت إليه باستغراب.
— نامي، سأوقظك حين نصل.
جملة باردة تنضح ببعض الجفاء، لكنها في آنٍ معًا تنمّ عن تهذيب لا غبار عليه.
تأخّر قلب شِن يي نبضةً واحدة. أمسكت بحواف المعطف وأدركت أن هذا اللطف لن يزيدها إلا ألمًا.
في مستشفى باومينغ، في الجناح الخاص من الدرجة الأولى، كان كل أفراد عائلة غو قد وصلوا.
الجدة لم تستفق بعد ولم يجرؤ أحد على إزعاجها.
وقف والدا غو جينغمو في المقدمة والبقية على هامش الغرفة.
بجانبهم وقفت امرأة لافتة للأنظار؛ ترتدي نظارة شمسية وجهها بيضاوي ناصع وشعرها بنيّ مموّج. حسنُ طلعتها يسلب الأبصار.
كانت هي تشين شوجو، نجمة السينما المتوّجة التي تعلو الجميع شهرةً في هذا العصر.
جاءت بعد انتهاء مكالمتها مفاجأةً لغو جينغمو، لكن لم تتوقع أن يحضر برفقة شِن يي.
في اللحظة التي تلاقت فيها أنظارهما، شعرت شِن يي كأن سكينًا تقشّر قلبها، فأدارت وجهها وتجنّبت النظر إليها عمدًا.
من لا يُحَب دائمًا يفتقر إلى الثقة.
حين رأت أم غو شِن يي، تغيّر تنفّسها فجأة وخطت نحوها بسرعة، ثم صفعتها بقوة أمام الجميع في مشهد مثير للدهشة.
— بسببكِ غاب اثر يوجن ولا أثر له. كيف تجرئين على الظهور أمامي؟!
كان صوت أم غو خافتًا لكن أسنانها كانت مطبقة والغضب يتأجج في عينيها.
شدّت تشين شوجو قلبها قليلًا؛ نظرت بطرف عينها إلى وجه غو جينغمو المتحوّل وسألت نفسها: هل يتألم من أجلها؟
وقفت شِن يي في مكانها وأطرقت برأسها دون أن ترد وأحنت ظهرها لضربات أم غو.
— اختطفتِ خطيب يوجن ثم تزوجت ابني! شِن يي، أنتِ مجنونة!
عقد غو جينغمو حاجبيه وشدّها من خلفه في حركة واحدة.
— يكفي، أمي.
كان صوته قارسًا لا يخفي الغضب.
اندهشت شِن يي؛ لم تتوقع أن يحميها غو جينغمو أمام الجميع.
— لا يكفي! إن أصاب أختك مكروه فهي القاتلة!
صرخت أم غو بحرقة وكأنها تريد تمزيقها قطعًا.
💬 المناقشة