الفصل 16
لسببٍ ما، كان ولي العهد غاضبًا للغاية وهو يقول تلك الكلمات.
كان يتصرف وكأنه مستاء لأنني لم أكن أنظر إلا إلى طفل الجان.
حتى بدا الأمر وكأن ولي العهد… يغار.
لا بد أن خيالي قد بالغ كثيرًا.
لكن إن لم يكن الأمر كذلك، فكيف كان يُفترض بي أن أفسر تلك الكلمات ذات المغزى؟
في الأساس، لا يوجد أي سبب يجعل ولي العهد يغار من أحد أفراد الجان…
آه، مستحيل.
خطرت ببالي الإمكانية الوحيدة التي قد تجعل ولي العهد يشعر بالغيرة من أحد الجان.
“لكن… السيد رافين جميل أيضًا.”
“ماذا؟”
استدار ولي العهد نحوي وكأنه يتساءل عمّا أتحدث عنه، وأطلق صوتًا يدل على الذهول.
لكن من وجهة نظري، لم أستطع تفسير غضبه إلا بهذه الطريقة.
كم مرة في حياة ولي العهد وُجد شيء قادر على انتزاع الأنظار الموجهة إليه؟
لم يخطر ببالي ذلك إلا الآن، لكن من الواضح أن ولي العهد كان يعتز كثيرًا بوسامته.
وكان ذلك ظاهرًا حتى من مضمون استجوابه لي.
«بمجرد أن يكون الوجه جميلًا… تعجزين عن السيطرة على نفسك؟»
بدا كلامه وكأنه يقول حرفيًا:
«كيف تجرئين على النظر إلى شخص آخر وأنا بهذا الجمال؟»
بدا الأمر سخيفًا بعض الشيء، لكن من عاش حياته كلها بذلك الوجه، فمن الطبيعي أن يعتز بجماله.
بل إنني حين فكرت بالأمر، وجدت أن ولي العهد كان متواضعًا مقارنة بما يملكه.
على أي حال، حتى لو كانت الأخرى هي سيليبي، فإن ولي العهد، الذي يعتز بوسامته، لم يستطع تحمل أن أُسرح بنظري في شخص آخر أمامه.
…وهكذا وصلت إلى هذا الاستنتاج.
كان جمال الجان وهالتهم يفوقان البشر بمراحل، لذلك لم يكن غريبًا أن تُسرق عيناي إليهم.
لكن، في الوقت نفسه، لم يكن من الصعب عليّ أن أتفهم سبب انزعاجه أيضًا.
وبالرغم من أنني قلت له ما ظننته يريد سماعه، فإنه نظر إليّ وكأنني مثيرة للشفقة، فسارعت إلى الإضافة:
“في الحقيقة، لم أشعر يومًا بأن أحدًا جميل أو وسيم… لكن منذ أول مرة رأيتك فيها، يا سيد رافين، ظننت أنك شخص جميل.”
“…”
ظل ولي العهد رافين يحدق بي بوجه غريب بعد سماعه هذا الإطراء الصريح.
وبما أنه كان يغضب دائمًا كلما قلت شيئًا، توقعت أنه سيقاطعني هذه المرة أيضًا بقوله:
«لا تقولي كلامًا لا فائدة منه.»
لكنه لم ينطق بشيء.
بل ظل يستمع إليّ بصمت، من دون أي نية لمقاطعتي.
بل كان يحدق في شفتي فقط، وكأنه ينتظر أن أقول المزيد.
أي شعور كان ذلك الذي يملأ عينيه؟
هل كان… ترقبًا؟
وكيف يفترض بي أن أمدحه أكثر من ذلك؟
كنت واثقة أنه قال ذات مرة إنه يكره التملق والتزلف أكثر من أي شيء في العالم.
لكن بالنظر إليه الآن، لم أعد أظن أن ذلك صحيح تمامًا.
وبعد أن ظل يحدق بي طويلًا بعينين مليئتين بتوقع غريب، فتح ولي العهد فمه وكأنه حسم أمره.
“إذًا هذا يعني…”
وفي تلك اللحظة، جذب طفل الجان، الذي كان يحدق في شعري بعينين متلألئتين، خصلةً منه بقوة من الأسفل.
“آه.”
مال رأسي إلى الأسفل بفعل قوة السحب.
يا له من لطيف.
شعرت وكأنني أنظر إلى حيوان صغير فضولي.
بعد أن أمضيت وقتي كله مع شخص مثل ولي العهد، صغير السن ظاهرًا، لكنه ناضج وماكر من الداخل، بدا هذا الطفل البريء وكأنه يداوي القلب.
ولكي أسمح له باللعب بشعري بسهولة أكبر، جلست القرفصاء أمامه، والتقت أعيننا.
عن قرب…
كان أكثر جمالًا.
آه، صحيح.
لم أسمع بعد ما كان ولي العهد يريد قوله.
رفعت رأسي قليلًا ونظرت إليه مجددًا.
“ما الذي كنت ستقوله؟”
“لا شيء.”
أجاب وهو ينظر إليّ بوجه بدا فارغًا على نحو غريب.
كنت قد سُلبت إرادتي مؤقتًا بفعل هالة الجني، لكن ولي العهد بدا غير متأثر إطلاقًا.
بل كان يبدو منزعجًا، وكأن شيئًا مزعجًا التصق به.
مع أنه سيتزوج ملكة الجان مستقبلًا، فإنه لا يبدي أي رد فعل حين يرى أحد الجان.
آه…
إذا كان هذا الطفل الصغير، الذي يبدو وكأنه وُلد للتو، بهذا الجمال…
فكم ستكون ملكة الجان جميلة؟
حقًا، ولي العهد الذي انتهى به المطاف متزوجًا منها…
كان لصًا محظوظًا.
أطلق طفل الجان، وهو يلهو بشعري، ضحكة صافية رنانة.
كدت أفقد وعيي بجماله مرة أخرى، لكن كلما شعرت بأنني على وشك الشرود، كان ولي العهد يرمقني بنظرة حادة مليئة بنية القتل، فأستعيد رشدي فورًا.
ربما كان يحاول مساعدتي بطريقته الخاصة.
لعله كان يمنعني من فقدان عقلي وارتكاب جريمة بحق الطفل.
تصرف يليق حقًا برمز اللطف في الرواية.
وأنا ممتنة له أيضًا.
وفجأة، وبينما كان طفل الجان يلهو بشعري بسعادة، لمس كتفي المصابة.
لم تكن اللمسة قوية، لكنها أصابت الجرح مباشرة وكأنها كانت مقصودة.
“آه!”
صرخت دون قصد من شدة الألم.
“سيليبي!”
ارتبك ولي العهد، الذي كان يقف فوقنا وذراعاه معقودتان، وانطلق نحونا في لحظة.
ثم…
قذف الطفل.
لم أجد وصفًا آخر لما فعله سوى أنه قذفه بعيدًا.
“هل أنتِ بخير؟ هل عاد الجرح يؤلمك؟”
مد يده مسرعًا ليفحص كتفي، لكنه توقف فجأة وسحبها.
كان قلقًا إلى درجة أنه لم يجرؤ حتى على لمسي، خوفًا من أن يزيد إصابتي سوءًا.
أما أنا…
فقد تجمدت من صدمة مختلفة تمامًا.
“ك-كيف يمكنك أن تقذف طفلًا هكذا؟!”
صرخت في وجه ولي العهد بصدمة.
كان طفل الجان قد تدحرج على الأرض عدة مرات، ثم رفع رأسه ونظر إلينا بوجه حائر.
أسرعت إليه فورًا وحملته بين ذراعي.
لقد رماه فعلًا.
ظننت أن شيئًا لا بد أنه قد انكسر، لكن لحسن الحظ، لم يبدو عليه أي أذى، سوى أنه كان خائفًا قليلًا.
تنفست الصعداء.
ما هذا؟
ألم يكن هذا الرجل مختلفًا في الأصل؟
في الرواية الأصلية، كان ولي العهد أوصف بأنه أكثر الناس عقلانية ودفئًا.
فكيف يرمي طفلًا بلا تردد؟
كان هذا تصرفًا لا يليق إطلاقًا بشخصيته في الرواية.
حين احتضنت الطفل ونظرت إلى ولي العهد، وجدته يبادلني النظر بتعبير مرتبك.
وبعد أن استعاد رشده، بدا وكأنه هو نفسه مصدوم مما فعله.
وحين رمقته بنظرة تسأله إن كان يدرك خطأه، ارتجف قليلًا.
“أ-أنا فقط… ظننت أن ذلك اللابشري فعل لك شيئًا… فقلقت… واللابشريون أصلب من البشر، لذلك ظننت أن هذا القدر من القوة… أعني… اللعنة.”
ظل يتمتم مبررات غير مترابطة، ثم عجز عن إكمال كلامه، وأطلق شتيمة وهو يطأطئ رأسه.
وبعد أن ظل يحدق في الأرض طويلًا، رفع رأسه فجأة وسأل بقلق شديد:
“وجرحك؟”
“هاه؟”
حينها فقط انتبهت إلى أنني ما زلت أحمل طفل الجان بكلتا يدي.
لم يكن ثقيلًا، لكنه أيضًا لم يكن خفيفًا إلى درجة تسمح بحمله بيد واحدة.
نظرت إلى الطفل الجالس بهدوء بين ذراعي.
وحين التقت عيناه البريئتان بعيني، رمش ببراءة.
“…”
رفعت الطفل وخفضته بصمت عشر مرات تقريبًا.
“…”
نظر إليّ ولي العهد وكأنني مخلوق غريب.
أما الطفل، فبدا أنه يظن أنني ألهو معه، فأخذ يضحك بمرح.
“آه… لم يعد يؤلمني.”
“…؟”
تمتمت بذلك وأنا مذهولة.
قطب ولي العهد حاجبيه بحيرة.
وكأن الألم الحاد الذي شعرت به قبل لحظات لم يكن موجودًا أصلًا.
لقد اختفى تمامًا.
وإن كان هناك سبب واحد فقط أستطيع التفكير فيه لشفاء كتفي فجأة…
فهو هذا الطفل الجني الذي يبتسم أمامي بوجه بريء.
والآن بعدما فكرت في الأمر…
في الرواية أيضًا، كلما أصيب ولي العهد، كانت ملكة الجان تستخدم قوة الشفاء وتعالجه بالكامل.
كنت أظن أن ملكة الجان وحدها تملك هذه القدرة.
لكن يبدو أن حتى طفلًا صغيرًا يستطيع استخدامها.
لقد كانت إصابتي خطيرة إلى درجة أن أطباء المعبد هزوا رؤوسهم أسفًا.
ومع ذلك…
بمجرد لمسة واحدة من أحد الجان، شُفيت بالكامل.
أهذا هو الفارق بين البشر واللابشريين؟
أما طفل الجان، الذي لم يكن يعلم شيئًا عما يدور في رأسي، فظل ينظر إليّ بوجه بريء وكأنه يقول:
«أحسنت، أليس كذلك؟»
“…اشرحي.”
قطع ولي العهد، الذي كدت أنساه، هذا الصمت بصوت يحمل شيئًا من الضيق.
كان البشر العاديون يجهلون أن الجان يمتلكون قوة الشفاء.
فهم خجولون بطبيعتهم، ويعيشون في أعماق الغابات ضمن جماعات، بعيدًا عن الأنظار، وكثير منهم لا يغادر موطنه طوال حياته.
لذلك، فمن المرجح أن هذه كانت أول مرة يرى فيها ولي العهد أحد الجان.
“لم يعد يؤلمني. لقد شُفي.”
“أي هراء هذا؟”
كما توقعت، سألني وكأنه لا يصدق.
“إنها الحقيقة. هل تريد أن ترى؟”
وبوجه متحمس قليلًا، استدرت كما فعلت الليلة الماضية في الكهف، وبدأت أنزل ملابسي لأريه كتفي.
“ماذا تفعلين؟!”
أوقفني وهو ينظر إليّ بصدمة.
“هاه؟ أردت فقط أن أريك.”
تصلبت ملامحه، ثم قال بغضب:
“إذًا أنتِ فعلًا تخلعين ملابسك في أي مكان وأمام أي شخص؟”
“…”
ومن الذي قال بالأمس إنه رأى جسدي عاريًا منذ كنا طفلين، وأن الأمر لم يعد جديدًا عليه؟
أمس غضب لأنني رفضت خلع ملابسي.
واليوم يغضب لأنني خلعتها.
إنه الأمر نفسه…
مجرد إظهار جرح.
فلماذا يتصرف هكذا؟
-قصده قدامه هو بس مش قدام الطفل 😂😂
المترجمة: ساروهيتا
💬 المناقشة