الفصل 9

“آغه… آغه—”

ظلّ شيءٌ خشن عالقًا في حلقه، وكأن الماء لم يغادره بعد، بل بقي راكدًا في أعماقه.

اندفع يونها في نوبة سعال لا إرادية، وفي اللحظة نفسها انفتحت عيناه.

كانت الفوضى تعمّ المكان.

“إنه يتجه بهذا الإتجاه!”

“أوقفه!”

تحطّم—

ارتجّت الأرض من تحته بعنف إثر ارتطام شيءٍ هائل، تبعه صراخ مزّق الأجواء. عندها فقط أدرك يونها أنه كان ممددًا على جانبه، وأذنه ملتصقة بالتراب البارد.

وبغريزةٍ خالصة، عرف أنه قد عاد إلى الفسحة الجبلية.

عندما اخترقت سمعه جلبة حشدٍ كبير متجمّع في الجوار، راح يونها يتفحّص محيطه بحذر، محاولًا استيعاب ما يجري.

وعلى خلاف المشهد الذي رآه قبل لحظات في النبع، أدرك أن الفسحة لم تعد تضم أفراد الشركة وحدهم؛ فقد امتلأت بوجوهٍ غريبة، أشخاص لم يرهم من قبل.

‘…هل وصلت سيارة إسعاف؟’

كان ممددًا فوق ترابٍ متماسك، على مسافةٍ من شجرة البلوط.

رفع يونها بصره ببطء نحو المكان الذي انتصبت فيه الشجرة.

“كيف حال غوانسوك؟”

“هنا… هذه المرة الثالثة بالفعل… إذا استمر الأمر بهذا المعدل…”

وقف شخصان أمام الشجرة يتبادلان الحديث؛ امرأة في منتصف العمر ورجل قصير القامة. ارتسمت على وجه الرجل كآبة ثقيلة وهو يشير إلى الحجر المغروس في الجذع. كانا يقفان على مسافة بعيدة، بحيث لم يتمكن يونها من تمييز كل ما يقولانه، لكن بدا بوضوح أنهما يناقشان حالة ذلك الحجر.

تتبع يونها اتجاه نظراتهما حتى استقرت عيناه على الموضع الذي كانت تشير إليه أصابعهما. الفتحة القرمزية الداكنة التي ابتلعته لم يعد لها أي أثر، وكأنها لم توجد قط، بينما ظل الحجر المغروس في جذع الشجرة ثابتًا في مكانه، ساكنًا على نحوٍ يبعث على القشعريرة.

ما الذي كانت عليه تلك الفتحة؟ وهل كان ذلك الحقل العشبي الشاسع، وتلك المرأة المريبة، هونغهوا، والوحوش… مجرد حلم؟

إذًا… ماذا عن النبع داخل ذلك الكهف؟

تلاحقت الأسئلة في ذهنه الواحد تلو الآخر، حتى انتهى به التفكير إلى موظفي الشركة.

‘صحيح— الرئيس التنفيذي تشوي!’

انتبه يونها بسرعة. كان مخلب الشيطان على وشك اختراقه. لم يكن هذا وقت الإستلقاء، لِذا نهض بسرعة.

ووجد ثمانية أشخاص مصطفين على الأرض بجانب المكان الذي كان مستلقيًا فيه. جميعهم من الشركة. كان الرئيس التنفيذي تشوي وسونغ جييون بينهم.

زفر يونها أخيرًا نفسًا مثقلًا بالإرتياح.

بدا أن معظمهم مصابون—كل واحد منهم تلقى على الأقل بعض الإسعافات الأولية الطارئة.

خفض يونها بصره إلى ذراعه، الذراع التي مزقها مخلب الشيطان. كانت قد عولجت هي الأخرى.

ظهرت عليها آثار إيقاف النزيف، وثُبّتت بإحكام بما بدا وكأنه جبيرة، تلفّها الضمادات بإحكام.

لكن الغريب أنه لم يشعر بأي ألم على الإطلاق. رفع ذراعه تجريبيًا، وأدرك أن الجرح قد انغلق بالفعل. رفع يده الأخرى لخلع الجبيرة. ثم رأى يده وأعاد النظر فيها.

‘هل ما زالت تتوهج؟’

كان جسده يصدر ضوءًا أزرق خافتًا، لكن لم يكن هناك ألم حارق. يبدو أن “الحل المؤقت” لهونغهوا قد نجح.

نظر إلى جسده من الأعلى إلى الأسفل. كان اللون الأزرق في كل مكان، وكأنه تحول إلى مصباح LED.

تمتم يونها بذهول.

“…لم يكن حلمًا.”

قرقعة-تحطم

“غررررآه! سأقتلك!”

ارتد يونها من الضجيج الصاخب والتفت بسرعة نحو مصدره. كان خمسة أو ستة أشخاص يواجهون الشيطان في الطرف البعيد من الفسحة.

كلن الجسد الذي يمتلكُ جانبًا أيمنًا فقط، أصبح له الآن جانب أيسر أيضًا.

كان هيكله الضخم بالفعل قد تضخم إلى ما هو أبعد من حجمه السابق. كانت عيناه تتوهجان باللون الأحمر الفاتح، والطاقة السوداء التي كانت تلوح حول جسده بالكامل بدت أكثر خطورة بمرتين، متناسبة مع كتلته.

كان الشيطان يلوح بذراعيه بشراسة في كل اتجاه، صارخًا. كان وحده الصوت كافيًا لجعل أذنيه تطنان. لقد شك في أن الكثير من الناس يمكنهم صدّه.

لم يبدُ أن الإقتراب من ذلك الشيء ممكنًا حتى، ومع ذلك كانت المجموعة قد حاصرته من جميع الجوانب—شخص واحد يجذب انتباهه بينما ينزلق آخرون من الزاوية المقابلة لتوجيه الضربات.

برز شخص واحد. رجل مكتنف باللون الأسود من رأسه إلى أخمص قدميه. لم يُفوّت قط اللحظة التي كانت تنصرف فيها نظرة الشيطان عنه.

كان يندفع بلا تردد إلى كل ثغرةٍ تُفتح أمامه. وفي يده شيء يشبه هراوةً قصيرة، يتوهج بضوءٍ أزرق، تمامًا كما كان جسد يونها يتوهج. وللوهلة الأولى، بدا ذلك السلاح وكأنه عصا شرطة زرقاء ترقص وسط الفوضى.

كان الرجل أسرع وأبعد من أن يرى بوضوح، لكن في كل مرة لامست فيها العصا الزرقاء جسد الوحش، كان المخلوق يصرخ من شدة الألم. ذكّره ذلك بالعصا التي استخدمتها هونغهوا. فهي الأخرى قد استخدمت سلاحًا أزرق متوهجًا مشابهًا لإنقاذه من الوحش.

دون أن يدرك، وقف إيونها هناك شارد الذهن، يراقب. وجد نفسه يتمنى الخير للرجل. في تلك اللحظة، تظاهر الوحش بالهجوم – أدار رأسه جانبًا وكأنه ينظر إلى مكان آخر – ثم انقض على الرجل مستغلًا الثغرة، كاشفًا عن مخالبه.

تصدى الرجل للهجوم برفع عصاه أمامه مباشرة، لكن القوة غلبته، فسقطت قدماه على الأرض.

هرع الناس لنجدته، لكن لوّح الوحش بذراعه الأخرى وأطاح بهم، ثم سقطت الأجساد على الأرض. عند رؤية ذلك، اشتعل شيءٌ مجهولٌ في داخل إيونها.

‘ذلك الشيء. ذلك الشيء مجددًا.’

كافح لكبح جماح الغضب الذي اجتاحه بقوةٍ تفوق ما ينبغي. كان هذا الشعور غريبًا، إذ لم يختبر مثله من قبل.

انفجر شيءٌ في أحشائه، وتصاعد غضبٌ عارمٌ داخله كأنه قد ابتلع جمرة.

انتابته رغبةٌ غريبةٌ بأنه لن يشعر بالراحة حتى يمزق ذراع ذلك الشيء ردًا على ذلك.

‘عليّ أن أكبح جماحي.’

ضغط إيونها على فكيه لا إراديًا.

‘لكن لماذا؟’

لم يستطع التفكير في سبب.

لماذا عليه أن يكبح جماحه؟

ذلك الشيء هو من يؤذي الناس. ذلك الشيء هو من مزّق ذراعه. لم يستوعب لماذا يُطلب منه ضبط النفس، فأمال رأسه في حيرة. لم يكن لديه أدنى فكرة لماذا هو من يكبح جماحه دائمًا.

نهض وسار مباشرةً نحو ذلك الوحش وكأنه مسكون.

بينما كان يونها يقترب، سمع صراخ الناس، ورأى أحدهم يندفع نحوه من طرف عينه. لكن كان كل هذا مملًا للغاية. لم يكن يريد التعامل مع الأمور المملة. أراد التخلص منها فورًا. لم تكن هذه هي غايته.

رفع إيونها يده ولوّح بها عفويًا من اليسار إلى اليمين. تفرق الناس إلى اليمين كأوراق الشجر في عاصفة.

‘ماذا؟’

غريب. لقد فكّر فقط في فعل ذلك، ثم حدث. لم يتوقع أن ينجح الأمر فعلًا. نظر إلى يده، وقد كانت تتوهج بلون أزرق أعمق من ذي قبل.

فور استيقاظه، كانت رؤيته ضبابيةً بعض الشيء؛ أما الآن فقد أصبحت زرقاء صافية.

‘قد يكون انعدام الإحساس بالألم أكثر خطورة. لا يمكنكَ توخي الحذر. قد ينتهي بكَ الأمر بالشعور بالألم مجددًا.’

مرّ تحذير هونغهوا سريعًا في ذهنه، لكن لم يكن لأيٍّ منه أهمية. بدا كل ذلك بعيدًا جدًا. كان لديه هدف واحد. لا حاجة لأي أفكارٍ أخرى.

كانت نظرة إيونها مثبتة مباشرةً على الوحش.

كان الجميع متجمعين على الجانب الأيمن من الساحة. كان الوحش هو الشيء الوحيد الذي يقف أمامه مباشرةً.

نظر الشيطان إليه، ولوى وجهه بتعبير غريب، كما لو أنه يرى شيئًا مثيرًا للفضول للمرة الأولى. كان ميلان رأسه يوحي بسؤال واحد: ما هذا بحق؟

كان يفصل بينهما نحو ثلاثة أمتار، لكن لم تكن هناك حاجة للإقتراب أكثر.

ثبت يونها نظره على الشيطان للحظة، ثم رفع كلتا يديه؛ إحداهما امتدت نحو جسده، والأخرى قلّدت حركة الإمساك بذراعه اليسرى.

ارتفع جسد الشيطان فجأة في الهواء، وانخلعت ذراعه من مكانها تمامًا.

“آآآآآآآآآغه—!”

كان صراخه يصمّ الآذان.

اندفعت ذراع الشيطان اليسرى عبر الفسحة، ثم ارتطمت بشجرة البلوط.

كان يظن أن جعله يتذوق من نفس الكأس سيجعله يشعر بالإرتياح، لكن ذلك لم يحدث.

كانت النار التي تلتهم يونها ما زالت مشتعلة، وكانت أحشاؤه تضجّ بكل أنواع الأصوات.

‘ماذا أفعل الآن؟’

عبس يونها وهو يحدّق في جسده الذي كان يزداد توهجًا أكثر فأكثر.

“أيها الوغد… لقد أخذتَ ذراعي!”

‘يا إلهي، كان صوته مرتفعًا جدًا.’

أراد فقط أن يُسكت ذلك الفم.

وبينما كان يعصر ذهنه بحثًا عن طريقةٍ لإسكاته إلى الأبد، لفت شيءٌ انتباهه.

كرة صغيرة متوهجة داخل عين الشيطان اليمنى.

اجتاحه إحساس قوي لا يمكن تفسيره: إذا حطّم ذلك الشيء… فلن يفتح فمه مرةً أخرى أبدًا.

حسنًا، سيفعل ذلك بالضبط دون أي تردد.

التقط يونها حصاةً من الأرض قرب قدميه، ثم قذفها نحو عين الشيطان اليمنى.

انطلقت الحجرة الصغيرة إلى الأمام كأنها رصاصة، وأصابت الكرة المتوهجة في مركزها تمامًا.

تشقّق—

وصل صوت تحطمٍ رقيق، يشبه انكسار الزجاج، إلى أذني يونها، لكن لم يكن بإمكان أي شخص آخر سماعه. ليس وسط ذلك الضجيج.

فمنذ البداية وحتى النهاية، كان ذلك الشيء يصرخ بلا توقف، يطلق عواءً هائلًا حتى بينما كان جسده يتفكك. كان من المستحيل التقاط صوتٍ خافت كهذا، صوت كرة صغيرة تتحطم، وسط كل تلك الفوضى.

تبعثر الشيطان إلى رمادٍ أسود، ينجرف في الهواء مثل بذور الهندباء، متلاشيًا ابتداءً من الرأس نزولًا.

كان المشهد مطابقًا تمامًا لما رآه يونها عندما اخترقت هونغهوا جمجمة مخلوقٍ مشابه لهذا الشيطان.

وبحلول الوقت الذي اختفى فيه شكله بالكامل، لم يبقَ سوى حلقة من الرماد الأسود القاتم.

‘انتهى الأمر.’

ثم تحوّل العالم بأكمله إلى اللون الأبيض، وتلاشى وعي يونها إلى السواد.

أما الأشخاص المتجمعون في الفسحة الجبلية، فقد ظلوا يحدّقون في المشهد أمامهم، وأفواههم مفتوحة من شدة الصدمة.

عندما رصدوا اضطراب غوانسوك وقاموا بالتحرك، كانوا يتوقعون مواجهة شيطانٍ هائج، لكنهم لم يتوقعوا مواجهة شخصٍ هائج.

كان جميع الحاضرين قد شاهدوا بأعينهم الجسد الكامل لذلك الشاب وهو يشتعل بضوءٍ أزرق، يقذف الشيطان ومن حوله كما لو كانوا مجرد ألعاب.

كان ذلك وحده أمرًا يصعب تصديقه؛ شابٌ كان ينزف قبل لحظات كما لو أنه يقف على حافة الموت، أصبح الآن يتحرك بحيويةٍ كاملة.

لكن لم يتوقف الأمرعند ذلك. فقد فجّر طاقته الخاصة (التشي)، ومزّق الشيطان حرفيًا بيديه العاريتين.

كل ذلك قد حدث في غمضة عين.

كان خمسة ممارسين مدرّبين يكافحون ضد ذلك الشيطان. فهو كان ضخمًا من الأساس، بل واستخدم غوانسوك أيضًا ليجعل إخضاعه أكثر صعوبة.

ومع ذلك، فقد تمكن ذلك الشاب من سحقه بضربةٍ واحدة.

وقبل أن يبدو أن طاقته قد نفدت تمامًا، أطلقت عيناه وميضًا أزرق أخيرًا، ثم انهار جسده.

“نائب قائدة الفريق… أرأيتَ ذلك؟ للتو… من يكون هذا الشخص…؟”

تحدث أحد الموظفين الذين كانوا يساعدون في صدّ الشيطان بصوتٍ خافت إلى الرجل المكتسي بالسواد الواقف بجانبه.

كان نائب قائدة الفريق، الذي بدا وكأنه يشهد أمرًا كهذا للمرة الأولى أيضًا، يحدّق في الشاب بعينين واسعتين من الصدمة.

كان مستلقيًا بلا حراك الآن، لكن بدا وكأنه قد ينهض في أي لحظة، ويندفع مجددًا إلى القتال، بينما يشتعل جسده بالكامل باللون الأزرق مرة أخرى.

وبينما كان الجميع لا يزالون تحت وطأة الصدمة، كانت أول من استعاد رباطة جأشه هي المرأة في منتصف العمر التي كانت تتحدث بجانب الشجرة.

اندفعت راكضة، وصوتها يحمل إلحاحًا واضحًا.

“تعويذات الختم… تعويذات الختم! أحضروا كل ما لديكم منها. الآن!”

للحظة، لم يتحرك أحد. لم يستوعبوا الأمر.

لقد تم تدمير الشيطان بالفعل… فلماذا يحتاجون إلى تعويذات الختم؟

“أسرعوا! ذلك الفتى سيموت إذا استمر الأمر هكذا!”

“س-سيدتي؟ نعم، سيدتي!”

لكن عندما صرخت بهم أن يتحركوا، استجابت أجسادهم قبل أن تلحق عقولهم بفهم السبب.

لم تكن مخطئة.

“ألصقوها عليه كلها! بسرعة!”

اندفع الموظفون في كل اتجاه، يسحبون كل تعويذات الختم التي كانت بحوزتهم، ثم بدأوا بلصقها على جسد يونها واحدةً تلو الأخرى.

وخلال ثوانٍ قليلة، غُطي جسده بالكامل تحت فوضى من الأوراق والتعويذات الحجرية.

***

احس انه الموظف هو نفسه يلي سرق جسد هونغهوا؟؟ ما في حدا لهلأ استعمل التشي غير ثلاثتهم

الدفعة هدية لعزيزتي فيولا، أتمنى تعجب الكل ♡

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡

تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1

🎉

انتهى الفصل 9

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك