الفصل 14
كان قد مضى قرابة ساعة منذ أن أيقظ يونها الجميع بفزعة، حين أطلق صرخة مفاجئة في جوف الليل.
كان الغوشيوون غارقًا في صمتٍ مطبق.
سار يونها ولي سول في الممر المعتم، وخطواتهما لا تكاد تُسمع.
كانا قد بلغا نهاية الممر تقريبًا، حين توقف يونها أمام أحد الأبواب.
“إنه هنا. في الداخل، هذا-!”
اختنقت الهمسة في حلقه.
وقبل أن يتمكن من إكمال جملته، كان لي سول قد انتزع الباب وفتحه بعنف.
رفع يونها ذراعيه غريزيًا ليحمي وجهه، فما زالت صورة الشبح الذي رآه قبل لحظات عالقة في عينيه.
لكن شيئًا لم يحدث.
لم يقع ما يجعله يشعر بالخجل من فزعه.
“…؟”
بوجهٍ حائر، أطل يونها من خلف ذراعه وأخذ يتفحص الغرفة.
لا شيء.
دخل لي سول أولًا، ثم تبعه يونها بحذر.
كانت الغرفة الصغيرة، التي لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة بالكاد، تضيق برجلين بالغين يقفان بداخلها.
وتحت ضوء المصباح الفلوري القاسي، وجد يونها نفسه مرتبكًا لسبب مختلف تمامًا.
كانت غرفته تبدو وكأن قنبلةً انفجرت في قلبها.
الملابس والقمامة مبعثرة في كل مكان، شهادة صريحة على فوضى حياته اليومية. وكان ضيق الغرفة يزداد اختناقًا بسبب تلك الفوضى.
“يا إلهي، لماذا هذا هنا…؟”
لكن لم يكترث لي سول إطلاقًا بما إذا كان يونها يدفع أغراضه تحت السرير ووجهه محمر من الإحراج، أو يهرع لإلتقاط القمامة المتناثرة فوق المكتب.
فما إن دخل الغرفة حتى وضع كفه على ورق الجدران، ثم على الأرض، وكأنه يبحث عن شيء ما.
وبعد أن لم يجد ما يبحث عنه، استدار نحو يونها.
“أين رأيتَ علامة الشبح؟”
فاجأه السؤال قليلًا، وإن لم يكن السبب هو انشغاله بالتقاط غلاف مثلث الكيمباب الذي اشتراه من متجر صغير، والذي لم يعد يتذكر حتى متى أكله.
وكعادة غرف الغوشيوون، كان السقف منخفضًا بما يكفي لجعل الغرفة بأكملها مرئية بمجرد الوقوف عند المدخل.
ولهذا، كانت البقعة الداكنة على السقف واضحة للعين دون الحاجة إلى البحث عنها أصلًا.
لذلك بدا غريبًا ليونها أن لي سول لم يلحظ علامة الشبح فورًا.
“أمم…”
ظن يونها أنه ربما لم ينتبه إليها فحسب، فأشار إلى السقف.
“أعذرني.”
قالها لي سول، ثم صعد فوق السرير ليزيد من ارتفاعه.
ولم يخطر ببال يونها شيء غريب إلا عندما شاهد يده تتحسس السقف عمياء.
‘هل يعقل أنه لا يستطيع رؤية العلامة؟’
راح لي سول يمرر كفه على السطح كما لو كان رجلًا يقرأ بطريقة برايل، متقدمًا شيئًا فشيئًا نحو البقعة الداكنة.
وقبل أن يشفق عليه يونها ويمسك بيده ليوجهه إلى المكان الصحيح، كان لي سول قد عثر عليها بنفسه.
وضع كفه على مركز علامة الشبح وأغمض عينيه.
“كيف تبدو لكَ الآن؟”
“ماذا؟”
رمش إيونها بدهشة، بعدما كان يحدق فيه بشرود.
“علامة الشبح. هل أصبحت أغمق مما كانت عليه عندما رأيتها أول مرة؟ أم أفتح؟”
والآن بعد أن فكر في الأمر، عقد إيونها حاجبيه وأخذ يحدق في العلامة على السقف.
قبل أن يخلد إلى النوم، عندما لمحها وهو شبه غارق في النعاس، كانت بلون أسود مائل إلى الرمادي، لدرجة أنها بدت كأنها مجرد عفن.
أما الآن، فقد أصبحت سوداء قاتمة تمامًا.
“…أغمق. عندما أنظر إليها الآن، تبدو سوداء كأن أحدهم سكب عليها حبرًا.”
ابتلع إيونها ريقه بصعوبة، وحلقه جاف من شدة التوتر.
والآن بعدما زال عنه النعاس تمامًا، ووجد نفسه يواجه علامة الشبح وجهًا لوجه، لم يستطع فهم كيف ظنها يومًا عفنًا.
كان التحديق في تلك البقعة الملطخة يضيّق صدره ويقلب معدته، ويبعث في جسده انزعاجًا مقززًا يشبه أسوأ حالات عسر الهضم.
بدأ العرق يتجمع على راحتيه.
مسح يونها يديه بطرف بنطاله، ثم أعاد ضبط قبضته على المسدس الذي أعطاه له لي سول.
ومع أن السلاح كان يبدو كلعبة، فإن حمله بإعتباره سلاحًا حقيقيًا منحه شعورًا ضئيلًا بالأمان.
‘على الأقل، لستُ وحدي هذه المرة.’
لكن بينما بدأ يونها يشعر بشيءٍ من الإرتياح، كان لي سول واقفًا أمامه وعبوس عميق يخط جبينه، وملامحه متجمدة كالصخر.
“شيطان كارثة.”
فتح لي سول عينيه، وما زال العبوس يكسو وجهه.
“شيطان… كارثة؟”
“ليس جيدًا.”
كانت الكلمات التي تمتم بها وكأنه يحدث نفسه كافية وحدها لجعل معدة إيونها تهوي.
“ماذا يعني ذلك؟”
“كنتُ أعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي لحظة دخولي. شعرتُ وكأن مؤخرة جمجمتي تتعرض للعصر.”
ضغط لي سول بأصابعه على صدغه، متجاهلًا يونها الذي كرر سؤاله بإلحاح.
“منذ متى وأنت تعيش هنا؟”
“ليس منذ فترةٍ طويلة. ربما أكثر قليلًا من ثلاثة أشهر…”
لو لم يُجبر يونها على التخلي عن شقته القديمة لأنه كان في أمسّ الحاجة إلى مبلغ التأمين، لما انتقل إلى هذا الغوشيوون المتهالك.
وعندها، ربما لم يكن ليجد نفسه وسط هذه الفوضى في منتصف الليل.
‘أكان ذلك أفضل؟’
لكن لي سول عاد ليسأله، منتزعًا إياه من أفكاره.
“ألم يخبركَ أحد بأي شيء؟ كأن شخصًا عاش هنا من قبل، أو أن أحدًا مات هنا؟”
“لا… لماذا تسأل؟”
‘شخص مات؟ لماذا يطرح سؤالًا بهذه القتامة من العدم؟’
ثم تذكر إيونها.
قبل شهرين، عندما عاد من العمل شارد الذهن، وجد سيارات شرطة وسيارة إسعاف متوقفة أمام الغوشيوون، والناس متجمعين في مجموعات صغيرة يتناقلون الهمسات.
لكنهم قالوا أن شخصًا قد انهار فجأة فحسب.
مجرد حالة طبية.
‘مستحيل…’
وهو يراقب عبوس لي سول الذي لم يتزحزح، شعر يونها بالخوف يتسلل إليه من جديد، فألح عليه.
“هيا، ما الأمر؟ هل هو خطير؟”
“ثلاثة أشهر؟ أنت محظوظ لأن شيئًا لم يحدث لك حتى الآن. بل إنني متفاجئ من أن هذه كانت المرة الأولى التي تواجه فيها واحدًا. كان من المفترض أن تبدأ المشاكل قبل ذلك بوقتٍ طويل.”
“ماذا يفترض أن يعني هذا؟”
راحت عينا يونها تتحركان بتوتر.
لم يكن يفهم شيئًا مما يحدث، لكنه كان يدرك بوضوح أن الأمر ليس جيدًا.
ضغط لي سول أصابعه على جبهته وأطلق زفرة قصيرة.
كان هناك شيء خاطئ منذ اللحظة التي دخل فيها المبنى.
إحساس زاحف، كأن أصابع غير مرئية تشد قاعدة جمجمته؛ ذلك النوع من القشعريرة الذي لا يأتي إلا من وجود شيء اتخذ هذا المكان موطنًا له منذ زمن بعيد.
في البداية، ظنه روحًا ضعيفة عادية، مجرد اختبار لقدرة يونها. لكن يبدو الآن أن الأمر أكبر بكثير مما توقع، وكان عدم سماعه لأي شائعات عن هذه المنطقة خطأً في تقديره.
‘هل أستدعي عضوًا آخر من الفريق؟’
ألقى لي سول نظرة على إيونها.
كان الرجل يقف هناك بشكلٍ مرتبك، قابضًا على مسدسه، وينظر إلى لي سول بعينين يملؤهما العجز واليأس.
كان مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي قابله بالأمس في الجبال.
‘لا. إذا كنتُ سأختبره، فمن الأفضل أن يكون الاختبار شاملًا.’
مشى لي سول لبضع خطوات، ثم أومأ لنفسه، وعاد نحو السرير.
ومن الجيب الداخلي لمعطفه، أخرج حزمة من الأوراق، وانتزع منها عدة أوراق، ثم بدأ يثبتها واحدة تلو الأخرى على السقف.
“ماذا تفعل؟”
سقط فك يونها من الدهشة أمام هذا المشهد الغريب.
‘هل ينوي لي سول إقامة طقس هنا، في غرفتي مباشرةً؟’
لو تسببوا في ضجة، فقد يُطرد يونها فعلًا.
“إنه يختبئ، لذا علينا إخراجه.”
“إخراج… ماذا؟”
“شيطان الكارثة. الذي رأيته.”
“يمكنكَ فعل ذلك؟”
“تغير علامة الشبح بين الظلام والخفوت يعني أنه متجذر هنا منذ فترة. انثر بعض الطُعم وسيظهر بسرعة. لقد اعتاد التغذي هنا.”
“التغذي؟”
“نعم. هل تعرف لماذا الشياطين خطيرة؟ هل لأنها تبدو مخيفة فحسب؟ معظم الناس لا يستطيعون حتى رؤيتها.”
“…هذا صحيح.”
“إنها تستخدم طاقة التشي الخاصة بالأحياء كغذاء، كي تطيل بقاءها في هذا العالم.”
طاقة التشي البشرية كغذاء؟
ارتجف جسد إيونها عند هذه الفكرة.
“لكن كلما تغذت أكثر، فقدت المزيد من غايتها ومعناها. وفي النهاية، لا يبقى فيها سوى غريزة البقاء.”
راقب يونها حركات لي سول دون أن يرمش.
ثبت لي سول آخر ورقة بالقرب من علامة الشبح، ثم أشار إلى يونها كي يقترب.
اقترب يونها منه بخطوات مترددة.
“تتذكر ما شرحته لك قبل قليل؟”
“إلى حدٍ ما…؟”
أجاب يونها دون ثقة، محاولًا استرجاع الشرح المقتضب الذي قدمه له لي سول أثناء صعودهما الدرج.
كان يشعر بالذنب، لكنه لم يكن متأكدًا تمامًا من أنه فهمه.
لقد ظل يومئ برأسه بجدية طوال الوقت.
ومع ذلك، علقت في ذهنه بعض الأمور.
كان حشر المعلومات في رأسه بينما أعصابه منهكة أصلًا أمرًا جعل دماغه يبدو وكأنه يغلي.
كان لي سول قد أخبره أن استخدام التشي، الذي يشبه قوة الحياة، يتطلب منه أولًا أن يدرك أن تشي يسري في أنحاء الجسد كله، تمامًا كما يسري الدم، ثم يتخيل قدرته على التحكم في هذا التدفق بحرية.
التخيل هو المفتاح.
وبالطبع، القدرة على تخيله لا تعني أن الناتج سيظهر وفق ما يتخيله…
“لكنني لا أعتقد أنك بحاجة إلى القلق بشأن ذلك الجزء يا سيد يونها.”
ثم، وقبل أن تتاح له حتى فرصة التدرب، توجها مباشرةً إلى هنا.
“سيد يونها، ضع يدك على هذه.”
أشار لي سول إلى الأوراق التي ثبتها على السقف.
“أ-أنا؟”
“نعم. قلتَ أنكَ ستساعد.”
“أعني، صحيح، لكن…”
“هكذا.”
رفع لي سول يده.
لم يرَ يونها يده تتحرك، ولا لاحظ عليه أي جهد أو توتر.
ومع ذلك، كانت راحة يده قد بدأت تتوهج باللون الأزرق.
“لفّ التشي حول يدك هكذا، ثم اضغط بها على الورقة. سيكون التشي طُعمًا موثوقًا.”
وعلى عكس يونها المذهول، بدا الأمر بالنسبة إلى لي سول في غاية السهولة.
“هيا.”
حثه لي سول.
لم يكن أمام يونها خيار سوى المحاولة.
استجمع أفكاره وأمر التشي في ذهنه بالتجمع حول يده.
‘التخيل، إذًا؟’
ومع شكه في أن الأمر يمكن أن ينجح أصلًا، مد ذراعه.
تخيل الطاقة الزرقاء التي رآها سابقًا وهي تلتف حول يده.
وفجأة، بدأت يده تتوهج باللون الأزرق.
“واو—!”
أطلق يونها صرخة قصيرة، ثم أسرع بوضع يده على فمه.
صرخة أخرى كهذه، وسيتعرض للطرد قبل أن يتعاملوا حتى مع الشيطان.
“أحسنت.”
بدت الدهشة واضحة في صوت لي سول.
فمع أنه هو من أعطاه التعليمات، فإنه لم يتوقع أن ينجح يونها من المحاولة الأولى.
“ماذا أفعل الآن؟”
“الأوراق الطلسمية على السقف. ما عليك سوى تمرير يدك على كل واحدة منها.”
حدق يونها في الأوراق بريبة.
وعند الإقتراب منها، اكتشف أن الأوراق البيضاء التي رتبها لي سول حول علامة الشبح لم تكن سوى أوراق مسودة خشنة، كُتبت عليها حروف بالحبر الأسود.
ولم يستطع حتى معرفة ما إذا كانت تلك الخربشات هانغول أم هانجا، سواء أكان قد تعمد كتابتها بهذا الشكل أم أن خطه سيئ إلى تلك الدرجة.
فاستسلم عن محاولة قراءتها، وراح يلمس كل طلسم بيده كما طُلب منه.
وما إن لامست راحة يونها الورقة، حتى تدفقت الطاقة الزرقاء من يده إلى الورقة، متسربة إلى الحروف السوداء المرسومة عليها.
“هذا كل شيء…؟”
بعد أن لمس آخر طلسم بالترتيب، فرك يونها عنقه الذي بدأ يؤلمه.
ثم لاحظ لي سول جاثيًا بجانب السرير في وضعية قتالية، فكاد يقفز من مكانه.
“انزل إلى هنا يا سيد يونها. الآن!”
“أمم، اللافتة تقول إنه لا يُسمح بدخول الزوار من الخارج، لذلك هل يمكنك أن تخفّض—”
لكنه لم يتمكن من إكمال الجملة.
ماتت الكلمات في حلقه وتحولت إلى صرخة مكتومة.
كان اتخاذ لي سول للوضعية القتالية قرارًا صائبًا.
فالأوراق الطلسمية التي لمسها يونها قد اشتعلت بالضوء، وبدأ شيء ما ينساب خارج علامة الشبح، منتفخًا وهو يتخذ شكلًا واضحًا.
توقف نفس يونها.
الشبح الذي رآه من قبل…
كان الرجل يمد لسانه الطويل بصورة مستحيلة، ويندفع مباشرةً نحو الأوراق الطلسمية.
***
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡
تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية والمانهوا: i8xs_1
💬 المناقشة