الفصل 6

كانت امرأةً غريبة.
تمتم يونها بهذه الكلمات تحت أنفاسه وهو يشق طريقه بين الشجيرات. لم يكن المرج بهذه الكثافة عندما استعاد وعيه، لكن كلما توغل أكثر، ازدادت النباتات تشابكًا، وتقاربت الأشجار حتى بدا وكأن المكان نفسه يدفعه إلى الداخل، رافضًا أن يسمح له بالعودة.
– أعد لي جسدي…
هز رأسه، محاولًا طرد كلماتها من ذهنه. لم يكن يهمه شيء سوى العثور على طريقٍ للخروج. أما سماع امرأة تطلب منه أن يعيد إليها جسدها، وكأن ذلك أمرٌ يمكن فعله ببساطة، فقد بدا له ضربًا من الهراء، حتى أن كل حديثها عن العالم الآخر فقد أي وقعٍ في نفسه. قرر ألا يستنزف عقله في التفكير فيه.
وربما لأن عينيه قد وقعتا بالفعل على ذلك الوحش، فإن امرأةً غامضة تردد كلماتٍ غير مفهومة لم تعد ترعبه بالقدر الذي كان ينبغي لها.
في النهاية، لم يكن الأمر يهم.
سواء كان هذا المكان عالمًا بين عالمين، أو العالم الآخر نفسه… فما دام يستطيع الخروج منه، فلا فرق.
‘إذا كان هناك مدخل… فلا بد أن هناك مخرجًا.’
لهذا قرر أن يعثر عليه بنفسه.
كان بذل بعض الجهد أهون عليه بكثير من عقد صفقةٍ مريبة مع امرأةٍ لا يعرف حتى من تكون.
لكن بعد أن ظل يشق طريقه بين الشجيرات لما بدا وكأنه دهرٌ كامل، لم يتغير شيء.
لم يكن هناك أي أثر لنهاية هذا المكان؛ مجرد امتدادٍ لا نهائي من العشب والزهور البرية، بينما كان الضباب الكثيف يبتلع الأفق، فلا يسمح له برؤية ما يكفي ليحدد حتى الاتجاه الذي يسير فيه. أما الفتحة التي سقط عبرها، فقد اختفت تمامًا، وكأنها لم تكن موجودة منذ البداية.
بدأ شعورٌ بارد يتسلل إلى صدره.
– تغادر فقط؟ بالتأكيد، محاولة العثور على طريق بنفسك فكرة جيدة… لكن في النهاية، ستضطر إلى الإصغاء إليّ.
ترددت كلمات المرأة الأخيرة في رأسه بلا توقف، ملتصقةً بعقله كأنها لعنة.
قطب حاجبيه، ثم رفع يده ولوّح بها بجانب رأسه، وكأنه يحاول طرد حشرةٍ مزعجة.
‘من يقول أشياءً مخيفة كهذه؟’
بين ذلك الحلم الغريب الذي رآه قبل قليل، وهذا المكان المستحيل الذي يبتلعه الضباب، لم يستطع يونها التخلص من إحساسٍ مزعج بأنه لا يتجول في مكانٍ حقيقي، بل داخل حلمٍ يخص شخصًا آخر.
ومنذ أن استعاد وعيه، لم يفارق ذلك المشهد ذهنه.
‘من ذلك الشخص الذي كان يحمله ويركض؟’
ظل السؤال يطارده بلا توقف. كان ذلك الشخص مألوفًا بشكلٍ غريب، مألوفًا إلى درجةٍ جعلته يشعر أنه يعرفه منذ زمن، وفي الوقت نفسه بدا غريبًا تمامًا، كأنه لم يره في حياته قط. ومع ذلك، لم يستطع إنكار ذلك الشعور… دفء الذراعين اللتين احتضنتاه كان حقيقيًا، والأمان الذي شعر به بينهما لم يكن وهمًا.
كان متأكدًا من أنه لو استطاع فقط أن يرى ذلك الوجه مرةً أخرى، فسيعرف من يكون.
وفي تلك اللحظة بالذات…
طقطقة!
مزق صوتٌ مفاجئ وعنيف الصمت الميت الذي كان يلف المكان.
استدار يونها بسرعة نحو مصدره. في مكانٍ ما خلف الضباب الكثيف، دوّى شيءٌ هائل. لم يكن بعيدًا؛ فقد وصل الصوت واضحًا على نحوٍ جعل قلبه ينقبض.
“والآن ماذا؟”
ظل مترددًا للحظة، يفكر فيما إذا كان ينبغي له الذهاب لتفقد الأمر أم لا، لكن قبل أن يحسم قراره، انشق الضباب قليلًا، كاشفًا عن مصدر الضجة.
“!!!”
اندفعت يد يونها إلى فمه فورًا، كأنه يحاول خنق الصرخة قبل أن تخرج.
‘ما هذا بحق…؟’
كان هناك وحش آخر.
لقد كان ضخمًا.
كان العشب المحيط قد نما منذ أن مر يونها من هنا، حتى أصبح يصل إلى خصره تقريبًا، لكن إلى جانب ذلك الوحش بدا وكأنه لا يتجاوز كاحليه، كأن حجمه وحده كان كافيًا ليجعل كل ما حوله يبدو ضئيلًا.
للحظةٍ قصيرة، ظن يونها أن الوحش الذي خرج من جسد الرجل العجوز قد لحق به.
لكن… هذا لم يكن هو.
كان هذا الكائن مختلفًا تمامًا.
جسده أسود حالك، بطولٍ يتجاوز الثلاثة أمتار بسهولة، ورأسه الأصلع ذو شكلٍ مربع مشوه، بينما تدلت ذراعاه الطويلتان بصورةٍ غير طبيعية، أشبه بذراعي شمبانزي عملاق.
حتى يديه وقدميه بدتا خارج كل نطاق المنطق؛ لم يكن الأمر مجرد مبالغة في الوصف، بل كانتا بحجم أغطية القدور فعلًا، ضخمتين إلى حدٍ يبعث على الاشمئزاز.
وفي إحدى تلك اليدين الهائلتين…
كان يمسك شيئًا.
‘شخصًا.’
كانت المسافة بينهما بعيدةً أكثر من أن تسمح ليونها بتمييز ملامح الوجه، لكن الشيء الذي كان معلقًا في قبضة الوحش لم يكن موضع شك.
كان إنسانًا.
وللحظةٍ قصيرة… التقت عيناه بعيني ذلك الشخص.
تحركت شفتا الرجل المرتجفتان بصعوبة.
“أنق…ذ…”
ولم تخرج الكلمة كاملة أبدًا.
بهدوءٍ مرعب، رفع الوحش ما يحمله، ثم دفع الجسد مباشرةً إلى فمه.
في طرفة عين… اختفى النصف العلوي داخل حلقه.
تدلت الساقان للحظة، بلا حولٍ ولا قوة، قبل أن تختفيا هما أيضًا.
انهارت ركبتا يونها في مكانهما.
‘لقد… أكله… ‘
أمام عينيه مباشرةً، ابتلع الوحش إنسانًا حيًا، وكأن الأمر لم يكن أكثر من لقمة.
ظل يونها يحدق في المشهد بعيونٍ فارغة، وعقله عاجز عن استيعاب ما حدث للتو. كان كل شيءٍ يبدو بعيدًا وغير حقيقي، كأنه يشاهد كابوسًا لا يستطيع الإستيقاظ منه.
ثم لاحظ شيئًا غريبًا.
لم يكن هناك دم.
على الرغم من أن النصف العلوي من الجسد اختفى بطريقةٍ واضحة، ورغم أن ما حدث كان يجب أن يترك خلفه فوضى مروعة، لم تسقط حتى قطرة واحدة. لم يتناثر الدم، ولم يبقَ أي أثر للجسد.
لقد اختفى الشخص داخل فم الوحش مثل الدخان تمامًا.
‘ألم يكن ذلك الشخص بشريًا أيضًا؟’
شهق يونها محاولًا التقاط أنفاسه، بينما كان عقله يكافح لفهم الواقع أمامه. لكن قبل أن يجد أي إجابة، كان الوحش قد أنهى ابتلاع النصف السفلي المتبقي في جرعة واحدة.
ثم أدار رأسه ببطء نحو يونها.
هذه المرة، التقت عينا يونها مباشرةً بعيني الوحش.
كانت عيناه مثل خرزاتٍ زجاجية لامعة، تلتقطان الضوء ببرودٍ مخيف. عينا مفترسٍ عثر على فريسته التالية.
‘يجب علي أن أهرب!’
لم يبقَ أي مجال للتفكير.
كل غريزة في جسده كانت تصرخ بالهرب، تطالبه بالإبتعاد عن ذلك الشيء بأي ثمن. أجبر يونها ساقيه المرتجفتين على الحركة، ثم انطلق بأقصى سرعة لديه.
لكن حجم الوحش لم يكن عائقًا أمامه.
على الرغم من جسده الضخم، كانت خطواته مرعبة السرعة. بضع خطوات فقط بتلك الأرجل الطويلة الشبيهة بأرجل العنكبوت كانت كافية لتقليص المسافة التي ظن يونها أنها آمنة إلى لا شيء.
والأسوأ من ذلك أنه لم يصدر أي صوت تقريبًا.
لم يكن هناك هدير، ولا وقع أقدام، ولا أي علامة تدل على اقترابه. كان على يونها أن يلتفت خلفه بإستمرار أثناء الركض ليتأكد من مكانه.
وفي كل مرة كان يفعل ذلك…
كان الوحش يبدو أكبر، أقرب، وأكثر رعبًا.
كان مجرد النظر إليه كافيًا ليشل جسده من الخوف، لكنه لم يستطع التوقف. التوقف يعني النهاية.
ثم نظر يونها مرة أخرى إلى الوراء، لكنه لم يجد شيئًا.
‘ماذا؟’
لقد انزلق حتى توقف.
‘لِمَ لا يوجد شيء ورائي؟’
توقف يونها للحظة، يحاول التقاط أنفاسه المتقطعة.
لم يكن الجري يومًا أحد نقاط قوته، والآن كانت رئتاه تحترقان وكأنهما ستتمزقان من الداخل. بحث بعينيه في كل اتجاه، محاولًا العثور على ذلك الوحش…
لكن لم يكن هناك شيء. لا أثر له.
‘لا تقل لي…’
أدار رقبته المتصلبة ببطء ليواجه الأمام من جديد. وفي اللحظة التالية، تجمد الدم في عروقه.
كان الرعب الذي توقعه حقيقة.
كان الوحش هناك… أمامه مباشرة…
على بعد سنتيمترات فقط من وجهه.
‘متى اقترب إلى هذه الدرجة؟!’
لم يمنحه حتى فرصة للتفكير.
قبل أن يتمكن من التحرك أو حتى محاولة الهرب، اندفع ظل أسود ضخم نحوه.
بهذا المعدل… سينتهي به الأمر تمامًا مثل ذلك الشخص…
سيُبتلع بالكامل، دون أن يترك خلفه أي أثر.
“لا!”
صرخ بذعرٍ خالص.
رفع يونها ذراعيه غريزيًا؛ وضع إحداهما فوق رأسه لحمايته، ومد الأخرى أمامه في محاولة يائسة لصد الهجوم.
‘لا أستطيع أن أموت هنا…!’
وفي تلك اللحظة، حدث شيءٌ ما.
شعر بشيءٍ حار يندفع عبر عروقه.
نفس الإحساس. نفس الألم الحارق الذي مزق جسده من قبل.
شهق يونها بقوة، وشعر بجسده بالكامل وكأنه اشتعل من الداخل. كان الأمر كما لو أن نارًا غير مرئية تسري في دمه، تحرق كل شيء في طريقها.
لكن وسط ذلك الجحيم، اجتاح بصره ضوءٌ أزرق، بارد وصافي.
مناقض تمامًا للحرارة المدمرة التي كانت تلتهمه.
“غررررررررراه!”
انفجر صراخ الوحش في المكان لحظة اشتعال الضوء الأزرق.
رأى يونها جسد الوحش الضخم يتراجع إلى الخلف، وكأنه أصيب بشيءٍ لا يستطيع تحمله. تراجع وهو يطلق صوتًا غريبًا يشبه الإختناق، كما لو أنه كان يتقيأ أو يحاول طرد شيءٍ دخل جسده.
ومع ابتعاده، بدأ الألم الذي كان يجتاح عروق يونها بالتلاشي تدريجيًا، وكأن مصدره قد ابتعد معه.
رمش يونها وهو يحدق بالمشهد الذي أمامه.
كانت ذراع الوحش اليمنى قد اختفت.
الذراع نفسها التي كانت تندفع نحوه قبل لحظات، جاهزةً لتمزيقه.
‘ما… ماذا حدث للتو؟’
حدق يونها في جسده، وكاد أن يختنق من الصدمة.
كان جسده بالكامل متوهجًا من رأسه حتى أخمص قدميه بضوءٍ أزرق نقي ومشرق. كان الضوء قويًا لدرجة أنه اضطر إلى تضييق عينيه، وكأن مجرد النظر إليه يؤلمه.
وكانت ذراع الوحش المبتورة ملقاة على الأرض عند قدميه.
تجمد للحظة أمام المنظر المروع. لم يكن هناك أي تفسير لما يراه.
اخترق ثقبٌ طويل ونظيف الذراع من طرفها إلى طرفها، كما لو أن شيئًا غير مرئي اخترقها بالكامل. كانت الحواف محترقة بلونٍ أسود قاتم، بينما تناثرت حولها بقايا تشبه الرماد، وكأن جزءًا منها قد احترق واختفى.
رفع يونها نظره ببطء، والصدمة لا تزال عالقةً على وجهه.
“هل… فعلتُ هذا؟”
نظر يونها ذهابًا وإيابًا بين ذراعه المتوهجة وذراع الوحش المبتورة على الأرض. كان الاستنتاج الوحيد المنطقي الذي استطاع التوصل إليه هو أن ما حدث كان بسببه؛ فالثقب الذي اخترق الذراع كان بطول ذراع إنسان تقريبًا، وكأن قوةً هائلة خرجت منه دون أن يدرك.
“أنت… أنت!”
تكلم الوحش. كان صوته مليئًا بالغضب والكراهية، وهو نفس الأمر الذي جعله يونها يدرك شيئًا آخر.
‘إذًا هذا المخلوق يستطيع التحدث أيضًا، تمامًا مثل ذلك الشيء الذي واجهته في الجبال.’
استعد الوحش للإنقضاض عليه مرةً أخرى. شعر يونها بالذعر، غير قادر على فهم ما يجب عليه فعله. وطالما أنه لا يزال يتوهج بهذه الطريقة، فلن يكون هناك مكان يختبئ فيه أو يهرب إليه.
لكن انطفأ الضوء دون أي إنذار.
لقد اختفى ببساطة، كما لو أن شخصًا ما قد مد يده وأطفأ مفتاحًا.
وفي اللحظة نفسها، تلاشى الألم المتبقي في جسده مع الوهج الأزرق، تاركًا يونها واقفًا هناك، مذهولًا بما حدث للتو.
انقض الوحش في اللحظة التي انطفأ فيها الضوء تمامًا. لم يكن ذلك توقيتًا عشوائيًا؛ لقد كان يترقبها، ينتظر اختفاء الوهج الأزرق بفارغ الصبر، وكأنه كان يعرف أن تلك اللحظة هي فرصته الوحيدة للانقضاض.
عندما أدرك يونها أنه لا يستطيع الاعتماد على معجزةٍ أخرى، شد جسده بكل قوته ولوى نفسه بعنف، محاولًا تفادي الهجوم في اللحظة الأخيرة، لكن الوقت كان يضيق بسرعة.
ثويب—
شق شيءٌ ما الهواء بسرعةٍ مخيفة، وفي اللحظة التالية اخترق عمودٌ طويل منتصف جمجمة الوحش. مرّ العمود بمحاذاة يونها مباشرةً قبل أن يغرس نفسه في الأرض أمام قدميه بصوتٍ مكتوم، تاركًا إياه متجمدًا في مكانه.
تراجع يونها إلى الخلف بصدمة. كادت قدمه أن تُثقب بذلك العمود، لكن ذلك لم يكن ما جعل أنفاسه تضطرب.
ثبت نظره عليه ببطء، واتسعت عيناه.
كان العمود يشع بنفس الضوء الأزرق الساطع الذي كان يغمر جسده قبل لحظات.
“غرررررررررر…”
أطلق الوحش أنينًا عميقًا، ممسكًا برأسه المثقوب بينما كان يتمايل بلا اتزان، يدور في مكانه وكأنه فقد السيطرة على جسده.
“لا… لا، لا…”
خرج العواء من حنجرته بصوتٍ مشوه، واستمر في الترنح للحظات قبل أن ترتخي ركبتاه فجأة ويسقط إلى الأرض.
ومن الثقب الموجود في رأسه، بدأ جسده بالتلاشي. لم ينهَر، ولم ينزف؛ بل أخذ يذوب ببطء كالدخان، بينما تناثر الرماد الأسود منه كندف ثلجية دقيقة تتساقط في الهواء.
خلال لحظاتٍ قليلة، اختفى ذلك الشكل الضخم تمامًا، ولم يبقَ في مكانه سوى كومة من الرماد الأسود متراكمة على الأرض، تشبه قبرًا صامتًا.
“هاه… هاه…”
ظل يونها يشاهد كل شيء دون أن يرمش. كانت أنفاسه متقطعة وضحلة، وعيناه مثبتتين على كومة الرماد أمامه، بينما بقي وجهه جامدًا تحت وطأة الصدمة وعدم التصديق.
‘ماذا يحدث في هذا المكان بحق؟’
في تلك اللحظة، خلف المكان الذي اختفى فيه الوحش، ظهر كارديجان وردي باهت وسط الضباب.
كانت المرأة الغريبة من قبل.
“قلت لك أنني أستطيع المساعدة.”
اقتربت منه بخطواتٍ هادئة، تهز كتفيها بفخر وكأنها أثبتت للتو وجهة نظرها.
“آه… لا ينبغي لي حقًا أن أبذل جهدي إلى هذه الحد هنا.”
تمتمت لنفسها، ثم اتجهت نحو كومة الرماد وركلتها بخفة. تفرقت ذرات الرماد الأسود، وفي وسطها بدأت زهرة واحدة بالظهور ببطء.
بدت كزهرة الثالوث، لكن على عكس الزهور الملونة التي اعتاد يونها رؤيتها، كانت كل بتلة فيها سوداء تمامًا، سوداء كالحبر.
مدت المرأة يدها وقطفتها بخفة.
“جميل! إنها كبيرة. هذه لي. أنا من قتل هذا الشيطان في النهاية، لذا لا يمكنك الإعتراض، أليس كذلك؟”
فتح يونها فمه، لكنه لم يستطع إخراج أي كلمة. لم تبدُ المرأة مهتمة برد فعله أصلًا؛ كانت منشغلة تمامًا بتأمين الزهرة داخل كارديجانها بعناية، وكأن شيئًا مرعبًا لم يحدث قبل لحظات.
وبمجرد أن انتهت، رفعت عينيها نحوه وقالت فجأة:
“لا تقلق بشأن ذلك. لا مشكلة كبيرة.”
“ماذا؟”
“ألم تكن تحاول قول شكرًا؟ قد لا أبدو كذلك، لكن لدي بعض السنوات خلفي… أوه، يا إلهي، أذناي لم تعودا كما كانتا من قبل.”
حدق بها يونها للحظة، مرتبكًا من طريقة حديثها الغريبة.
“ص-صحيح… شكرًا لكِ.”
استغرق يونها وقتًا طويلًا حتى خرج من حالة الذهول التي غرق فيها. وبعد جهدٍ كبير، تمكن أخيرًا من الرد بصوتٍ خافت. لم يكن يعرف من تكون هذه المرأة، ولا ما الذي تريده منه، لكن هناك حقيقة واحدة لم يستطع إنكارها؛ لولا تدخلها، لكان قد انتهى به الأمر فريسةً لذلك الوحش.

“لا تقلق بشأن ذلك. لا مشكلة كبيرة.”

ابتسمت المرأة برضا، بإبتسامة تحمل شيئًا من العبث والمكر. ثم مدت إصبعًا طويلًا وأشارت نحو ذراع يونها.

“إذًا… ظننتكَ مجرد مدني، لكن يبدو أنكَ لستَ كذلك؟”

“ماذا؟”

“لم تبدُ وكأنك كنت بحاجة إلى مساعدتي على الإطلاق.”

تجمد يونها للحظة، ثم نظر إليها بإرتباك.

“م-ماذا حدث للتو…؟ كيف تعرفين لماذا حدث ذلك؟”

في هذه المرحلة، لم يعد بإمكان يونها سوى الإعتراف بالحقيقة. من الواضح أن هذه المرأة كانت تعرف أشياءً عن هذا المكان الغريب لا يعرفها هو. بل إن العصا التي ألقتها قبل قليل كانت تشع أيضًا بنفس الوهج الغامض.

وبينما كان يونها ينهال عليها بالأسئلة، قاطعته بتعبيرٍ غريب، وكأنها أدركت للتو مقدار ما يجهله.

“يبدو أنك تحتاج إلى شرح. لكن هذا ليس المكان المناسب لذلك…”

ألقت نظرة حولها، ثم رفعت يدها وأشارت نحو الضباب الكثيف المحيط بهما.

“لا يوجد وقت للشرح هنا، فهناك واحد آخر في الجوار. إذا بقينا في مكاننا، فكل شبح وروح على بُعد أميال سيأتون إلينا مباشرةً.”

تحرك ظلٌ مظلم، خلف الضباب، عند نهاية إصبعها تمامًا…

تراجع يونها إلى الخلف غريزيًا.

“لا يوجد سوى مكان واحد يمكننا الإختباء فيه هنا. وأنا الوحيدة التي تعرف أين هو. إذًا؟ هل ستأتي أم لا؟”

نظر إلى عينيها الواثقتين. كان من الصعب عليه حتى الآن أن يثق بشخصٍ غريب لا يعرف عنه شيئًا، لكن الواقع القاسي كان واضحًا؛ لم يكن لديه خيار آخر.

ابتلع يونها ريقه، وبعد لحظة من التردد اتخذ قراره أخيرًا.

“أين نذهب؟”

***

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡

تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1

🎉

انتهى الفصل 6

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك