الفصل 12
قبل أن يتمكن سكان الغوشيوون، الذين أيقظتهم تلك الصرخة التي مزّقت سكون الليل، من فتح أعينهم حتى…
كان يونها قد قفز من سريره بالفعل.
تحرك بسرعة ارتداد شريطٍ مطاطي.
‘ضوء… يجب علي أن أصل إلى الضوء.’
وبالكاد تمكن من التقاط هاتفه، اندفع هاربًا خارج مبنى الغوشيوون.
ولمّا لمح أقرب مصباح شارع، ارتمى تقريبًا داخل دائرة الضوء المنبعثة منه، مترنحًا وهو يلهث.
ظلّ يونها قابعًا تحت ضوء مصباح الشارع، وكأن روحه قد غادرت جسده.
ولم يستطع استعادة رباطة جأشه، حتى بعد أن مرّ صوتٌ غاضب يشكو من إيقاظ الجميع في منتصف الليل بسبب هذا الضجيج.
وبعد برهة… اجتاحت جسده قشعريرة مفاجئة.
“أشعر بالبرد!”
عندها فقط أدرك أن جسده كله كان يرتجف في برد ما قبل الفجر.
لم تخطر بباله حتى فكرة إحضار سترة.
لكنه لم يعد قادرًا على التمييز…
هل كان يرتجف من شدة البرد أم من الرعب الذي استولى عليه بعد أن وقف وجهًا لوجه أمام شبح؟
لقد تفقد المكان بعنايةٍ تامة ولم يكن هناك شيء.
وما إن بدأ عقله المتجمد يستعيد قدرته على التفكير، حتى اجتاحته موجةٌ من الإحباط.
كان واثقًا تمامًا من أنه لم يعثر على أي أثر.
فهل كان عدم انتباهه إلى أثر الأشباح على السقف خطأه هو أيضًا؟
في الحقيقة، كان يونها يعرف منذ ما قبل دخوله المدرسة الابتدائية أن حياته لم تكن “طبيعية” تمامًا.
فالأطفال الذين كان يراهم على شاشة التلفاز لم يكونوا ينامون في غرفةٍ واحدة مكتظة بعشرات الأطفال كما كان يفعل هو.
ولم يكونوا يتشاجرون بالأيدي من أجل لعبةٍ واحدة، أو كتابٍ واحد.
ولم يكونوا ينادون الأشخاص الذين يعتنون بهم بلقب “المعلّم.”
لكن حتى عندما تنقّل بين دور الرعاية، أو أمسك بيد أحد المشرفين… وحتى بعد أن التقى أخيرًا بالوالدين اللذين يعيشان معه الآن… ظلّ يونها يؤمن إيمانًا راسخًا بأن كل ما ينقصه يمكنه تعويضه بالإجتهاد. ولم يتخيل يومًا أنه سينتهي به الأمر إلى الانغماس في عالمٍ مختلف إلى هذا الحد.
صحيح أنه، عندما كان طفلًا مولعًا بروايات ذلك الساحر ذي النظارات، كان يتمنى سرًا أن يمتلك قوىً كهذه.
بل وحلم أحيانًا بأن يظهر قريبٌ لم يسبق له أن عرفه، ليأخذه معه ويخبره أن والديه تركا له خزنةً مليئة بسبائك الذهب، وأن مصيره هو الالتحاق بمدرسةٍ للسحر.
لكن ذلك لم يكن أكثر من خيالٍ عابر، من تلك الأحلام التي راودت كل طفلٍ في ذلك العمر.
أما الآن، فقد بلغ يونها سنًا يمكن القول معه إنه أصبح متأخرًا حتى عن العودة إلى الجامعة، فضلًا عن الالتحاق بمدرسة.
وباختصار… لقد وصل إلى ذلك العمر الذي، بدلًا من أن يفرح بحصوله المفاجئ على قدراتٍ خارقة، كان أول ما خطر بباله هو: “كيف سأذهب إلى العمل غدًا؟”
‘لكن… ما كل هذا بحق…؟’
وفوق ذلك، لم تكن حتى قوةً مفيدة يمكن استخدامها بسهولة، كالسحر، بل مجرد تعايشٍ قسري مع الأشباح، بدأ بين ليلةٍ وضحاها.
كان يونها يخطط للتوجه إلى المستشفى الذي نُقل إليه زملاؤه بمجرد أن تشرق الشمس.
كان عليه أن يطمئن على حالة الرئيس التنفيذي، ويعرف عدد الأشخاص الذين سيتمكنون من العودة إلى العمل.
وبما أن هونغهوا وعدته بأن كل شيء سيعود إلى طبيعته بمجرد أن يعثر على جسدها، فقد كان ينوي أخذ إجازة سنوية أو مرضية، وإنهاء ذلك الأمر أولًا.
لكن، إذا نظر إلى حالته الآن… فقد كان يبدو في وضعٍ أسوأ من أيٍّ من الموظفين الراقدين في المستشفى.
ومجرد التفكير في قضاء ما يقارب ساعةٍ في الذهاب، وساعةٍ أخرى في العودة، بعد أن يعيش مجددًا شيئًا كهذا… كان كفيلًا بأن يجعل الدنيا تدور أمام عينيه.
لا، بل إنه لم يكن يملك حتى الشجاعة الكافية ليعود إلى غرفته في هذه اللحظة.
والسؤال الحقيقي لم يعد إن كان سيذهب إلى العمل، بل إن كان سيتمكن أصلًا من مواصلة حياته اليومية بشكلٍ طبيعي.
“هاه…”
اشتاق إلى تلك السيجارة الوحيدة التي دخنها ذات مرة أثناء خدمته العسكرية.
أطلق زفيرًا عميقًا.
وتناثر بخار أنفاسه الأبيض في الهواء، فظل يحدّق إليه بوجهٍ مثقلٍ بالهموم.
كان يقف بملابس النوم، لا يحمل سوى هاتفه، يقاوم برد الفجر.
وعندها بدأ البؤس يتسلل إليه ببطء.
ومع تدفق الأفكار السوداء إلى رأسه كأمواج تسونامي… نهض يونها فجأة، وهزّ رأسه بعنف.
صفعة!
‘تمالك نفسك!’
صفع يونها خده بنفسه.
إذا بقي في الخارج، فسيتجمد حتى الموت.
نهض من وضعية القرفصاء، وبدأ يقفز في مكانه عدة مرات محاولًا أن يولد بعض الدفء.
البقاء جالسًا هكذا لن يحل شيئًا. كان عليه أن يجد مخرجًا.
أولًا… عليّ أن أجد مكانًا أقضي فيه هذه الليلة.
وغدًا… سأعود إلى تلك الشركة، أو سأجد طريقةً للتواصل مع هونغهوا… أيًّا كان.
كان يتمنى لو استطاع العودة إلى الغرفة ليأخذ معطفه الشتوي، لكنه لم يكن قادرًا على دفع نفسه لفتح ذلك الباب مرةً أخرى.
كان يشعر أن الشبح سينقضّ عليه في اللحظة التي يخطو فيها إلى الداخل.
ومجرد تذكر وجهه كان كفيلًا بأن يجعل القشعريرة تزحف على جسده من جديد.
“اغه…”
ارتجف يونها مرةً واحدة، ثم أخرج هاتفه ليبحث عن موتيلٍ قريب.
لكنه تجمّد فجأة.
“آه! صحيح… بطاقة العمل!”
ومضت بطاقة العمل في ذهنه فجأة.
لقد قالوا أنهم شركةٌ لصيد الأشباح.
إذا تواصل معهم، ألن يكونوا قادرين على التعامل مع وضعه أيضًا؟
لكن بينما أخذ يونها يفتش ملابسه باحثًا عنها، أطلق أنينًا يائسًا.
لا شيء.
لا بد أنها تُركت على مكتبه، أو داخل حقيبته، أو في جيب سترته.
‘إذًا… ماذا علي أن أفعل الآن؟’
كان اللجوء إلى والديه مستحيلًا.
أما شقيقه، الذي لم يمضِ على دخوله المرحلة المتوسطة سوى وقتٍ قصير، فكان خيارًا أبعد من أن يُفكر فيه.
ولم يكن لديه أيضًا صديقٌ مقرّب بما يكفي ليتصل به عند الفجر، طالبًا مكانًا يبيت فيه… أو حتى يفرغ أمامه ما يثقل صدره.
تنهد مرةً أخرى، مثقلًا ببؤس علاقاته الاجتماعية.
لم يكن هناك شخصٌ واحد يستطيع الاتكاء عليه.
وبينما كان يرفع رأسه، وقد قرر أن يتوجه إلى أحد حمامات الساونا العامة قبل أن يزداد اكتئابًا، اندفع وجهٌ فجأة إلى مسافةٍ قريبة جدًا من وجهه.
“آآه! ما هذ…؟!”
كان قلبه، الذي لم يتعافَ بعد من رعب الشبح قبل لحظات، على وشك أن يقفز من بين ضلوعه، وقد انتفض في مكانه، وانقبض كقبضةٍ مشدودة.
“آه، لم أقصد إخافتك. أعتذر.”
لقد ظهر بوجهه من العدم، دون أي صوتٍ يسبق ذلك، والآن يقول أنه لم يقصد إخافته؟
أمسك يونها بقلبه الذي كان يخفق بعنف، وحدّق في الشخص الواقف أمامه، بينما تصاعد الانزعاج في صدره.
معطفٌ أسود.
سروالٌ أسود.
كنزة سوداء تحته.
وحتى قفازات سوداء.
من رأسه إلى أخمص قدميه، كان الرجل مرتديًا السواد بالكامل، كأنه غرابٌ بشري.
‘هل هذا الشخص إنسانٌ أصلًا؟’
وحين اتخذ يونها وضعيةً دفاعية، رفع الرجل كلتا يديه مستسلمًا، ثم أخرج بطاقة عمل من داخل معطفه ومدّها إليه.
“تبدو مرتبكًا جدًا. أعلم أن هذا سيبدو مريبًا، لكنني لست شخصًا مريبًا.”
“شركة PS… نائب قائدة الفريق، لي سول… شركة PS؟ أنت من تلك الشركة؟”
ارتفع صوت يونها تدريجيًا وهو يقرأ البطاقة، بينما كان حاجباه معقودين بعمق.
“نعم. هذا صحيح.”
“لكن كيف استطعت… أن تكون هنا… في هذا الوقت…”
“آه، أخبرتني قائدة فريقي عنك. وطلبت مني أن أتأكد من أنك بخير. وقد تصادف أنني كنت في المنطقة.”
‘في هذا الوقت؟’
كان عبث الموقف كفيلًا بطرد الخوف من داخله تمامًا.
التجول قرب منزل شخصٍ غريب في منتصف الليل…
هل كان هذا منطقيًا أصلًا؟
هل هذا أمرٌ طبيعي عند العمل في تلك الشركة؟
‘هل هذا المكان أسوأ حتى من شركتي من ناحية الاستغلال؟’
ومع ازدياد الشك في نظرات يونها، ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتي لي سول.
تلك الابتسامة على وجهه الوسيم الشبيه بالدمية جعلته يبدو أكثر جدارةً بالثقة.
ولو وُجدت بطاقة دخولٍ خاصة للقاء أهل العروس، فهذا الوجه بالتأكيد كان سيحصل عليها.
وقبل أن يزداد شك يونها أكثر، بادر سول بالكلام أولًا.
“طبيعة عملنا غير اعتيادية قليلًا. غالبًا ما ينتهي بنا الأمر بالعمل طوال الليل. كنت في المنطقة بسبب مهمة، وفكرت في أن ألقي نظرة على الطاقة المحيطة بالمكان. رأيتك تخرج مسرعًا وأنت تبدو مضطربًا، ففزعت أنا أيضًا. بدا أنك لست على ما يرام، لذلك فكرت في العودة صباحًا. لكنّك بقيت هنا لفترة طويلة ولم تعد إلى الداخل، فلم أستطع ببساطة أن أمرّ من جانبك وأتجاهل الأمر. أعتذر لأنني أخفتك.”
“حسنًا… فهمت.”
كانت نبرته مهذبةً بشكلٍ مثالي لدرجة أن يونها لم يجد كلمةً واحدة يعترض بها.
أومأ على مضض، ثم توقف فجأة.
‘لحظة… هل سبق وأعطيتهم عنواني؟ بل قبل ذلك…’
“كيف تعرفني؟”
كيف عرف هذا الشخص شكلي بحق الجحيم؟
هل قامت تلك الشركة بتوزيع صورتي؟
هل الأمر هو: “أحضروه حيًّا أو ميتًا”؟
ولحسن الحظ، قبل أن يصل خيال يونها إلى الفضاء الخارجي، تحدث سول.
“ألا تتذكرني؟”
“عفوًا؟”
وعندما اتضح لسول أن يونها لم يكن يملك أي فكرةٍ على الإطلاق، أخرج شيئًا بسلاسة من عند خصره.
هراوةً نحيلة بطول ساعد تقريبًا.
“هاه؟ هذا…”
في تلك اللحظة، اتضح الأمر.
هراوةٌ زرقاء متوهجة قابلة للطي من ثلاث مراحل، وهو الرجل الذي كان يلوّح بها.
“أوه، أوه؟!”
ضغط سول على نقطةٍ فوق المقبض مباشرة.
طَق.
اندفع جزءان إضافيان من الطرف، ليصبحا أكثر نحولًا كلما امتدا.
كانت هي نفسها تمامًا الهراوة الزرقاء ذات المراحل الثلاث التي رآها يونها في الجبل.
“ذ-ذلك! في الجبل!”
كان هو الرجل المرتدي الأسود الذي رآه هناك.
من شدة المفاجأة، أشار يونها إليه بإصبع السبابة وهو يطلق كلماته بعفوية. لكن عندما التقت عيناه مباشرةً بابتسامة سول الهادئة، أنزل يده بسرعة.
ومع ذلك، لم تتبدد صدمته بهذه السهولة.
“كنتُ ممتنًا لكَ حينها.”
حتى مع إشارة يونها إليه بإصبعه، لم يفعل سول سوى أن ابتسم ابتسامةً هادئة قبل أن يتحدث.
رمش يونها بغباء.
“هاه؟ على ماذا؟”
“لقد ساعدتَ في إسقاط الشيطان العملاق، أليس كذلك؟”
“آه… حسنًا، على ما يبدو، لقد فعلتُ ذلك فعلًا… رغم أن القول أنني أنا من فعلته قد يكون مبالغةً قليلًا… الأمر معقد…”
خفض يونها نظره إلى الأرض، وقد باغته الامتنان المفاجئ.
سماع كلمات الشكر التي لم يكن يتوقعها جعل جسده كله يتوتر بإحراج.
لم يكن من النوع الذي لا يتأثر بمثل هذه الأمور.
وفوق ذلك، بدا سول صادقًا تمامًا.
ظلّ يونها يحدّق في الأرض، وهو يحكّ رأسه بخجل.
لكن في تلك اللحظة، تغيّرت نظرة سول إليه فجأة.
أصبحت باردةً تمامًا.
نظرةً قاسية، تشبه نظرة شخصٍ يقيّم خطرًا أمامه، أو يراقب كائنًا يراه للمرة الأولى، لكنها لم تدم سوى للحظةٍ واحدة.
وعندما رفع يونها عينيه إليه مجددًا، كان سول قد عاد بالفعل إلى مظهر الغريب اللطيف الذي كان عليه قبل قليل، وكأن شيئًا لم يحدث.
أعاد الهراوة إلى مكانها، ثم سأله بلطف.
“لكن لماذا أنت هنا في الخارج؟ ألا تشعر بالبرد؟”
أعادت تلك الكلمات يونها إلى الواقع.
هذا الشخص يعمل في تلك الشركة.
وهذا يعني أنه على الأرجح يستطيع التخلص من الأشباح.
صحيح أن يونها كان قد قضى على أحدها في الجبل، كما يبدو، لكنه لم يكن يعرف حتى كيف فعل ذلك. ولم تكن لديه أي نيةٍ على الإطلاق لتجربة الأمر ضد ذلك الشيء المقزز الموجود في غرفته.
‘نائب قائدة الفريق… هاه.’
التخلص من شبحٍ كهذا لا بد أن يكون أمرًا بسيطًا بالنسبة لشخصٍ في هذا المستوى.
فالشبح الموجود في غرفته لم يكن ضخمًا مثل ذلك الذي واجهه في الجبل، ولم يكن يطلق ذلك الهالة المرعبة في كل اتجاه.
…رغم أنه كان يبدو وكأنه يسيل لعابه فقط.
عند التفكير في الأمر… كان التوقيت مثاليًا.
لقد كان على وشك أن يصف شركة PS—هؤلاء الأشخاص الذين يعملون طوال الليل ومع ذلك جاؤوا ليشكروه—بأنها مجرد مكان عملٍ مستغل.
“هناك شبحٌ في غرفتي الآن!”
خفض صوته، رغم أنه لم يكن هناك أحد حوله يمكنه سماعه في هذا الوقت من الليل، ولم ينسَ أن يرفع عينيه نحو سول بنظرةٍ يائسة.
لكن ردّ سول… لم يكن كما توقع يونها إطلاقًا.
“نعم. أرى ذلك.”
***
سول باين يجنن وغامض!! طبيعي يشك فيه لأنه فجأة نسي كلشي كأن ما صار شي وواضح ان يونها خطير فبيرفع حذره اتجاهه!
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡
تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1
💬 المناقشة