الفصل 16
أخذ يونها يتفحص الغرفة التي ستصبح منزله الجديد في المستقبل المنظور، وهو يشعر بحيرةٍ شديدة.
أيًا كان ما يمكن تسميته — انتقالًا أم هروبًا — فقد انتهى ترتيب كل شيء بسرعة.
لم تكن لديه أمتعة كثيرة من الأساس، كما أن ضيق غرفة الغوشيوون التي كان يعيش فيها أجبره على تقليص أغراضه أكثر. لذلك انتهت فوضى الليلة السابقة بمجرد نقل بضع صناديق إلى غرفة خاوية لا تحتوي سوى على سرير ومكتب واحد.
واتضح أن السكن الذي ذكره لي سول كان شقة نظيفة بالقرب من شركة PS.
كان في الأصل سكنًا لثلاثة أشخاص، لكن أحدهم غادر، ولم يبقَ فيه سوى لي سول وعضو آخر من الفريق — شخصان يتشاركان المكان.
وبعد جولة سريعة في الشقة ذات الغرف الثلاث، والتي كانت نظيفة وواسعة، كاد يونها أن يركع أمام لي سول ويتوسل إليه أن يسمح له بقضاء بقية حياته مدفونًا داخل شركة PS.
هز رأسه بقوة، محاولًا استعادة تماسكه.
‘إنه مؤقت. ثلاثة أشهر على الأكثر. سأعود إلى طبيعتي بحلول ذلك الوقت، وبعدها سأغادر هذا المكان.’
أما ما أخبره به لي سول عن “المعلم”، فكان شعاع أمل آخر.
“لأكون دقيقًا، إنه الرئيس كانغ بيلسونغ.”
“الرئيس؟”
“نعم. سمعتُ أن الشركة بدأت عندما جمع الرئيس أشخاصًا يمتلكون قدرات تشبه قدراتنا. في ذلك الوقت، كانت صغيرة جدًا لدرجة أنه لم يكن يصح حتى أن نسميها شركة. ثم استمر الناس في التجمع، وكبرت شيئًا فشيئًا حتى أصبحت على ما هي عليه الآن. عندما تكبر وأنت ترى أشياء لا يستطيع الآخرون رؤيتها، يصبح الإندماج في المجتمع الطبيعي… صعبًا.”
تحدث لي سول بنبرة تحمل شيئًا من السخرية من الذات. وبعد صمت قصير، وكأنه يسترجع ذكريات الماضي، أشرق وجهه وأضاف:
“الرئيس كانغ يجري أبحاثًا على هذه القدرة التي تُسمى ‘التشي’ — وهي القدرة نفسها التي تمتلكها — منذ وقت طويل، ولا يزال مكرسًا لها حتى الآن. إذا ظهر لدى شخص ولو قدر ضئيل من الموهبة في استخدام التشي، أو كان قادرًا على رؤية الأرواح، فإن الرئيس لا يبخل عليه بأي دعم. على الأرجح ما كنتُ لأكون هنا اليوم لولا المعلم.”
لم يُظهر لي سول أدنى تردد في التعبير عن إعجابه بالرئيس كانغ بيلسونغ.
رأى يونها أملًا جديدًا.
ربما لم يكن العثور على جثة هونغهوا هي الطريقة الوحيد.
إذا قابل هذا الشخص، كانغ بيلسونغ، فربما يعرف طريقةً أخرى.
ومن كل ما قاله لي سول، بدا أنه شخص طيب حقًا.
مقارنةً بالبحث الأعمى عن جثة امرأة لا تعرف هونغهوا نفسها مكانها — سواء كانت في كوريا أو ربما في الخارج — بدا هذا الطريق أكثر واقعية بكثير لإستعادة حالته الطبيعية.
“بخصوص الرئيس كانغ بيلسونغ…”
“نعم؟”
“هل يعرف حقًا كيف يعيدني إلى طبيعتي؟”
“لا أستطيع أن أضمن لكَ ذلك. لكنني أستطيع أن أعدكَ بشيء واحد: إذا كان الرئيس لا يعرف، فلن يعرف أحد.”
“إذًا، هل يمكنني مقابلة الرئيس كانغ بيلسونغ؟”
سأل يونها بصوتٍ مليءٍ بالأمل.
أجابه لي سول دون تردد.
“بالطبع.”
“واو! شكرًا لك!”
لكن أضاف لي سول، وهو يراقب وجه يونها وقد أشرق بالإرتياح، بإبتسامة غامضة:
“كل موظف جديد في شركتنا ملزم بمقابلة الرئيس على انفراد.”
“مما يعني…”
“نعم. بمجرد أن تنضم، ستحصل بالتأكيد على فرصة لمقابلة المعلم كانغ.”
“ألا توجد طريقة أخرى؟ أحتاج فقط إلى أن أسأله عن شيء واحد.”
“همم… نحن أيضًا لا نعرف أين يوجد الرئيس الآن. إنه دائم السفر في أنحاء البلاد. قد تصله الأخبار عندما يعلمون بإنضمام موظف جديد، لكن… الرئيس بالكاد يطأ المكتب مرةً واحدة في السنة، إن فعل.”
أدرك يونها أنه لا يملك خيارًا آخر.
حتى لو كان لي سول يعرف مكان الرئيس كانغ في الوقت الحالي، فمن الواضح أنه لم يكن ينوي إخباره.
“حسنًا.”
ابتلع يونها ريقه وأجاب بحزم.
“سأنضم.”
“حقًا؟”
“نعم. شركة PS. أنا موافق.”
‘لمدة ثلاثة أشهر فقط.’
ابتلع بقية الجملة.
“قرار رائع! ما رأيك أن نبدأ بنقل أغراضكَ إذًا؟”
مهما كان ما يدور في ذهن يونها، كان لي سول سعيدًا للغاية، وقد أرسل رسالةً نصية إلى أحدهم بسرعة قياسية.
على الأرجح كان يتواصل مع قائدة الفريق بارك يونغشين.
بعد ذلك، تحرك كل شيء بسرعة البرق.
انتقل يونها إلى سكن الشركة قبل أن يوقّع العقد حتى.
‘لم أكذب.’
كان يشعر ببعض الذنب لأن المكان كان أفضل بكثير مما توقع.
هناك دائمًا فترة تجربة لكل شيء، أليس كذلك؟ هذا كل ما في الأمر.
‘سأقابل الرئيس كانغ، وأستعيد طبيعتي، ثم أغادر. ولن أحتاج حتى إلى تفريغ كل الصناديق.’
قبض يونها يده، والعزم يتوهج في داخله.
بعد أن استراح قليلًا على السرير، استعد للخروج.
كان لي سول قد ألح عليه بأن يأتي لتوقيع العقد فورًا، لكن طلب يونها منحه بعض الوقت، قائلًا أت هناك شيئًا يريد التحقق منه أولًا.
كان قلقًا بشأن موظفي الشركة الذين عُثر عليهم فاقدين للوعي في الجبال.
ماذا كانوا يقصدون تحديدًا بقولهم “انهيار صخري”؟ وكيف كانت حالتهم؟
لن يشعر بالإرتياح قبل أن يراهم بعينيه.
“…إذًا، لماذا تتبعني بالضبط؟”
“أنا لا أتبعك. أنا أؤدي عملي.”
“إنه يوم عمل. ألا يفترض أن تكون لديكَ أعمال؟”
“لقد أنجزتها للتو.”
كان لي سول قد عرض مرافقة يونها إلى المستشفى في طريقه للخروج، لكنه استمر في ملاحقته حتى بعد وصولهما إلى المستشفى الذي كان موظفو الشركة يتلقون العلاج فيه.
كان يونها يظن أن لي سول لديه عمل هنا أيضًا، بما أن المستشفى تابع لشركة PS. لكن عندما استمر لي سول في ملاحقته خطوة بخطوة، لم يكن أمام يونها خيار سوى السؤال.
“قلت لك، أريد فقط الإطمئنان على زملائنا. وبعدها سأتوجه مباشرةً إلى شركة PS.”
“إنها شركتي الآن أيضًا. نعم، اذهب والتقِ بهم. أما أنا فسأهتم بعملي. ومراقبتكَ هي أهم مهمة لدي الآن.”
“قلتُ أنني سأنضم، أليس كذلك؟”
حافظ لي سول على ابتسامته الخفيفة، غير مكترث إطلاقًا بإنزعاج كيم يونها.
عاد ذهنه للحظات إلى المكالمة الهاتفية التي أجراها مع قائدة الفريق بارك يونغشين قبل وقت قصير.
عندما أخبرها بأمر كيم يونها، أصدرت أوامرها بصوتٍ أكثر حيوية من المعتاد.
– ضع كل شيء آخر جانبًا في الوقت الحالي، والتصق بذلك الفتى كيم يونها كظله. إلى أن يتم توقيع العقد وإتمامه. ذلك الفتى لا يدرك مدى خطورة تجول شخص بحالته في الخارج بهذه الطريقة.
– إذا كان الأمر خطيرًا إلى هذه الدرجة، فلماذا لا نعطيه على الأقل وسيلة لحمايته قبل أن نرسله إلى الخارج؟
– عندها لن يدرك مدى خطورة الوضع، أليس كذلك؟ علينا أن ندخله إلى الشركة قبل أن تستقطبه جهة أخرى أو يحدث له مكروه. أعتمد عليك.
كانت قائدة الفريق بارك يونغشين قد دفعت كيم يونها تقريبًا إلى لي سول، بل ووعدته بالتعامل مع كل ما تستطيع من جانبها إلى أن يتمكن من إدخاله بأمان.
لكن لي سول كان يعرف بارك يونغشين منذ أكثر من عقد.
وكان يعرف قائدته أكثر من أي شخصٍ آخر.
كانت بارك يونغشين حادة الذكاء وكفؤة، لكنها لم تكن من النوع الذي يؤدي عمل موظفيه بدلًا منهم.
إذا لم يُنهِ هذه المهمة بسرعة، أو إذا حدث خطب ما لكيم يونها، فستقع المهمة كاملة على عاتقه.
‘مستشفى. من بين كل الأماكن التي يمكنه الذهاب إليها بمفرده… حسنًا، إنه مستشفى شريك للشركة، لذلك على الأقل ليس أسوأ مكان…’
أخفى لي سول انزعاجه، ورفع طرفي فمه بابتسامة أوسع.
وحين رفض لي سول الإجابة مهما كرر يونها السؤال، استسلم يونها وذهب للبحث عن الغرفة التي نُقل إليها موظفو الشركة.
“عذرًا…”
فتح الباب بحذر ودخل.
كان لي سول قد أخبره أن شركة PS عالجت بالفعل جميع الإصابات الخطيرة، وأن الجميع سيخرجون من المستشفى خلال أسبوع.
– كان دخولهم المستشفى مجرد إجراء ضروري. لا داعي للقلق.
هكذا قال لي سول، لكن لم يكن يونها ليطمئن حتى يراهم بنفسه.
كانت صورة أولئك الأشخاص وهم متناثرون بلا ترتيب بين الأشجار لا تزال عالقة في ذهنه.
وفي اللحظة التي دخل فيها يونها الغرفة، وجد سونغ جييون جالسةً في السرير، مستندةً إلى ظهره.
أما الآخرون فكانوا في مكان آخر، إذ كانت الغرفة المخصصة لستة أشخاص خالية إلا منها.
“سونغ جييون.”
اقترب يونها من السرير وتحدث إليها.
وكما أخبره موظفو شركة PS، لم تبدُ عليها أي إصابات تُذكر.
“أوه، هل أُدخلتَ أنتَ أيضًا إلى المستشفى يا يونها؟”
رحبت به سونغ جييون بملامح شاردة قليلًا.
وأوضحت أنها لم تُصب بأي أذى، وإنما أدخلوها إلى المستشفى لفترة قصيرة لإجراء بعض الفحوصات.
سألته عن حاله، لكن كان هناك شيء أجوف في ملامحها.
للوهلة الأولى، بدت بخير تمامًا، بلا إصابات، كما كانت دائمًا، فشعر بالإرتياح.
لكن كلما تحدثا أكثر، بدأ يشك فيما إذا كانت بخير فعلًا.
‘هل هي بخير حقًا؟ حالتها…’
ظلت سونغ جييون تعبث بشيء تقبض عليه في يدها.
وعندما دقق يونها النظر، وجد أن عينيها كانتا مثبتتين أيضًا على أطراف أصابعها.
كان حامل المفاتيح قد عاد إلى يدها.
لكن الزينة المصنوعة من اليشم في طرفه كانت قد تشققت، إذ امتد فيها صدع كبير، على الأرجح بسبب الفوضى التي حدثت.
“لستُ متأكدة متى انكسر.”
تمتمت سونغ جييون وهي تعقد حاجبيها، وكأنها تحاول التذكر.
“لا بد أنه اصطدم بشيء أثناء الإنهيار الصخري. رغم أنه متشقق، أشعر براحة أكبر عندما أمسك به…”
خفت صوتها تدريجيًا، وتلاشى في خضم أفكارها.
ثم ارتجفت، وعقدت حاجبيها، وعادت تلك النظرة الشاردة إلى وجهها.
“آه، ماذا قلت؟ اذهب أنتَ أيضًا لترتاح يا يونها.”
تحدثت بنبرة متكلفة.
وبعد أن اطمأن يونها على بقية موظفي شركة PS الموجودين في الغرفة، تأكد من أن كل ما أخبروه به في الشركة صحيح.
‘لم يتذكروا شيئًا فعلًا.’
لم يكن الأمر أنه لم يصدق موظفي شركة PS، لكن رؤية هؤلاء الأشخاص الذين مروا بكل ذلك وهم يتصرفون وكأن شيئًا لم يحدث هي اللحظة التي أدرك فيها يونها حقيقة الأمر.
ظل يونها واقفًا في ممر المستشفى لفترة طويلة، وقد استحوذ عليه شعور لم يستطع تحديد ماهيته — خوف، أو ربما افتتان، أو شيء آخر تمامًا.
‘لم يكن لدى أي موظف في الشركة أي ذكرى حقيقية عما حدث في الجبال.’
كانوا جميعًا يبدون مشوشين قليلًا، وكأن جزءًا من عقولهم مفقود.
ومع ذلك، تقبلوا دون أي تساؤل القصة التي اختلقتها شركة PS لتفسير فقدان ذكرياتهم.
وكان يونها هو الوحيد الذي يشعر بالحيرة.
“هل سيكونون بخير حقًا؟”
“هذا فقط لأن وقتًا قصيرًا لم يمضِ بعد. امنحهم بضعة أيام وسيعودون إلى طبيعتهم تمامًا.”
“كيف يكون هذا ممكنًا أصلًا؟”
أجاب لي سول بنبرةٍ هادئة.
“ستتعلم كل شيء عن هذا أثناء التدريب. لا تقلق. هذا يحدث طوال الوقت في هذا المجال.”
هل سينتهي به الأمر هو الآخر فاقدًا لحساسيته تجاه هذه الأمور بمجرد انضمامه إلى شركة PS؟
أي نوع من الأماكن كان يمحو ذكريات الناس بهذه البساطة وكأن الأمر لا يعني شيئًا؟
اجتاحه برد مفاجئ، ففرك ذراعه.
“حسنًا إذًا، هل نذهب؟”
انتبه يونها، الذي ظل متجمدًا في مكانه من شدة الحيرة، عند سماع كلمات لي سول.
‘كيف أتخلص من هذا الرجل؟’
كان يونها قد أراد زيارة المستشفى جزئيًا للإطمئنان على زملائه، لكن كان هدفه الحقيقي هو البحث عن الرئيس التنفيذي تشوي.
‘أحتاج إلى التحدث معه بشأن أخذ إجازة.’
لم تكن لديه أي نية للبقاء في شركة PS على المدى الطويل.
لكن بدا لي سول مستعدًا للإستماع إلى كل كلمة سيتبادلها يونها مع الرئيس التنفيذي.
وبما أن يونها لم يتوقع أن تتم ملاحقته إلى هذا الحد، لم تكن لديه أي خطة — ما يعني أنه اضطر إلى الإرتجال، وبسرعة.
“آه… لم أقابل الرئيس التنفيذي بعد. أحتاج إلى التحدث معه بشأن الإستقالة… سأذهب للبحث عنه!”
“سآتي معك.”
“لا، لا. أقدّر أنكَ أتيت معي إلى هنا، لكن — آه، صحيح! عادةً ما يخرج في هذا الوقت ليدخن قليلًا… سأكون سريعًا! السطح… على الأرجح سيكون على السطح…”
وقبل أن يتمكن لي سول حتى من فتح فمه، اندفع يونها نحو مخرج الطوارئ دون أن ينظر إلى الخلف.
ولحسن حظه، لم تتبعه أي خطوات.
“هذا المبنى بأكمله ممنوع فيه التدخين…”
ومن دون أن يدرك أن كذبته المكشوفة قد انكشفت تمامًا، صعد يونها الدرج قفزًا، درجتين في كل خطوة، وهو مذعور من احتمال أن يلحق به لي سول.
***
شكلنا بلشنا لعبة القط والفأر 😭
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡
تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1
💬 المناقشة