الفصل 4
كان الموظفون معلقين من أغصان شجرة البلوط الضخمة في وسط الفسحة، كملابسٍ تُركت معلقةً لتجف.
تسلل الدم عبر اللحاء، وانساب على طول الجذع، قبل أن يتجمع تلقائيًا عند الحجر الأسود المغروس في الخشب.
أما الحجر… فلم يعد ساكنًا…
كان ينبض بلا انقطاع.
وكأنه يلتهم الدم بنهم وتنبض حركته بقوة ما يبتلعه.
حوّل ذلك المنظر المكان إلى مذبحٍ للقرابين.
انقلبت معدة يونها، وصعد الغثيان حتى حلقه.
“أرجوك… اتركنا نعيش! أرجوك!”
انهار الرئيس التنفيذي تشوي على ركبتيه، يتوسل بجنون.
أما الرجل العجوز… فلم يفعل سوى لَويِ زاوية فمه في ابتسامةٍ ساخرة.
وما إن وقعت عينا يونها على تلك الإبتسامة، حتى اجتاحت القشعريرة جسده بأكمله.
كان هناك شيءٌ خاطئٌ للغاية.
“أُبقيكم أحياء؟”
اتسعت ابتسامة الرجل العجوز.
“حسنًا… سأمنحكم فرصة.”
توقف لحظة.
“واحدٌ فقط منكم سيعيش.”
ثم قال بهدوءٍ مرعب:
“اختاروا ذلك الشخص بالطريقة التي ترونها مناسبة.”
تجمد يونها وسونغ جييون في مكانيهما من هول الصدمة.
وفي تلك اللحظة…
انتزع الرئيس التنفيذي تشوي التعليقة من قبضة سونغ جييون المرتخية، ثم قذفها نحو الرجل العجوز.
“لا! إذا فعلت ذلك—!”
‘بالطبع سيتفاداها!’
اندفع يونها بكل ما أوتي من قوة، محاولًا اللحاق بالتعليقة وهي تشق الهواء.
لكن كان الأوان قد فات بالفعل.
كانت تلك التعليقة – وربما آخر خيطٍ يتعلقون به للحياة – قد ابتعدت بالفعل عن متناول يده.
وكما توقع يونها…
أدار الرجل العجوز جسده قليلًا، وتفاداها بسهولةٍ مخيفة.
‘هذا الوغد المجنون…’
لم يأتِ أي خيرٌ أو منفعة من هذا الرئيس التنفيذي تشوي البغيض.
‘قطعة من القمامة عديمة المنفعة!’
لكن شيئًا واحدًا أصبح مؤكدًا.
مهما كانت هوية هذا الرجل العجوز، من الواضح أنه لم يكن يستسيغ تعليقة جييون.
لقد قالت إنها اشترتها من شامان. ربما كانت تميمة بالفعل.
“سحقًا!”
ارتجف يونها، ظانًا أن الشتيمة أفلتت من بين شفتيه.
لكن الصوت لم يكن صوته، بل صوت الرئيس التنفيذي تشوي.
يبدو أنه لم يتوقع أن تفشل محاولته، فإنفجر بسيلٍ من الشتائم بعدما أخطأت رميته هدفها.
يا للمفارقة.
لكن لم يكن لدى يونها وقتٌ ليفكر في ذلك. ففي اللحظة التالية…
دفعه الرئيس التنفيذي تشوي بكل قوته من ظهره، مباشرةً نحو الرجل العجوز.
“آه!”
اختل توازن يونها، وتعثر إلى الأمام، ثم ارتطم بالأرض.
استغل الرئيس التنفيذي تشوي اللحظة التي انصرفت فيها جميع الأنظار نحو يونها واستدار هاربًا.
انطلق يركض بجنون، وهو يصرخ بأعلى صوته:
“أنا! أنا من يجب أن يعيش! أنا الخيار الواضح… أليس كذلك؟!”
لكن هروبه لم يدم طويلًا.
أطلق الرجل العجوز ضحكةً خافتة ساخرة، ثم اتسعت عيناه.
“صحيح…”
توقف للحظة.
“أنت التالي.”
وفي طرفة عين… اختفى الفاصل بينهما.
انتزع الرجل العجوز الرئيس التنفيذي تشوي، وجرّه بعنف عائدًا إلى الفسحة.
راح تشوي يركل الأرض ويتخبط بجسده بينما كان يُسحب من مؤخرة عنقه، ولسانه لم يتوقف عن الثرثرة المرتعبة.
“هذا ليس ما قلته! لقد قلت إنك ستُبقي شخصًا واحدًا على قيد الحياة!”
“قلتُ: اختاروا واحدًا كما تشاؤون.”
ارتسمت ابتسامةٌ باردة على وجه الرجل العجوز.
“لكنني… لم أقل يومًا إنني سأفي بوعدي.”
“آآآه!”
صرخ الرئيس التنفيذي تشوي، يتخبط بكل ما أوتي من قوة محاولًا الإفلات.
تمتم الرجل العجوز بضيق، وكأن صراخه بدأ يزعجه.
“آه… أذناي.”
وفي اللحظة التالية…
انطلقت قبضته.
كانت سريعةً إلى درجة أن العين بالكاد التقطت حركتها.
استقرت عظام قبضته مباشرةً على أنف تشوي.
بضربةٍ واحدة… ثم ارتخى جسده… وانطبق فمه.
“هكذا أفضل.”
قالها الرجل العجوز بنبرةٍ راضية.
“هادئ… ولطيف.”
ثم استأنف جرّ الرئيس التنفيذي تشوي، وكأن شيئًا لم يحدث.
أما سونغ جييون… فكانت قد انهارت تمامًا وأخذت بالبكاء.
“ماذا سنفعل…؟ نحن هالكون. لقد انتهى أمرنا حقًا… لم أتزوج بعد. ولم أشترِ منزلًا حتى…”
انهارت سونغ جييون وهي تتمتم بين شهقاتها.
“صه، صه. اهدئي يا جييون.”
همس يونها محاولًا تهدئتها.
لكن لم تفارق عيناه الرجل العجوز، الذي كان يبتعد أمامهما وهو يجر الرئيس التنفيذي تشوي.
انتظر حتى ابتعد بما يكفي، حتى بدا أن صوته لن يصل إليهما.
عندها فقط…
أفلت يد جييون، وتحدث بصوتٍ خافت.
“هذه…”
رفع تعليقة المفاتيح أمام عينيها المذهولتين.
“هل يمكنني أن أستعيرها لبعض الوقت؟”
“هاه؟”
في تلك اللحظة…
كان يونها قد وجد أخيرًا استخدامًا واحدًا للرئيس التنفيذي تشوي.
طُعمًا.
بينما كان انتباه الرجل العجوز منصبًا بالكامل على الرئيس التنفيذي تشوي، تمكن يونها من تحديد مكان تعليقة المفاتيح الملقاة على الأرض.
“الأمر شديد الخطورة.”
قالها بصوتٍ منخفض.
“لا نعرف ما الذي سيحدث. وإذا أخطأنا… فقد نموت جميعًا.”
“لكننا سنموت على أي حال إن بقينا هنا.”
لم يتزحزح تصميم يونها.
شخصٌ واحد فقط سينجو؟ وكأنه سيصدق ذلك.
فبعد كل ما فعله الرجل العجوز حتى الآن، كان الإحتمال الأقرب للحقيقة أنه سيستمتع بالعبث بهم حتى يلقى الجميع المصير نفسه.
إذا أراد الخروج من هذا المكان حيًا، فلا بد أن يُلحق بالرجل العجوز ضررًا، مهما كان.
وهذه كانت المرة الثانية التي يتراجع فيها الرجل العجوز أمام تعليقة المفاتيح.
‘هذه المحاولة تستحق المجازفة.’
كان يونها واثقًا من أنه بمجرد أن ينتهي الرجل العجوز من الرئيس التنفيذي تشوي، سيأتي دوره.
ولهذا كان عليه أن يفعل شيئًا قبل أن يحدث.
كان هناك أخٌ أصغر ينتظره في المنزل.
طفلٌ لا يملك في هذا العالم من يعتمد عليه سواه.
ومن أجل ذلك الفتى، الذي لم يتجاوز المرحلة الإعدادية بعد… لم يكن بوسع يونها أن يموت هنا.
ليس بهذه الطريقة. وليس من أجل لا شيء.
“لا وقت للشرح.”
قالها بصوتٍ خافت.
“سأجرب أي شيء… أيّ شيء.”
ثم نظر إلى سونغ جييون.
“جييون… ابقي هنا. وإذا سارت الأمور بشكلٍ خاطئ…”
توقف لوهلة.
“فأركضي.”
“انتظر… لحظة-“
“فهمتِ؟ أنا ذاهب.”
وانطلق يونها نحو شجرة البلوط.
خفف وقع خطواته إلى أقصى ما يستطيع، واقترب من الرجل العجوز من الخلف. فالخفة… لم تكن يومًا من نقاط قوته.
الاندفاع إليه وجهًا لوجه، لم يكن يعني سوى الهزيمة.
لم يبقَ سوى خيارٍ واحد يستحق المجازفة.
لسببٍ ما، لم يكن الرجل العجوز يكتفي بقتل ضحاياه، بل كان يصرّ على تعليق كل واحدٍ منهم على أغصان الشجرة. ولن يكون الرئيس التنفيذي تشوي استثناءً.
وهنا كانت الثغرة الوحيدة.
فبينما ينشغل بالرئيس التنفيذي تشوي، وتنشغل إحدى يديه—أو كلتاهما—به، ويستدير ظهره بالكامل… سيكون ذلك هو الوقت المناسب.
في تلك اللحظة، بدا أن الرجل العجوز قد ملّ جرّ جسد تشوي المترهل، فألقاه على كتفه كما لو كان كيسًا. وعندما وصل إلى الشجرة… انحنى ليضعه على الأرض.
‘الآن!’
كان ظهر الرجل العجوز مكشوفًا بالكامل.
عرف يونها أنها فرصته الوحيدة.
كان قلبه يخفق بعنف، وركبتاه ترتجفان بلا توقف. لكن إن ضاعت هذه اللحظة… فلن تأتي أخرى.
تصبب العرق في راحتيه وأحكم قبضته على تعليقة المفاتيح، ثم انزلق بصمتٍ خلف الرجل العجوز.
قبض على مؤخرة قميصه، وجذبه إلى الخلف.
وفي اللحظة نفسها… غرس تعليقة المفاتيح عميقًا في جلد عنقه.
بهذه الطريقة، لن يتمكن من نزعها فورًا، وسيظل جسده ملامسًا لها.
“ارغه…! أيها الوغد الصغير—!”
لقد نجحت.
ألقى الرجل العجوز الرئيس التنفيذي تشوي على الأرض وبدأ يقفز في مكانه بعنف، يتخبط بجسده وكأن يونها قد دفع جمرةً حمراء مشتعلة تحت قميصه.
“غررراه!”
انفجر الرجل العجوز بسيلٍ من الشتائم البشعة، ثم اندفع نحو يونها. لكن كان يونها قد تراجع إلى الخلف في اللحظة التي غرس فيها حلقة المفاتيح، ولم يستطع الرجل العجوز الإمساك به فورًا. وكلما حاول الإقتراب منه، كانت الحلقة تنغرس أكثر في الداخل.
ضرب الرجل العجوز الأرض بعنف وصاح، محاولًا انتزاعها، لكن كل مقاومة منه جعلتها تتعمق أكثر بين ثنايا ملابسه. ثم، بينما بدأ يحاول تمزيق ملابسه للتخلص منها…
لقد توقف.
وكأن دميةً قُطعت خيوطها فجأة، توقفت كل حركة.
“هل… هل انتهى الأمر؟”
كان يونها يراقب نوبة الرجل العجوز وهو يحبس أنفاسه، ثم ضم يديه معًا دون أن يشعر، وكأنه يتشبث بآخر أملٍ متبقٍ لديه.
أرجوك… أرجوك… مهما كان هذا الشيء… فليعمل…
وبدا أن أمنيته قد استُجيبت.
ظل الرجل العجوز واقفًا في مكانه للحظات، ثم سعل عدة مرات، وبعدها انهار بثقلٍ على الأرض، كما لو أن كل ذرة قوةٍ كانت في جسده قد استُنزفت دفعةً واحدة.
“نحن… أحياء!”
التقط يونها أنفاسه المتقطعة، محاولًا تهدئة قلبه الذي كان يخفق بعنف. انكسر التوتر الذي كان يشد جسده، وسقط على الأرض، عاجزًا عن البقاء واقفًا أكثر.
لكن الإرتياح لم يستمر سوى للحظة واحدة.
كان هناك شيءٌ ما قد لفت انتباه يونها.
شيءٌ كان ينسحب من جسد الرجل العجوز الساقط.
‘ماذا…؟’
ضيّق يونها عينيه، محاولًا أن يركز على ذلك الشيء الغريب.
‘دخان؟’
في البداية، بدا كأنه مجرد دخانٍ أسود يتلوى في الهواء، لكن شيئًا فشيئًا بدأ ذلك السواد يتجمع… ويتشكل.
وبمجرد أن اتخذ ذلك الشكل هيئته الكاملة، شعر يونها بجسده كله يبدأ بالارتجاف.
“م-ما هذا بحق؟!”
وحش.
لم يجد يونها كلمةً أخرى يمكن أن تصفه.
كان له رأس، وجذع، وذراعان، وساقان…
هيئة بشرية.
لكن…
كان هناك نصف واحد فقط منه.
كان الأمر كما لو أن شخصًا ما أخذ جسدًا بشريًا وقطعه بدقةٍ تامة من المنتصف، من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين.
لم يتبقَّ سوى النصف الأيمن.
النصف الأيمن من الرأس، والنصف الأيمن من الجذع، وذراعٌ يمنى واحدة، وساقٌ يمنى واحدة تتدلى من ذلك الجسد المقطوع.
كان المخلوق هائل الحجم، يتجاوز طوله المترين بسهولة.
رفع رأسه المنحني ببطءٍ شديد، ثم ثبت عينه اليمنى الوحيدة على يونها.
كانت نظرةً مليئةً بالعداء والقتل.
وحش…
‘وحشٌ… خرج من داخل إنسان…’
نعم، كان لديه أطراف، لكن لم يستطع يونها أن يرى فيه إنسانًا…
ولا حتى شيئًا كان إنسانًا في يومٍ من الأيام.
كانت طاقة سوداء تتموج حول جسده، تنتشر في كل اتجاه كدخانٍ حي. أما عينه الوحيدة، فكانت تشتعل بلونٍ قرمزي قاتم، تحمل بداخلها حقدًا واضحًا لا يحتاج إلى تفسير.
كانت القشعريرة التي اجتاحت يونها أسوأ بكثير من تلك التي شعر بها عندما واجه الرجل العجوز لأول مرة.
لا…
هذا لم يكن مجرد خوف… كان رعبًا حقيقيًا يتسلل إلى أعماقه، كأنه يجمد نخاع عظامه.
وجد يونها نفسه يتراجع إلى الخلف دون أن يدرك ذلك. اصطدمت يده بحجرٍ حاد متناثر على الأرض، فجرح جلده، لكن الألم لم يصل إليه.
لم يشعر به حتى.
لم يكن يعرف إن كان يتنفس أصلًا.
“كيف…؟ هذا الجسد الذي بذلت جهدًا كبيرًا للحصول عليه!”
توقف الوحش لحظة، ثم انخفض صوته.
“وأنت…”
عندما فتح ذلك المخلوق نصف فمه وتكلم، شعر يونها بأن وعيه كاد ينهار في مكانه.
‘إنه… يتكلم؟’
لم يكن الصوت يشبه صوتًا يخرج من أحبالٍ صوتية، بل كان أشبه بصدى غريب يتردد من داخل ذلك الجذع المقطوع.
زمجر الوحش، وعينه الوحيدة لا تزال مثبتة على يونها.
“لا يهم. كان هذا الجسد مؤقتًا على أي حال. سأحصل على جسدي المثالي قريبًا بما يكفي.”
توقفت عينه الوحيدة على يونها.
“والآن… تعال.”
بالكاد تمكن يونها من استعادة وعيه، وحاول أن يهرب، لكن الوحش لم يمنحه حتى فرصةً واحدة. في قفزةٍ واحدة فقط، اختفت المسافة بينهما، ثم أمسك به.
كان مشهد ذلك الجسد الهائل، نصف الجسد فقط، وهو يندفع نحوه على ساقٍ واحدة… شيئًا يتجاوز حدود القبح والرعب.
“آه—آآآه!!”
تخبط يونها وحاول الإفلات، لكن قوة الوحش كانت ساحقة.
أقوى بكثير من قوة الرجل العجوز.
كان الوحش يمسكه بيدٍ واحدة فقط، كما لو أنه لم يكن أكثر من سمكةٍ عالقة في شبكة، ثم قفز مرةً أخرى وقذفه باتجاه الشجرة.
دار رأس يونها بعنف.
اهتزت رؤيته، وتشوش كل شيء للحظة، قبل أن يلتفت بوجهٍ متجهم إلى السائل الرطب الذي لامسته يده.
كانت الأرض تحت الشجرة… مشبعةً به.
“ماذا–”
ثم أدرك يونها الحقيقة.
التربة المبللة…
السائل الذي كان يتشرب ببطء داخل الأرض…
كان دمًا.
كانت الأرض تحت الشجرة غارقة فيه بالكامل. الدم الذي انساب من الجذع وتجمع من الأجساد المعلقة فوقه كان قد استقر في الأسفل، مشبعًا التراب حتى أصبح المكان أشبه بشيءٍ لا ينبغي أن يوجد.
أبقى يونها رأسه منخفضًا، يقاوم بكل ما لديه الرغبة في النظر إلى الأشخاص المعلقين من الأغصان. كان يعرف أنه إذا رأى وجوههم المشوهة عن قرب، فلن يتمكن من منع نفسه من الصراخ.
وسينتهي به الأمر مثلهم تمامًا.
كان عليه الهرب، ولم يكن هناك خيار آخر.
على الأقل… كان بحاجة إلى استعادة تلك التميمة.
أخذ يونها نفسًا حادًا، ثم دفع نفسه واقفًا، مستعدًا للإنطلاق في أي لحظة.
لكنه لم يستطع حتى أن يخطو خطوةً واحدة.
سخر الوحش من محاولته وكأنها لم تكن أكثر من محاولةٍ تافهة، ثم رفع ذراع يونها كما لو كانت مجرد لعبة.
لا… بل كان الوصف الأدق أنه طعنها.
كان مخلب الوحش قد اخترق لحمه بالكامل، مغروسًا في ذراعه كخطاف صيد.
‘ذراعي… ذراعي…’
“آآآآه!”
انفجر صراخ يونها من شدة الألم.
لم يكن مجرد ألمٍ عادي.
كان إحساسًا حارقًا ووحشيًا، ألمًا خامًا لم يختبره في حياته من قبل، حتى شعر أن وعيه نفسه بدأ يتلاشى تحت وطأته.
وبدأ الدم يتدفق من ذراعه، تمامًا كما حدث مع الآخرين.
لكن لم يُظهر الوحش أي اهتمام بصراخه، ولا حتى بذرة شفقة. نظر إليه ببرود فقط، وكأنه يتعامل مع شيءٍ لا قيمة له.
“أنت تحتاج إلى المساهمة أيضًا.”
اهتز صوته القادم من ذلك الجسد المشوه.
“ما زال غير كافٍ.”
ثم ثبت عينه القرمزية على جسده، وكأنه يتفحص شيئًا ناقصًا.
“انظر إلى هذا الجسد… نصفه فقط هنا.”
ابتسم ابتسامةً جعلت الرعب يزحف في أعماق يونها.
“كن فتىً جيد… واملأ الباقي.”
في كل مرة كان الوحش يتحدث فيها، كانت قبضته على ذراع يونها المثقوبة تزداد إحكامًا.
شعر يونها أن وعيه بدأ ينزلق بعيدًا.
لم يبقَ الألم الذي بدأ من ذراعه هناك، فقد انتشر شيئًا فشيئًا، كالنار التي تلتهم كل شيء في طريقها، حتى غمر جسده بالكامل.
أصبح الألم أكبر من أن يُحتمل، أكبر من أن يستوعبه عقله.
لم يعد قادرًا حتى على الصراخ، إذ لم تخرج من حلقه سوى أنينٍ منخفضٍ ومختنق.
“والآن… لنرَ ما سيحدث هذه المرة.”
مع كلماته الأخيرة، سحب الوحش مخلبه من ذراع يونها بعنف، واندفع الدم في الهواء. ثم دفعه مباشرةً نحو الحجر الأسود المغروس في جذع الشجرة.
“هل هذا كافٍ؟ هل هو كافٍ؟”
تكلم الوحش بصوتٍ مليء بالترقب المحموم. كانت عينه الواحدة مثبتة على الحجر.
يده الواحدة كانت تقبض على جذع الشجرة بإحكام. كان ينتظر شيئًا، بالكاد يستطيع احتواء نفسه.
حول يونها، الذي بالكاد تمسك بوعيه، نظره إلى الحجر أيضًا. الحجر الأسود الذي ابتلع دماء كل هؤلاء الناس كان الآن يلتهم دم يونها بشراهة.
دوم-دوم. دوم-دوم. دوم-دوم.
تسارع نبضه. ثم، انكشف مشهد لا يصدق.
العروق الحمراء داخل الحجر الأسود اتسعت أكثر وأكثر حتى غطت السطح بأكمله. مثل عين مغلقة تفتح ببطء.
***
انطبخنا… حرفيًا انطبخنا 😭
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡
تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1
💬 المناقشة