الفصل 7

إذا كانت مزاعمها بأنها عاشت هنا زمنًا طويلًا مجرد كذبة، فقد كانت كذبة متقنة إلى حدٍ مخيف. فالمرأة ذات الكارديجان الوردي كانت تتحرك بين الضباب وكأنها تحفظ هذه الأرض عن ظهر قلب، لا تتردد في خطوة، ولا تتوقف لحظة لتتفحص الطريق، وكأن المكان نفسه كان يفسح لها المجال لتسير.
لم يستطع يونها أن يفهم كيف تمكنت من التنقل في هذا الامتداد المفتوح دون الحاجة إلى أي لافتة.
ظل يتبعها عبر منعطفٍ بعد آخر، حتى بدأت الأشجار تتزاحم من حولهما، وظهرت بين جذوعها برك ماءٍ راكدة تعكس الضباب بلونٍ باهت، وكأنها أعين تحدق بهما من تحت السطح.
كان من المفترض أن يعني وجود الماء والأشجار شيئًا من الحياة؛ زقزقة طائر، حفيف حشرة، أو حتى حركة حيوانٍ مختبئ بين الأعشاب. لكن كان المكان غارقًا في صمتٍ خانق، صمتٍ لا يشبه هدوء الطبيعة، بل هدوء المقابر. لا زقزقة، ولا طنين، ولا حتى وقع خطواتهما. عبس يونها وداس الأرض بقدمه عدة مرات، محاولًا أن يلتقط أي صوت… لكن لم يصل إلى أذنيه شيء. كان الصمت يلتف حوله ببطء، يتسلل تحت جلده، حتى شعر أنه لم يعد قادرًا على احتماله.
“أين نحن بالضبط؟”
“لقد أخبرتكَ من قبل. اعتبره العالم الآخر.”
“إذًا أنا ميت؟ لكنني بخير تمامًا!”
توقفت المرأة عن السير واستدارت نحوه. حدقت فيه لبرهة بنظرة يصعب تفسيرها، ثم هزت رأسها ببطء.
“…لا. أنتَ لا تزال حيًا.”
خرجت الكلمات من فمها بطريقةٍ غريبة، وكأنها تجيب عن سؤالٍ لا ترغب أصلًا في سماعه. كانت نبرتها باردة على نحوٍ أربك يونها أكثر من الإجابة نفسها.
لا زلتُ على قيد الحياة…
كان يفترض أن يكون ذلك خبرًا مطمئنًا، أليس كذلك؟
رمش يونها بحيرة، وما إن حاول ترتيب أفكاره حتى سبقتْه هي بالكلام.
“بصراحة… أنت أول إنسانٍ حي أراه هنا، غيري.”
تجمد في مكانه.
“ماذا؟ إذًا… ماذا كان ذلك الشخص الذي التهمه الوحش قبل قليل…؟”
“من؟”
“أنتِ تعلمين. ذلك الوحش قبل قليل…”
بينما كان يونها يشرح، بصعوبة، عن الشخص الذي ابتلعه الوحش، أطلقت المرأة تنهيدة طويلة بدت وكأنها تحمل قدرًا من الضيق أكثر من الدهشة.
“لا أعرف على وجه اليقين، لكن… على الأرجح كانت روحًا مسكينة تاهت ووصلت إلى هنا بالصدفة. كان من المفترض أن تُرسل إلى المكان الذي تنتمي إليه، لكن… تحدث مثل هذه الأمور. هذا ليس العالم الآخر الحقيقي، كان من المفترض أن يكون لهم مكانٌ آخر يذهبون إليه.”
“…إلى أين؟”
هزت كتفيها بلا مبالاة.
“وكيف لي أن أعرف؟ أنا لم أذهب إلى هناك أصلًا، فكيف سأعرف؟”
ثم تبدلت ملامحها فجأة، واختفت تلك اللامبالاة من وجهها.
“اخفض صوتك. إلا إذا كنت تريد أن تخبر كل ما يتجول في هذا المكان أن هناك فريسةً جديدة هنا. لا… بل يبدو أن أحدهم قد سمعنا بالفعل.”
وضعت المرأة يدها بسرعة على فم يونها، وأشارت إليه أن ينخفض. ثم انزلقت بصمت خلف أقرب شجرة، وكأنها اعتادت الاختباء من أشياء لا ينبغي لأحد أن يراها.
في اللحظة نفسها، تبدل الجو من حولهما. توتر الهواء فجأة، حتى بدا وكأنه سلكٌ مشدود على وشك أن ينقطع.
التقط يونها ذلك التغير الغريب دون أن يفهم سببه، فانحنى خلف شجرته هو الآخر، بينما ظلت المرأة تحدق إلى الأمام بعينين حادتين لا ترمشان.
تبع يونها اتجاه نظرها بحذر، وما إن وقعت عيناه على ما في البعيد حتى خرج من بين شفتيه زفير مرتجف دون إرادة.
“يا إلهي… ما هذا…”
“صه!”
خرج تحذيرها هامسًا، حادًا كحدة السكين.
تجمد يونها في مكانه، وشعر بالبرودة تزحف ببطء داخل عروقه.
على بعد أقل من عشرين مترًا، كان شيءٌ يتحرك بين الأشجار.
‘ما… ما هذا…؟’
وحش آخر.
كان طوله يقارب نصف ارتفاع الأشجار المحيطة. وللوهلة الأولى، بدا أقرب إلى هيئة الإنسان من ذلك الكيان الهائل الذي واجهه سابقًا؛ رأس، وذراعان، وساقان… لكن لم يدم هذا الإنطباع لأكثر من لحظة.
فما إن دقق النظر حتى انكشف له منظرٌ أشد إثارةً للرعب.
كان جذعه وأطرافه نحيلة على نحوٍ يستحيل أن يعيش معه كائن، بينما تضخمت جمجمته إلى حجمٍ مشوه، حتى بدا وكأن عنقه الرفيع سينكسر تحت ثقلها في أي لحظة. لم يكن فيه شيء واحد يمكن أن يوحي بأنه كان إنسانًا يومًا ما.
ظل المخلوق يدير رأسه ببطء، ثم بسرعة، كأن شيئًا ما كان يشم رائحةً لا تُرى. عيناه، الصغيرتان بحجم حبتي فول تقريبًا، كانتا تتحركان بعصبية في جميع الاتجاهات، تمسحان الأشجار والضباب بلا توقف… تبحثان عن مصدر ذلك الصوت.
حبس يونها أنفاسه حتى شعر أن صدره على وشك الإنفجار. لم يجرؤ حتى على الرمش، وعيناه بقيتا معلقتين بذلك المخلوق وهو يواصل البحث بين الأشجار.
لحسن الحظ، وقبل أن ينسى كيف يتنفس، انزلق الكائن أخيرًا نحو الإتجاه المعاكس، وتوارى تدريجيًا بين الضباب والجذوع حتى ابتلعه الظلام.
“حسنًا، لنذهب.”
ما إن اختفى عن الأنظار حتى استدارت المرأة واستأنفت السير، وكأن شيئًا لم يحدث. لم يظهر على وجهها أدنى توتر، وكانت خطواتها هادئة وواثقة، بنفس السهولة التي تخلصت بها من ذلك الوحش الضخم قبل قليل.
تبعها يونها في صمتٍ مذهول، وقد أقسم في قرارة نفسه ألا يسمح حتى لهمسة واحدة بالإفلات من بين شفتيه.
واصلت التقدم دون أن تتوقف، تقوده أعمق فأعمق داخل الغابة، حتى بدأت الأشجار تزداد كثافة والضباب يبتلع كل ما خلفهما. وبعد مسافة، ظهر كهفٌ عند زاوية نائية من الغابة، جاثمًا بين الصخور كفمٍ مظلم مفتوح ينتظر من يقترب منه.
“ها هو. لقد وصلنا. مسكني المتواضع… والمكان الوحيد الآمن في هذه البقعة البغيضة بأكملها.”
بسطت ذراعيها على اتساعهما بحركةٍ استعراضية، وكأنها ترحب به في منزلٍ عادي لا في كهفٍ غارق وسط هذا العالم المريب.
“هيا، ادخل.”
خطا يونها خلفها، لكنه توقف قبل أن يعبر المدخل.
كان شيءٌ معلقًا عبر فتحة الكهف.
حاجزٌ طويل من القش المجدول ولحاء الأشجار، نُسجت أليافه معًا في شبكةٍ خشنة امتدت من جانب المدخل إلى الآخر، وكأنها تفصل ما في الداخل عما يتربص في الخارج. بدا المنظر أشبه بلافتة صامتة تقول: “ممنوع الدخول”.
ظل مترددًا للحظة، حتى وقعت عيناه على أوراقٍ كبيرة ثُبتت على امتداد الحاجز على مسافاتٍ متساوية. كانت كل ورقة تحمل رموزًا كُتبت بحبرٍ أسود قاتم… حروف هانجا لم يرَ مثلها من قبل.
‘ماذا تقول هذه الحروف؟’
ضيق يونها عينيه محاولًا تمييز الحروف. وحتى لو استطاع فهم طريقة رسمها، لما تمكن من قراءتها أصلًا؛ فكل ما يعرفه من الهانجا لا يتجاوز الأرقام.
“林”
كانت المرأة قد دخلت الكهف بالفعل، لكنها ما إن لاحظته واقفًا يحدق في الأوراق حتى عادت أدراجها.
“إنه حاجز. يمكنكَ اعتباره… حاجزًا مؤقتًا. لا أستطيع الحصول على أوراق التعويذات الحقيقية في هذا المكان.”
“حاجز…؟”
“هذا صحيح.”
هزت رأسها ببساطة، ثم أشارت إلى الضباب الممتد خلفهما.
“ليس لديك أدنى فكرة عن عدد الأشياء التي تتجول هناك. ذلك المخلوق الذي رأيناه قبل قليل؟ لم يكن سوى قطرة في بحر.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم ربتت على الأوراق المعلقة على الحاجز.
“على أية حال… لدي حتى تعويذاتي المصنوعة يدويًا هنا، لذا لا شيء سيعبر. لا شيء على الإطلاق.”
ابتسمت المرأة، وقد بدا عليها الرضا بنفسها دون أن تحاول إخفاءه. ولسببٍ لم يستطع تفسيره، شعر يونها أخيرًا بثقل الواقع يهبط فوق كتفيه دفعةً واحدة. لم يعد الأمر مجرد سلسلة من الكوابيس المتلاحقة… لقد كان في عالمٍ مختلف تمامًا، عالمٍ لا يشبه أي شيء عرفه في حياته.

‘هناك المزيد من تلك الوحوش في الخارج…؟ وهل أستطيع حقًا العودة؟’

راوده الشك مجددًا. هل يستطيع هذا الحاجز الهش لذي بدا وكأن نسمة ريحٍ واحدة تكفي لتمزيقه، أن يحميه حقًا؟ لم يستطع أن يصدق ذلك.

وبشيءٍ من التردد، مد يده وربت بإصبعه على إحدى الأوراق المعلقة.

وفي اللحظة التي همّ فيها بإتباع المرأة إلى داخل الكهف، اشتعل جسده بالضوء الأزرق من جديد.

“آه!”

انفجر ضوء أزرق ساطع في أنحاء جسده، وفي اللحظة نفسها اندفع الألم نحوه بلا أي إنذار.

ارتخت ركبتاه وسقط جسده، وكأن النار اشتعلت داخله من جديد.

شعر وكأن عروقه تحترق، وكأن دمه نفسه يغلي تحت جلده.

‘مرة أخرى؟’

بعد ذلك الحلم… كانت هذه هي المرة الثالثة.

تلوّى يونها على الأرض، عاجزًا عن فعل أي شيء سوى إطلاق أنين متقطع أمام ألمٍ لا اسم له ولا نهاية.

كان الضوء الأزرق المحيط به يرتجف باستمرار؛ يشتعل بقوة، ثم يخفت، ثم يعود ليتوهج من جديد.

وفي كل ومضة، كانت الغابة الصامتة تضيء للحظات، كأن شيئًا غريبًا يستيقظ وسط الظلام.

ما إن رأته المرأة يتخبط على الأرض حتى اندفعت نحوه بسرعة.

“ما هذا—؟! مهلًا، ماذا يحدث لك؟!”

قامت بسحبه إلى وضعية مستقيمة، ثم بدأت تجره فعليًا نحو داخل الكهف. لم يكن جر رجلٍ بالغ، وقد أنهكه الألم حتى لم يعد قادرًا على الوقوف، أمرًا سهلًا على الإطلاق.

أسقطته على أرضية الكهف وهي تلهث، ثم بدأت تبحث بعجلة بين أغراضها. وبعد لحظات، عادت وهي تحمل حفنة من الأوراق تشبه تمامًا تلك المعلقة عند المدخل.

لم تتردد ولو للحظة، ثم بدأت تلصقها على جسده واحدة تلو الأخرى.

“تعويذاتي… الاحتياطية… وأنتَ… تستهلكها… كلها.”

كانت تضغط على كل ورقة بأسنانٍ مطبقة، وكأن الأمر يثير غضبها، لكن لم تتوقف أيديها للحظة.

واصلت وضع التعويذات عليه بسرعة، وكأنها تخشى حدوث شيء أسوأ إذا تأخرت ولو قليلًا.

وسواء كانت تلك التعويذات هي السبب أم لا، فقد بدأ وعي يونها يعود بعد وقتٍ طويل.

“اغه…”

ارتجف يونها ودفع نفسه إلى وضعية الجلوس. كان الألم لا يزال طازجًا ووحشيًا، إحساسًا لم يستطع جسده التعود عليه مهما تكرر. رفع ذراعه أمام عينيه، وبدأ يقلبها ويفحصها من كل زاوية.

لم يكن هناك شيء.

اختفى الوهج تمامًا، وكأنه لم يكن موجودًا في الأساس.

“ما أنتَ؟”

وقفت المرأة أمامه وذراعاها متقاطعتان، تنظر إليه بنظرة جانبية هادئة. وبالنسبة ليونها، لم يكن ذلك عادلًا على الإطلاق.

كان هذا هو السؤال الذي أراد طرحه منذ البداية. كلمات الشكر التي كان ينبغي أن يقولها ارتفعت إلى حلقه، لكنه ابتلعها قبل أن تخرج.

تراكم الإحباط داخله قبل أن يتمكن من السيطرة عليه.

“هذا ما أريد معرفته أنا. ما الذي يحدث لي؟”

“ماذا تعني؟”

“أنا! لماذا أستمر في التوهج باللون الأزرق، ثم يتوقف فجأة، وكأن جسدي يتصرف من تلقاء نفسه؟ ما كان ذلك الألم؟!”

“…هذا لم يحدث لك من قبل؟”

“لا! بالطبع لا!”

تكسّر صوت يونها، وكأنه على وشك البكاء. منذ هذا الصباح وحتى الآن، لم يتوقف الضغط للحظة واحدة.

كانت الوحوش التي واجهها بالفعل أكثر مما يمكن لأي شخص تحمله، والآن حتى جسده نفسه بدأ يتمرد عليه. لقد وصل إلى حدوده تمامًا؛ لم يكن من المبالغة القول أنه تحمل في يوم واحد مقدارًا من التوتر يكفي لحياة كاملة.

“همم…”

وضعت المرأة ذقنها فوق يدها، غارقة في التفكير. ثم اقتربت منه ببطء وانحنت نحوه.

“أعذرني للحظة.”

أمسكت المرأة بمعصمه، تتفحص نبضه كما يفعل الطبيب مع مريضه. تجعد حاجباها تدريجيًا، وتحول تعبيرها إلى تركيز عميق، وكأنها كانت تحاول قياس شيءٍ لا يستطيع يونها رؤيته.

وبعد لحظة، أفلتت معصمه بحركة مفاجئة.

“مراكز الطاقة لديك… قد انفتحت قسرًا. ولهذا السبب تتدفق خارج نطاق السيطرة.”

“مراكز الطاقة؟ ماذا فعلت ماذا؟”

لم يفهم يونها أي كلمة مما قالته. كل تفسيرها بدا وكأنه ينتمي إلى عالم آخر تمامًا. وعندما حدق بها بذهول، أطلقت المرأة تنهيدة قصيرة ثم واصلت شرحها.

“يبدو أن شيئًا ما كان مغلقًا بإحكام في الأصل… لكنك عبرت إلى هنا وأنت لا تزال حيًا، لذلك أفترض أن هذا كان أمرًا لا مفر منه.”

ابتلع يونها ريقه. لم يستطع التخلص من ذلك الشعور المزعج بأن الأمور كانت تسير في اتجاه خاطئ تمامًا. وعندما نطقت المرأة بكلماتها التالية، تحول ذلك القلق إلى يقين.

“إذا استمر هذا… ستموت بعد وقتٍ قصير من مغادرتك هذا المكان.”

قالتها بنبرة هادئة، كما لو كانت تخبره بتوقعات الطقس لا بحكمٍ على حياته.

قفز يونها واقفًا.

“ماذا يعني هذا؟!”

“آه، صوتك مرتفع جدًا. اجلس، اجلس. إذا سقطت تلك التعويذات، فقد يحدث الأمر مرة أخرى، كما تعلم.”

نظرت المرأة حول الكهف، وكأنها تفكر في أفضل طريقة لشرح ما سيأتي بعد ذلك.

وبتتبع نظرتها، ألقى يونها أخيرًا نظرةً حقيقية على محيطه.

لقد رأى مكانًا كهذا من قبل.

‘أوه… متحف ما قبل التاريخ.’

كان الجزء الداخلي من الكهف يحمل شبهًا غريبًا بمكانٍ منسي من عصورٍ سحيقة. أثاث بدائي—سرير وسطح يشبه المكتب، كلاهما مصنوعان من أغصانٍ وقش مجمّع بعناية بسيطة—كان منتشرًا في أنحاء المكان. ومع ذلك، كانت كلمة “أثاث” تبدو مبالغة بالنظر إلى مدى خشونة صنعه وعشوائيته.

“تعال معي. علينا أن نتعمق أكثر على أي حال. واحذر… لا تدع تلك التعويذات تسقط!”

اتجهت المرأة نحو الجزء الأعمق من الكهف دون انتظار رد. تبعها يونها، رغم أنه لم يكن لديه أدنى فكرة عما ينتظره في الداخل.

كلما تقدما، أصبح الممر أضيق وأكثر ظلمة. بدأت الجدران الصخرية تقترب من بعضهما البعض، وفي مكانٍ ما أمامهما، وصل إلى أذني يونها صوتٌ خافت لا يكاد يُسمع.

توقف للحظة.

‘هل هذا… ماء؟’

كان صدى المياه المتدفقة يأتي من أعماق الكهف، ينساب عبر الممرات الصخرية بصوتٍ هادئ وغريب.

وبعد فترةٍ قصيرة، وصلا إلى الجزء الخلفي من الكهف. وهناك، في نهاية الطريق، استقر نبعٌ صغير.

“واو…”

خرجت الكلمة من فم يونها دون أن يدرك.

كان المنظر أمامه جميلًا على نحوٍ غير متوقع.

كان النبع يشع بضوءٍ زمردي خافت يمتد حتى سقف الكهف، ناشرًا حوله وهجًا ساحرًا يشبه شيئًا من عالمٍ آخر. كانت خيوط رقيقة من الماء تتدفق من شقوق الصخور على الجدران، تستمر في تغذية البركة دون توقف.

لم تكن البركة كبيرة، لكن لون الماء كان يزداد قتامة كلما اتجه نحو المنتصف، حتى أصبح من المستحيل رؤية قاعها. كان ذلك العمق المجهول يمنحها جمالًا غريبًا… وشعورًا خفيًا بالخطر.

“جميل، أليس كذلك؟ هذا هو مكاني المفضل. تعال، اجلس هنا قليلًا. ليس الوقت مناسبًا بعد… علينا أن ننتظر.”

جلست المرأة بجانب أقرب مجرى للمياه، ثم غمست يدها في النبع. كانت حركاتها طبيعية وسلسة، بلا أي تردد، وكأنها فعلت الأمر نفسه مراتٍ لا تحصى من قبل.

وجد يونها نفسه يقترب منها دون أن يشعر، وكأن شيئًا ما جذبه نحو ذلك المشهد الغريب.

بعد لحظات، أخرجت المرأة يدها من الماء ومدت ذراعها أمام وجهه.

“انظر.”

حدق يونها فيها باستغراب.

“إلى ماذا…؟”

ثم اتسعت عيناه ببطء.

كانت ذراعها تتوهج باللون الأزرق.

تمامًا مثل ذراعه قبل لحظات.

من دون أن يفكر، أمسك يونها بمعصمها.

“انتظري—! هل أنتِ بخير؟”

اندفعت ذكرى الألم الحارق الذي اجتاح جسده بالكامل إلى ذهنه. ذلك الإحساس المرعب، وكأن عروقه كانت تشتعل من الداخل، جعله ينظر إليها بقلق حقيقي.

لكن المرأة لم تبدُ منزعجة على الإطلاق.

بل على العكس، بدت وكأن الأمر لا يستحق حتى التفكير. شعر يونها بنوع من الإحراج من شدة قلقه، بينما ضحكت هي بخفة، بإبتسامة مشرقة وغير مبالية.

“أنا بخير. هذا أمر طبيعي بالنسبة لي. المشكلة، إن وُجدت، هي أنني لا أملك جسدًا ماديًا في الوقت الحالي… لذا إذا استخدمت الكثير منه، فقد…”

توقفت للحظة، ثم قالت ببساطة.

“قد أتوقف عن الوجود.”

اتسعت عينا يونها.

‘هذا لا يبدو بخير على الإطلاق.’

انفتح فمه قليلًا، غير قادر على الرد، لكن بدت المرأة أمامه وكأن الأمر لا يقلقها أبدًا فعلًا.

“إذًا هذا… يتم إنتاجه أساسًا عن طريق حرق طاقة الحياة.”

“طاقة الحياة…؟”

“اعتبرها الحيوية. كل كائن حي يمتلكها. لكن هذا لا يعني أن الجميع يستطيع رؤيتها أو التحكم بها. كما أن الكمية التي يمكن لكل شخص تحملها تختلف من فرد لآخر. على أي حال، تحتاج إلى جسد وروح سليمين حتى تحافظ عليها… و…”

توقفت للحظة.

“أنا لا أملك ذلك.”

أطلقت تنهيدة خفيفة. وللمرة الأولى منذ أن التقاها يونها، اختفى ذلك البريق المرح من تعبيرها. مر ظل خافت على وجهها المشرق، بينما ظلت تحدق في النبع أمامها، وكأن سطح الماء أعاد إليها ذكرى بعيدة لا يستطيع رؤيتها.

بقيت صامتة لبعض الوقت.

“لكن في حالتك أنت…”

تغيرت نظرتها.

العينان اللتان كانتا معلقتين على مكانٍ بعيد عادتا ببطء لتستقرا على يونها.

“قد يكون من الأسهل أن تتخيله كثقبٍ في سدٍّ بناه شخص ما لمنع تدفق المياه.”

“شخص ما منعه؟ من؟ وماذا منع بالضبط؟”

“لا أعرف من.”

مدت يدها تحت تيار الماء المتدفق. تجمع الماء في راحة يدها للحظة، ثم بدأ يتسرب ببطء بين أصابعها.

“في العادة، يمتلك الإنسان هذه الكمية من الماء…”

توقفت قليلًا، تراقب القطرات وهي تسقط.

“ومن المفترض أن يتدفق بشكلٍ طبيعي، منتشرًا ودائرًا في كل مكان.”

ثم أغلقت أصابعها حول الماء، مانعةً التيار من المرور.

بدأ الماء المحاصر في راحة يدها يرتفع تدريجيًا، متجمعًا أكثر فأكثر، وكأنه يبحث عن طريقٍ آخر للخروج.

“لكن شخصًا ما قد قام بسدِّه. تمامًا هكذا.”

واصلت المرأة شرحها وهي تحدق في الماء المتجمع بين أصابعها.

“وهذه الطاقة تشبه القلب إلى حدٍ ما. طالما أن الشخص حي، فهي تستمر في إنتاج المزيد. لذا… ماذا يحدث عندما تمنع خروجها؟”

بدأ الماء يرتفع أكثر فأكثر، محاصرًا في راحة يدها.

“تتراكم. ثم تتراكم أكثر. وتستمر في التراكم حتى…”

وفجأة، عندما فاض الماء عن يدها، صفقت بكفيها معًا.

“بوم!”

انفجر الماء في جميع الإتجاهات، وتناثرت القطرات حولهما حتى أصابت وجه يونها.

انزلقت قطرات الماء ببطء على خده، لكنه لم يرفع يده لمسحها حتى.

ظل واقفًا في مكانه، فمه مفتوح، يحدق في المرأة وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه للتو.

“هذه هي حالتك الآن.”

نفضت المرأة الماء العالق في يديها، فتناثرت القطرات الصغيرة حولها.

“لو كان التدفق الأصلي ضعيفًا، فلن تكون هناك مشكلة كبيرة في إغلاقه. لن يمتلئ الوعاء أبدًا مهما طال الوقت.”

ثم نظرت إلى يونها من أعلى إلى أسفل، كما لو كانت تحاول تقدير شيء لا يمكن رؤيته، وبعد لحظة هزت رأسها.

“لكن أنت…”

توقفت قليلًا.

“أنت عمليًا شلال.”

خرجت الكلمات منها ببساطة، لكن وقعها كان مختلفًا تمامًا على يونها.

“بصراحة، لو لم يكن مغلقًا، لما كنت ستبقى حيًا لفترةٍ طويلة. انفجاره الآن أو انفجاره في وقتٍ سابق… لا يوجد فرق كبير. أما إذا كان ذلك الختم شيئًا جيدًا أم سيئًا…”

أمالت رأسها قليلًا.

“لا أستطيع أن أجزم بذلك حقًا.”

استمع يونها في ذهول، الكلمات تنهال عليه واحدة تلو الأخرى دون أن يتمكن عقله من ترتيبها أو استيعابها بالكامل.

لكن جملة واحدة فقط علقت في ذهنه.

“لما كنتُ قد نجوت…؟ ماذا تقصدين بذلك؟”

“تخيل طفلًا حديث الولادة يمتلك هذا القدر الهائل من الطاقة. لا يملك القوة لتحملها، ولا يوجد وعاء كبير بما يكفي لإحتوائها. ستتراكم بداخله ثم تنفجر على الفور تقريبًا.”

توقفت قليلًا قبل أن تضيف بهدوء.

“أو سيصبح فريسةً للشياطين الجائعة.”

“شياطين؟”

“نعم. ماذا كنت تظن أن تلك الأشياء التي رأيتها من قبل كانت؟”

تردد يونها للحظة.

“أنا… ظننتُ أنها وحوش.”

“وحوش؟”

ضحكت المرأة بخفة.

“حسنًا، أفترض أنه يمكنكَ رؤيتها بهذه الطريقة.”

ظل يونها صامتًا للحظة، ثم عبس.

“إذًا أنت تقولين إن تلك… تلك الوحوش كانت في الحقيقة أشباحًا؟”

هزت المرأة كتفيها ببساطة.

“فكر فيها كما تشاء.”

عادت صورة ذلك المخلوق وهو ينقض عليه إلى ذهن يونها مرة أخرى. شياطين أو وحوش… لم يكن الإسم هو المهم. كانت تقول أن هناك المزيد منها في الخارج.

لكن السؤال الحقيقي كان شيئًا آخر.

‘من الذي أغلق طاقته في المقام الأول؟’

شعر رأسه بالدوران من كثرة الأمور التي لم يجد لها إجابة.

“حسنًا. حان الوقت لتكون ممتنًا لأنك صادفتني.”

“ماذا؟”

“قلت أنك تريد عقد صفقة. حسنًا، تغيرت الشروط الآن. في البداية كنت سأساعدك على الخروج من هنا فقط… لكن يبدو أنكَ ستموت بدوني.”

‘عن ماذا كانت تتحدث هذه المرة؟’

حدق يونها فيها بفراغ، غير قادر على مجاراة قفزاتها الغريبة في الحديث. أما هي، فاكتفت بإبتسامة واسعة، وكأنها كانت تنتظر منه أن يدرك شيئًا واضحًا للغاية.

“بإمكاني إبقائكَ على قيد الحياة.”

***

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ♡♡

تابعوا حسابي على الإنستا انزل فيه أمور تخص الرواية: i8xs_1

🎉

انتهى الفصل 7

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك