الفصل 11
ولدت السيدة الكبيرة «تسين» ونشأت في مقاطعة «يون جينغ». كما كان موطن أسلافها في مقاطعة «يون جينغ» أيضاً، ولذا كانت تربطها بالبلدة علاقة حميمة لا يمكن قطعها.
ولم يكن هناك شك في أن السيدات الشابات من العائلات النبيلة في بيكين كُنّ جميلات، لكنها كانت تشعر دائماً بأن هناك شيئاً ينقصهن. وعندما يتعلق الأمر باختيار زوجة لحفيدها، كان الترجيح يميل لديها دائماً لأن يتزوج من إحدى بنات مقاطعة «يون جينغ» المحليين.
«أنتِ على حق! لنختر زوجة صالحة لـ “شاو تشينغ” هنا في مقاطعة «يون جينغ»! وعندها يمكننا العودة إلى بيكين بمجد وفخار!» أضافت «تشو شيانغ» وهي تضحك بصوت خافت: «أمي، أنا معكِ في هذا!»
وبدا أن السيدة الكبيرة «تسين» تذكرت شيئاً فجأة، فـواصلت الكلام: «صحيح، هل كنتِ أنتِ من نشر الخبر المزيف بأن أعمال عائلتنا تسين تمر بأزمة مالية؟»
«لا». هزت «تشو شيانغ» رأسها وقالت بتعبير محتار: «أمي، ظننتُ أنكِ أنتِ من نشر الشائعة عمداً كوسيلة لاختبار واستكشاف عائلة مو!»
فلولا ذلك الخبر المزيف، كيف كان بوسعهما رؤية حقيقة أفراد عائلة «مو»!؟
لاحظت السيدة الكبيرة «تسين»: «لم أكن أنا أيضاً!»
وعندئذ قطبت «تشو شيانغ» حاجبها وقالت وهي متحيرة: «إذا لم تظهري أنتِ أو أنا، فمن كان إذاً؟»
«كنتُ أنا».
وقبل أن يتلاشى الصوت، دخل قوام طويل ونحيف إلى البيت قادماً من الخارج. كان يرتدي رداءً صينياً تقليدياً، وتحمل يده مسبحة من الخرز الأحمر القاني. وكانت الشامة الحمراء عند طرف عينيه تبرز جاذبيته، بينما كان مظهره العام أكثر رقة وحسناً من مظهر امرأة.
«وصل “شاو تشينغ” إلى البيت!»
نظرت «تشو شيانغ» نحو «تسين شاو تشينغ» بابتسامة. كان الأم وابنها يتشابهان كثيراً؛ وبالإضافة إلى ذلك، كانت «تشو شيانغ» تولي اهتماماً كبيراً لروتين العناية ببشرتها، ولذا كانا يبدوان كـأخين بدلاً من ذلك!
«يا “شاو تشينغ”، هل قلت للتو إنك أنت من نشر الخبر المزيف عن الأزمة المالية؟» نظرت السيدة الكبيرة «تسين» نحو «تسين شاو تشينغ».
أومأ «تسين شاو تشينغ» برأسه بخفة شديدة وحرك خرزات المسبحة: «كيف كان رد فعل عائلة مو؟»
أجابت «تشو شيانغ» بـعبوس: «لقد تصرفوا كـأناس متكبرين يمالئون أصحاب المال! وبمجرد أن اكتشفوا أن عائلتنا تسين تمر بأزمة مالية، قطعوا الروابط معنا على الفور! بل إنهم حاولوا حتى استخدام 200,000 يوان لإهانتنا!»
ورغم سماعه ذلك، ظل تعبير «تسين شاو تشينغ» هادئاً ومهذاراً كما كان من قبل؛ ولم يكن مذهولاً ولا غاضباً، وكأن كل شيء كان ضمن توقعاته.
«”شاو تشينغ”، كيف لا يبدر منك أدنى رد فعل؟ لقد تحملتهما جدتك وأنا من أجلك!»
نقل «تسين شاو تشينغ» نظره نظرة نحو «تشو شيانغ»: «لن تزيدا من قدركما إلا حطة ودناءة عندما تتجادلان مع أمثال هؤلاء البشر. وعلاوة على ذلك، أخبرتكما من قبل أن ابنة عائلة مو ليست كفئاً ومناسبة. وكنتِ أنتِ وجدتي من أصررتما على الأمر بالرغم من ذلك».
«وما الغرض من إصرارنا على ذلك؟ إنه كله لأجلك! أنت شقي بلا قلب!» كانت «تشو شيانغ» غاضبة.
زم «تسين شاو تشينغ» شفتيه النحيفتين بإحكام مع نظرة عاجزة إلى حد ما على وجهه.
ومع ذلك، جعل ذلك «تشو شيانغ» تبدو كـفتاة صغيرة تتصرف بدافع الاستفزاز عن عمد.
«”شاو تشينغ”». التفتت السيدة الكبيرة «تسين» لتنظر نحو «تسين شاو تشينغ»: «أخبرني بصراحة، هل هناك شخص تحبه في قلبك؟ إذا كان ذلك الشخص في قلبك، فلن أكون قلقة بعد الآن! وسيوفر ذلك وقتي وجهدي، ولن أكون قلقة طوال اليوم…»
كانت السيدة الكبيرة «تسين» قلقة بصدق.
فقد كان هناك وريث ذكر واحد لثلاثة أجيال في عائلة «تسين». ورغم أن «تسين شاو تشينغ» كان الابن الخامس، إلا أن جميع إخوته الآخرين كانوا إناثاً. ومع ذلك، كان «تسين شاو تشينغ» يقضي كل يوم في التعبد لـ”بوذا” وممارسة النباتية. وكانت خائفة من أن ينقطع نسل عائلة «تسين» على يديها.
حرك «تسين شاو تشينغ» خرزات المسبحة في يده بينما تدلت الشراشيب الطويلة من كمه: «لا يوجد».
«أحقاً لا يوجد، أم أنك تتظاهر فقط؟»
«حقاً لا يوجد».
واصلت السيدة الكبيرة «تسين»: «أمك وأنا لسنا ضيقتي الأفق. ولا داعي لنا لاستخدام مصاهرة بالزواج لتعزيز مكانتنا في البلاد في ظل سمعتنا. أوه يا “شاو تشينغ”… إذا كان هناك شخص تحبه في قلبك، فيجب عليك إخباري، حسناً؟ ليس لديّ أي متطلبات أخرى؛ وسيكون الأمر بأس بأس به حتى لو كانت لدى هذا الشخص بعض العيوب! سيكون الأمر على ما يرام طالما أنها تعرف كيف تحتتمي تحت سقف عندما تمطر!»
وعند هذه النقطة، كانت السيدة الكبيرة «تسين» ستقبل الأمر حتى لو تزوج من بلهاء! ألم يزل شرطها منخفضاً بما فيه الكفاية؟
لماذا لم تكن هناك أي أخبار عن علاقة لـ «تسين شاو تشينغ» حتى الآن؟ كان في الثلاثين من عمره الآن، فـكم من الوقت لا يزال يريد المماطلة فيه؟
أومأت «تشو شيانغ» برأسها موافقة: «طالما أنك راغب في إعطائنا اسمها، فسنقوم جدتك وأنا بتقديم طلب الخطبة نيابة عنك فوراً! ولن يكون لدينا أي رأي آخر على الإطلاق!»
أجاب «تسين شاو تشينغ» بسؤال: «أمي، جدتي، أتعتقدان أن كل ما في الحياة هو الزواج وإنجاب الأطفال، ثم زواج الأطفال لإنجاب الأحفاد، وتكرار الدورة حتى نهاية حياة المرء؟»
ما معنى الحصول على حياة روتينية كهذه؟
فبدلاً من الإيمان بالحب، من الأفضل للمرء أن يؤمن بنفسه.
وكان بوسعه بناء إمبراطورية أعمال لنفسه على الأقل.
اعتاد «تسين شاو تشينغ» الوقوف على القمة وكل شيء في متناوله. ولم يكن الأمر وكأنه يلزمه الزواج وإنجاب الأطفال في حياته.
عجزت السيدة الكبيرة «تسين» عن الكلام للحظة قبل أن تواصل الحديث: «”شاو تشينغ”، إذا لم تفعل ذلك بنفسك، فسأفعله أنا لأجلك! ومهما كانت الحالة، يجب أن أراك تتزوج وتنجب الأطفال بينما لا أزال على قيد الحياة. وإلا فلن أتمكن من الراحة بسلام عندما أكون في القبر».
قطب «تسين شاو تشينغ» حاجبيه بخفة شديدة.
ولما لاحظت السيدة الكبيرة «تسين» التغير في تعبير «تسين شاو تشينغ»، ضغطت بيدها اليمنى فوراً على صدرها: «لا أستطيع التنفس! إنه أمر خانيق! أنا أموت…»
هرعت «تشو شيانغ» فوراً وساندت السيدة الكبيرة «تسين» بإحدى يديها وربطت على ظهرها باليد الأخرى: «أمي! أمي! ما الذي يحدث لكِ؟ هل أنتِ بخير؟ أنتِ ترعبينني!»
وعقب قول ذلك، نظرت «تشو شيانغ» نحو «تسين شاو تشينغ»: «انظر إلى ما فعلته! لقد أغضبت جدتك! أمي، لا تغضبي. لا تقلقي! “شاو تشينغ” طفل عاقل؛ وسيلتزم برغبتكِ بالتأكيد».
«دعيني آخذكِ إلى الأعلى حتى تتمكني من الراحة».
تجاوبتا مع بعضهما البعض بحيث لم تُتح لـ «تسين شاو تشينغ» الفرصة للرد أو الدحض.
وعلى الجانب الآخر من الأمور في صيدلية الطب الصيني التقليدي، مررت «ييه تشوو» الوصفة الطبية التي كتبتها إلى صاحب الصيدلية.
استلم صاحب الصيدلية الوصفة وألقى نظرة على «ييه تشوو» وهو يقول: «يا آنسة، هل هذه الوصفة الطبية الخاصة بكِ تُستخدم لعلاج نقص الدم والمستنقعات (الملاريا)؟»
«نعم». أومأت «ييه تشوو» برأسها.
فكر صاحب الصيدلية في الأمر للحظة: «هل يمكنني إزعاجكِ بـكتابة رقم الهاتف أو العنوان الخاص بممارس الطب الصيني التقليدي العجوز هذا، لو سمحتِ؟»
كان بوسعه التمييز بأن ممارساً خبيراً في الطب الصيني التقليدي هو من كتب الوصفة بمجرد إلقاء نظرة واحدة.
وكان خط اليد عميقاً وبارعاً أيضاً.
ابتسمت «ييه تشوو»: «الشخص الذي كتب الوصفة هو أنا».
«يا فتاة، توقفي عن المزاح». ابتسم صاحب الصيدلية.
كان الطب الصيني التقليدي مجالاً يتطلب مزيجاً من المعرفة الواسعة والخبرة. وكان من المستحيل كلياً على المرء استيعابه دون قضاء بضعة عقود في ممارسته.
وكانت الفتاة تبدو في سن السابعة عشرة أو الثامنة عشرة على الأكثر.
وعلاوة على ذلك، كان الشباب هذه الأيام متمكنين جداً في إطلاق التخمينات العشوائية وكأنهم على دراية واسعة.
تحدثت «ييه شو» من الجانب: «يا سيدي، أنا المريضة، وهي ابنتي. وهي من كتب هذه الوصفة حقاً».
«أحقاً ذلك؟» ولما لاحظ مدى جدية «ييه شو»، ضيق صاحب الصيدلية عينيه.
«نعم، إنه كذلك!» أومأت «ييه شو» برأسها.
تردد صاحب الصيدلية للحظة قبل أن يقول: «إذاً يا فتاة، هل تتركين رقم هاتفكِ لي؟»
«بالتأكيد».
أومأت «ييه تشوو» برأسها.
ثم مرر صاحب الصيدلية قلماً وورقة إلى «ييه تشوو».
وعندئذ خفضت «ييه تشوو» رأسها لتكتب: «اسمي ييه تشوو، ولا أملك هاتفا. وهذا الرقم يخص خالي. ويمكنك الاتصال بخالي إذا كنت ترغب في الوصول إلي. وخالي يحمل لقب ييه أيضا».
كانت متأكدة من أن المالكة الأصلية لجسدها كانت تمتلك هاتفا. ومع ذلك، فإن تلك الأشياء كانت تعود لعائلة «مو». ولم تجلب «ييه تشوو» أي شيء معها عندما غادرت.
وعقب قول ذلك، أعادت «ييه تشوو» الورقة إلى صاحب الصيدلية.
استلم صاحب الصيدلية الورقة وأُصيب بالذهول للحظة. واكتشف أن خط اليد على الورقة كان مطابقاً تماماً للخط الموجود على الوصفة الطبية!
وكانت هناك سلسلة من الأرقام تتبع الكلمتين المكتوبتين بأناقة—«ييه تشوو».
أيعقل أن تكون الفتاة موهوبة بشكل استثنائي لدرجة أنها خبيرة في الطب الصيني التقليدي في مثل هذه السن المبكرة؟
كبح صاحب الصيدلية الشك الذي كان في قلبه وبدأ في تقسيم الأعشاب الطبية لـ «ييه تشوو». ومَلأ حقيبتين كبيرتين: «يا فتاة، التكلفة الإجمالية هي 5,000 يوان».
«لماذا هي باهظة الثمن إلى هذا الحد؟» سألت «ييه شو» بـذهول.

💬 المناقشة