الفصل 16

في نظر «تسينغ رو» و«لين وويو»، كانت «ييه تشوو» مجرد غبية ومغفلة كلياً!

فلو أمرتا «ييه تشوو» بالتوجّه شرقاً، لما كانت تمتلك الشجاعة للتوجّه غرباً.

ولو لم تكن كذلك، لما تم العبث بها بسهولة من قبلهما وتتحول إلى مجرد تابعة وملحق لهما لسنوات عديدة.

لم تكلف «لين وويو» نفسها عناء التظاهر بعد الآن؛ وامتلاء تعبير وجهها بالسخرية والازدراء: «يا تشوو تشوو، تذكري شراء المزيد من مستحضرات التجميل لنفسكِ غداً! لا يزال لديّ أنا ورُو رُو بعض الأمور لنقضيها؛ نحن نغادر الآن».

«حسناً». أومأت «ييه تشوو» برأسها.

وبينما كانت تتابع بقوام «وويو» و«تسينغ رو» المغادر بنظرها، انحنى طرف شفتيها الداكنتين باللون الأحمر إلى قوس ينم عن التهكم. لم تكن لتصدق في الماضي أن شيئاً ما سيسقط في حجرها بهذه السهولة؛ لكنها تصدق ذلك الآن.

وفي هذه الأثناء، توجهت «تسينغ رو» و«لين وويو» إلى بيت عائلة «مو»؛ فقد كانتا تتوقان لإبلاغ «مو يورونغ» بالوضع المزري لـ «ييه تشوو».

«يا يورونغ، حدسي من قابلتُ أنا و«وويو» بالخارج في وقت سابق؟»

«من؟» رفعت «مو يورونغ» رأسها للحظة.

أجابت «تسينغ رو»: «لقد كانت «ييه تشوو»! هل تعلمين ما الذي تفعله تلك المتصنعة بلا حياء الآن؟ إنها تعمل في الواقع كـمنظفة لدى بائع متجول في الشارع! هل تعلمين كم هي مثيرة للشفقة الآن!؟»

وعند سماع ذلك، عادت الحماسة إلى وجه «مو يورونغ» الذي كان يشعر بالملل في الأصل، بينما انحنى طرف شفتيها إلى ابتسامة ساخرة: «أحقاً ذلك؟»

«إنه كذلك، إنه كذلك!» واصلت «تسينغ رو» الكلام: «كانت تردي زي العمال الخاص ببائع الشارع، حتى إننا ألقينا التحية عليها! إنها غبية تماماً كما كانت في الماضي!»

أضافت «لين وويو»: «لقد كانت حمقاء منذ البداية، وهي عاهرة أخذت مكانكِ يا يورونغ! كيف يمكن مقارنتها بـكِ!؟ يورونغ هي طائر عنقاء يجلس على غصن بينما هي… هي أسوأ من الطين على الأرض!»

«مهما كان الحال، تربطني أنا و«ييه تشوو» علاقة أخوة مقدرة. لماذا لا نحدد وقتاً لزيارتها؟» سألت «مو يورونغ».

كانت «ييه تشوو» في مثل هذه الحالة الرثة والمزرية الآن، ولذا إذا قامت بمد يد العون لها، فستشعر «ييه تشوو» بالتأكيد بالامتنان للطفها… تماماً كما كان الحال في حياتها السابقة، وستصبح «ييه تشوو» تحت سيطرتها مرة أخرى. وبطبيعة الحال، كانت نظرة «مو يورونغ» مليئة بالنوايا والمخططات الخبيثة.

«لننزّلها ليلة الغد إذاً؟» سألت «لين وويو».

أومأت «مو يورونغ» برأسها: «بالتأكيد».

في الصباح التالي، خرجت «ييه تشوو» لـركضها الصباحي المعتاد بعد الاستيقاظ كـالمعتاد. كانت ترتدي قميصاً أبيض بسيطاً وتبدو مفعمة بالنعومة والرشاقة رغم عدم وجود تعبير خاص على وجهها الأبيض الناصع. وإن كان هناك شيء، فإنه البرود فقط هو ما كان يتسلل عبر بهائها.

وعندما لاحظ المارة وجودها تباعاً، أضاءت أعينهم بالصدمة والإعجاب.

وبعد الركض، توجهت «ييه تشوو» إلى السوق ثم عادت إلى البيت لإعداد الحساء وتجهيز وجبة الإفطار.

كانت بارعة جداً في الطهي لدرجة أن «ييه سين» لم يستطع التوقف عن إشادة مهاراتها في كل مرة يتذوق فيها طعامها: «أنتِ مذهلة حقاً يا ابنة أختي! عصيدة اللحم المفروم مع البيض المحفوظ طعمها أفضل بكثير من تلك التي تجدينها في محلات الإفطار!»

وعقب قول ذلك، بدا أن «ييه سين» تذكر شيئاً، فقال: «صحيح، اتصل شخص ما بهاتفي هذا الصباح يبحث عنكِ».

«من كان ذلك؟» أُصيبت «ييه تشوو» بالذهول للحظة.

«قال إنه صاحب صيدلية «ويلنس» للطب الصيني التقليدي».

تذكرت «ييه تشوو» فجأة الوقت الذي ذهبت فيه لشراء الدواء لوالدتها: «هل قال أي شيء؟»

أجاب «ييه سين»: «طلب منكِ التوجه إلى صيدليته هذا الصباح إذا كنتِ متفرغة».

«حسناً، فهمت». أومأت «ييه تشوو» برأسها.

وبعد الإفطار، اغتسلت «ييه تشوو» وكانت تخطط للخروج؛ فذهبت لشراء هاتف لنفسها، واشتركت في خط هاتف، ثم توجهت إلى صيدلية الطب الصيني التقليدي.

«مرحباً، هل تبحث عني؟»

«لقد وصلتِ يا فتاة». أضاءت عينا الصيدلي عند رؤية «ييه تشوو»، وسارع بالترحيب بها داخل المحل.

«إذاً كنت تبحث عني؛ هل هناك أي شيء يمكنني مساعدتك بخصوصه؟»

واصل الصيدلي: «يا فتاة، كنتُ أبحث عنكِ لأن لديّ شيئاً أحتاج إلى مساعدتكِ فيه».

«تفضل بالكلام».

«أرجو أن تسمحي لي بتقديم نفسي؛ اسمي «تشين دا فنغ»…»

وكانت هذه تفاصيل القصة تقريباً… كان لدى «تشين دا فنغ» زوج أخت/زوج ابنة أخ يسكن معه، وقد مرض بشدة قبل عام. ولم يتم تشخيص المرض بسبب الأعراض الغريبة إلى حد ما. واستشار أطباء لا حصر لهم خلال هذه الفترة، لكن المرض كان يزداد سوءاً يوماً بعد يوم إلى درجة أنه كان على وشك الموت.

ونتيجة لذلك، أراد أفراد العائلة تجربة الطب الصيني التقليدي. ولاحظ «تشين دا فنغ» كيف كانت الوصفة الطبية التي كتبتها «ييه تشوو» في الماضي مثالية تماماً، ولذا حاول طلب مساعدة «ييه تشوو» لفحص قريبه.

«الأمر لا يحتمل التأخير. أرجو أن تأخذني لفحصه»، قالت «ييه تشوو».

«بالتأكيد». أومأ «تشين دا فنغ» برأسه.

ترك بضع كلمات مع الموظف في الصيدلية ثم أخذ «ييه تشوو» إلى بيت قريبه.

لم يكن قريب «تشين دا فنغ» شخصاًعادياً؛ فقد كان يعيش في فيلا تقع في مجمع سكني للأثرياء وكان لديه بضعة خدم في بيته.

«يا خال، لقد وصلت». كانت ربة البيت جميلة جداً، وتبدو في السابعة والعشرين أو الثامنة والعشرين من عمرها تقريباً. ومع ذلك، كان من الواضح أن الهالات السوداء تحت عينيها تبدو شديدة للغاية.

وقال «تشين دا فنغ» عندئذ: «يا تشياو يي، هذه هي الصغيرة «ييه»، ممارسة الطب الصيني التقليدي التي أخبرتكِ عنها. يا صغيرة «ييه»، هذه ابنة أختي، «تشين تشياو يي»».

ولاحظت «تشين تشياو يي» للتو «ييه تشوو» الواقفة بجوار صاحب الصيدلية؛ ومرت نظرة دهشة عبر عينيها.

كانت الفتاة تبدو فائقة الجمال والنعومة، لكنها بدت صغيرة السن للغاية. هل ستعالج مرضه؟ أكان بوسعها حقاً؟

بادرت «ييه تشوو» بإلقاء التحية على «تشين تشياو يي»: «مرحباً، اسمي ييه تشوو، ولكن يمكنكِ مناداتي بالصغيرة ييه».

«مرحباً يا صغيرة ييه. تفضلي بالجلوس». أمرت «تشين تشياو يي» الخادمة بتقديم الشاي.

جلست «ييه تشوو» وشربت رشفة من الشاي: «أرجو أن تأخذيني لرؤية المريض».

ترددت «تشين تشياو يي» للحظة ولكنها أجابت في النهاية: «بالتأكيد».

ورغم أن الفتاة كانت صغيراً، إلا أنها كانت موصى بها بشدة من قِبل خالها، «تشين دا فنغ». ولذا، لم يكن بوسعها مجرد تجاهل جهد خالها.

أخذت «تشين تشياو يي» «ييه تشوو» إلى غرفة النوم.

كانت غرفة النوم ضخمة، وكانت رائحة المطهر تملأ الهواء؛ ولم تكن رائحة زكية.

وكان الرجل قد نَحُفَ وأصبح هزيلاً إلى درجة أن جسده فقد شكله. وكان مستلقياً بلا حراك على السرير، ولم يكن بوسع المرء رؤية أي علامات حيوية من جسده.

جلست «ييه تشوو» بجوار السرير، ومدت يدها، ووضعت إصبعها على وريد الرجل بينما ركزت انتباهها عليه.

وبعد فترة طويلة، أرخت قبضتها عن معصم الرجل ورفعت رأسها لترى «تشين تشياو يي»: «يا آنسة تشين، هل زار زوجكِ دولة استوائية قبل أن يمرض؟»

أُصيبت «تشين تشياو يي» بالذهول للحظة، ثم أومأت برأسها: «نعم! لقد زرنا بوليفيا».

أومأت «ييه تشوو» برأسها: «هذا صحيح إذاً. زوجكِ يعاني من حالة نادرة جداً يُطلق عليها مرض «أنوكس» (Annox Disease). ومن النادر جداً أن يصاب البشر بهذا المرض، وينتشر عادة عن طريق تناول اللحوم النيئة. وعلاوة على ذلك، لا يُعثر عليه وينتشر إلا في الدول الاستوائية».

«مرض أنوكس؟»

واصلت «ييه تشوو»: «ببساطة أكثر، هذا مرض طفيلي، وهناك أقل من ثلاث حالات تم تشخيصها عالمياً!»

«إذا كان طفيلياً، فلماذا لم تكتشفه المستشفى عندما ذهبنا لإجراء الفحوصات؟» سألت «تشين تشياو يي» بمباشرة.

أوضحت «ييه تشوو»: «ذلك لأن طفيلي «أنوكس» شفاف وشبيه بالخيوط. والطفيلي ممتلئ بالدهاء والمكر؛ وبمجرد أن يجد عائله البشري، فإنه يندمج في لحم العائل، ولذا فمن الصعب جداً العثور عليه باستخدام التكنولوجيا المتاحة حالياً».

كان المرض شائعاً جداً في العالم الذي عاشت فيه «ييه تشوو»؛ فقد كان تماماً مثل الإنفلونزا العادية. ومع ذلك، لم تفهم «ييه تشوو» لماذا يمكن للبشر في هذا العصر الإصابة به أيضاً.

«إذا كنتِ لا تصدقينني، فيمكنني إثبات ذلك لكِ». أزالت «ييه تشوو» البطانية وضغطت على بضع نقاط تحفيزية على صدر الرجل بـيدها اليسرى.

«غُثاق!» قفز الرجل المستلقي على السرير جالساً فجأة وتقيأ ملء فمه من الدم الطازج على الأرض. ثم أُغمي عليه مرة أخرى.

جَزِعَت «تشين تشياو يي»: «يي تاو! يي تاو!»

وقالت «ييه تشوو» عندئذ: «يا آنسة تشين، أرجو منكِ إلقاء نظرة على الأرض».

خفضت «تشين تشياو يي» رأسها لـتنظر نحو الأرض، وشحب وجهها بشدة في لحظة: «ما هذا! ما هذا!؟»

كانت هناك بضع ديدان شفافة شبيهة بالخيوط تتلوى في الدم الأحمر. وكان منظر ذلك مرعباً بشكل غير عادي.

«هذا هو طفيلي أنوكس».

ومقارنة بصاحب الصيدلية الفزع و«تشين تشياو يي»، كانت «ييه تشوو» هادئة إلى أبعد الحدود.

«يا آنسة ييه! يا آنسة ييه! أرجوكِ أنقذي زوجي، أنا أتوسل إليكِ! أرجوكِ أنقذيه!» تحولت «تشين تشياو يي» دون وعي من مخاطبتها بـ الصغيرة ييه إلى الآنسة ييه. وكانت تلك علامة على ثقتها في «ييه تشوو».

«لا تقلقي يا آنسة تشين. سأبذل قصارى جهدي بالتأكيد».

«هل لديكِ قلم وورقة معكِ؟» سألت «ييه تشوو».

«نعم! نعم!» سارعت «تشين تشياو يي» بأمر خادمتها بإحضار قلم وورقة.

وعندئذ خفضت «ييه تشوو» رأسها وكتبت وصفة طبية قبل تمريرها إلى «تشين تشياو يي»: «تناولي الدواء كما هو موصوف. وسأعود للمتابعة بعد أسبوع واحد».

«بالتأكيد! بالتأكيد!» استلمت «تشين تشياو يي» الوصفة الطبية؛ وكانت منفعلة جداً لدرجة أنها كانت تجثو على ركبتيها: «يا آنسة ييه، إذا كان بوسعكِ شفاء زوجي، فستكونين المنعمة والمفضلة على عائلتنا بأكملها!»

سارعت «ييه تشوو» بـمساعدة «تشين تشياو يي» على الوقوف مجدداً: «يا آنسة تشين، لن يكون الوقت متأخراً لشكركِ لي عندما يتعافى زوجكِ تماماً».

الابنة العظيمةُ تُديرُ كَفّةَ العَالَم. - 16

🎉

انتهى الفصل 16

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك